أضيف في 28 يناير 2018 الساعة 18:06

جراد من نوع آخر


المصطفى سالمي

اسودت السماء بما يشبه الغيوم الداكنة، ولاح منظر غريب غامض، المنطقة هنا صحراوية نادرا ما تشهد تساقطات مطرية، إنها مدينة بوجدور التي تقع في الجنوب المغربي على بعد مائتي كيلو من مدينة العيون التي تقع شمالا، وثلاثمائة وستين كيلو من مدينة الداخلة التي تقع في أقصى الجنوب. وفجأة اتضحت معالم المشهد، إنه الجراد الجوال، بدأت فجأة أولى التساقطات تنهمر على أرجاء المنطقة، جراد بني صحراوي عابر للحدود، لا يعترف بجواز سفر أو تأشيرة، يلتهم الأخضر واليابس، ولكن هنا لا وجود إلا لنباتات شوكية صحراوية في المساحات الشاسعة المتمددة لمئات بل آلاف الأميال، وحدها وسط المدينة وإداراتها تعرف تواجد شجيرات نخيل وقليلا من الأغراس التي قاومت التصحر والمناخ المداري القاسي والرياح العاتية وارتفاع نسبة الرطوبة التي تؤدي لأكسدة الحديد وتآكله، فما بالك بالحجر والشجر والبشر. وحدها المدرسة الإعدادية الوحيدة بالمدينة تتحدى هذا وتمثل الاستثناء بتواجد حديقة صغيرة سهر السيد عبد السلام ـ الخبير بالبستنة ـ على رعايتها واستنبات عديد الأغراس بها، وهذه الحديقة هي ملاذ المدرسين بإعدادية (عمر بن الخطاب) حيث يتجمعون أوقات الاستراحة لشرب الشاي وتبادل الأحاديث، وهنا يقضي الأستاذ (سليم) لحظات سعيدة حين يأتي بابنه ـ ذي العامين والنصف ـ يوم الأحد خارج أوقات العمل، فيسمح له السيد عبد السلام بقضاء أوقات قليلة على الكراسي الإسمنتية قبالة النباتات الخضراء بعيدا عن قتامة الصحراء في الخارج، فيتوهم صاحبنا لحظتها أنه في سهول الشاوية حيث شب وترعرع، كان الأستاذ (سليم) يزود هذه الحديقة ببعض البذور التي يأتي بها من مدينته التي تقع وسط سهول المغرب الأخضر بعيدا عن هنا بما يزيد عن ألف وثلاثمائة كيلو وذلك حين يذهب إلى هناك في العطل الصيفية، هنا المدرسون يتغنون بأغنية: "زوروني في السنة مرة" للمطربة فيروز، فهم ينطبق عليهم حرفيا عنوان هذه الأغنية.

وها هي جحافل هذا الغزو مستمرة، حل المساء وحطت هذه الكائنات الأشبه بطائرات الهيليكوبتر، وبدأت أفواج تقفز مكانها وأخرى تترنح وتنزل. كان بيت الأستاذ (سليم) يشتمل على فناء يدخل منه الضوء والهواء ، وقد غطى صاحبنا القضبان الحديدية التي تعلو الفناء بشبكة ذات عيون صغيرة لمنع دخول الصراصير والذباب اللذين يشتهر بهما هذا الإقليم الصحراوي، لكن هذا الغزو يظهر أنه فاق كل ما عرفته (بوجدور) من حشرات أخرى سواء من حيث العدد أو العتاد، ففي هذه المنطقة وفي أوقات هبوب رياح (الشركي) تظهر اليعاسيب والفراشات الصحراوية السوداء والرعاش...

كان الأستاذ (سليم) يعتقد أن هذا الجراد لن يتمكن من التسلل لداخل بيته مع إحكام إغلاق النوافذ والباب، لكن يظهر أنه لا شيء يستطيع الوقوف أمام هذا الجراد الصحراوي المرعب، لقد التهمت بعض الجرادات الجائعة الشبكة وتساقط بعضها داخل فناء البيت، ووجدها الصغير (عبد الرحيم) فرصة لالتقاط الحشرة الغريبة بداعي الفضول، لكن الأخيرة تدافع عن نفسها بحركة آلية سريعة من رجليها الخلفيتين، مما يدمي أحيانا يد الصغير الطرية أو يؤلمها، فيرمي الصيد المرعب، يظهر أنها حشرات لا ينفع معها لا قطط ولا لقالق أو نوارس وطيور بحر وما أكثرها هنا، لقد حولت هذه الكائنات النهمة الجائعة الأغراس القليلة إلى عيدان، كان يكفي تحريك الشجيرات الصغيرة بحديقة الإعدادية لتحلق حواليها أسراب أشبه بذباب أو نحل ثم تعود لتلتصق بها في مشهد غريب، إنها تلتهم وتفتك بشراسة كالقراد الذي يمتص دماء ضحاياه ولا يتركها إلا بعد استنزافها..

في اليوم الموالي ومع أول شعاع ضوء للشمس غادرت أسراب لتحل محلها أفواج جديدة أقبلت كسحب سوداء منطلقة بأقصى سرعة وكأنما تخرج من فوهة الجحيم من حيث لا يدري أحد، ثم تنطلق نحو الشمال لا يوقفها شيء.

مضت أيام وأيام قبل أن تقل هذه الأسراب ثم تختفي إلا من بقايا نادرة، وقد قال بعض العارفين من كبار السن إنها لا تطيل المقام هنا لأن هذه البلاد لا نباتات فيها ولا تربة خصبة تخفي فيها بيضها، ورد عليه احدهم:

ـ ولكن الرمال هنا متمددة، فلم لا تضع فيها بيضها؟

لكن ذلك العارف رد عليه بأن الرمال تزحف هنا باستمرار وتتلف البيوض أو تردمها للأبد، بينما دورة الحياة تقتضي دفن البيض بأرض مغذية بحيث تجد عند فقصها ما به تتغذى وتعيش..

مرت أيام وشهور وأصبحت غزوات الجراد مجرد حكايات يسردها الناس حين يعرجون على بعض التواريخ والأرقام، فيعودون بالذاكرة لسنة ألفين وأربعة وحكاية الجراد المرعب متحدثين عن كائنات غزت مناطق شاسعة من جنوب المغرب، ويرد بعض الظرفاء بأن الخير أعقب ذلك الغزو وحل خصب لم يشهد الناس له مثيلا، وهنا تدخل رجل حكيم معقبا:

ـ حقا لقد حل خير كثير عقب غزو ذلك الجراد الصحراوي الجوال، لكن هناك نوع من الجراد البشري موجود ولا يختفي أبدا، وهو مسلط على الرقاب وإن بدا أنيقا براقا، وهذا لا يُتوقع أن يأتي من ورائه خير أبدا، له بيوض ينشرها في كل مكان، ولا يملك الناس إزاءه إلا الدعاء بأن يرفع الله الغمة ويزيل النقمة.

ما يعرفه الأستاذ (سليم) الآن هو أن المدرسين ما زالوا يشربون الشاي في حديقة إعدادية (عمر بن الخطاب) ليومنا هذا وينعمون باللون الطبيعي الأخضر، رغم أنه انتقل لسهول (دكالة) التي لا يفارقها اللون الأخضر في كل فصول السنة لتواجد السواقي، هنا لا وجود بالمرة للجراد الصحراوي المرعب، لكن الناس يشتكون ويئنون، فهل تراها بيوض فقصت هنا من النوع الذي يرتدي ربطة عنق أنيقة؟!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب