أضيف في 26 يناير 2018 الساعة 19:06

الوزير الطية


رشيد اليملولي

الوزير الطية .

غريبا أن تصدر أفعال و حركات و أفكار مجانية و دون معنى ، مادامت نابعة من خاصية إنسانية ، سمتها الأساس الصراع السرمدي بين الفوضى و التنظيم ، العشوائية و الفعل المنظم ، كل ذلك يضفي معنى وجوديا أليما على الحياة الإنسانية ، ويرديها مفعمة بكل السياقات التي تستعصي على التحديد و التعيين .

و قد تكون العديد من الحركات و الأفعال و التصورات و الأفكار نابعة من حق إنساني في الوجود ، بالشكل الذي ترتضيه الذات سبيلا لحقها في العيش بطريقة مختلفة ، و قد يغدو كل إغماط لهذا الحق أشد أنواع الشرور ، التي تريد أن يصطف الجميع على منوالها ، يخضع لهندستها و تخطيطها .

إذن الأصل في الأشياء الإباحة ، الحرية ، الرغبة ، الحق ، المعنى الخاص ، و كل القيم الدلالية النابعة من الفردانية ، باعتبارها قيمة فلسفية و أخلاقية ، لكن الفضاء العام و المجال السياسي و الثقافي ، لا يسلم بالطاعة العمياء لكل القيم " الأصولية " التي ترمح في الحق الحدي ، و تند عن التحديد بناء على أن المجالات المشتركة هي حق الجميع ، و ليس لطرف على آخر أي سلطة في فرض المعنى و توجيه الذوق ، مهما كانت مرجعياتها السياسية و الفلسفية .

سبب النزول هو تعيين وزير جديد لوزارة التربية الوطنية و التعليم العالي و التكوين المهني ، كل المؤشرات التي رافقت مراسيم التعيين إلى جانب وزراء آخرين ، تشي بالحق في تقديم الاحترام لشخص الملك ، هنا قد تختلف الطرق و إن توحدت في احترام الملك و سلطته الرمزية و الدستورية ؛ لكن ما يسترعي الانتباه و الاستغراب هو المغالاة في انحناءة ـ احترام الوزير لدرجة تحولت الانحناءة إلى الشكل التضاريسي المعروف جيولوجيا بالطية ، و هذه الطية لها خاصية المرونة ، بشكل يجعلها طيعة لكل الضغوط الخارجة عن الذات ، و التي توجه شكلها و بنيتها ، غير أن الحالة الخاصة بالوزير تدفع إلى التساؤل عن مصدر هذه الضغوط ؛ هل هي نابعة من السلطة الرمزية و المجال المتعلق بها ؟ ، أم ترتد إلى الثقافة التي تحملها الذات المنحنية ؟ ، و هل الانحناءة مبررة أخلاقيا و قيميا ؟ .

الدلالة الموحية في انحناءة ـ طية الوزير أكبر من التصنيف ؛ لأنها تتجاوزه إلى الشكل الثقافي و الخلفية المتحكمة فيه ، إذ تعكس ذهنية معينة في تمثل الاحترام و التقدير ، و تنزيل أدبياته في المجال السياسي ، إنها ذات لا تلتفت إلى الرمزية الكامنة في هذا السلوك ، لأنها أسيرة لاوعيها بالفعل المؤطر دلاليا و الراغب في تسويق نموذج من الساسة ، و نوع من العلاقة الواجب توفرها ، و الطقوس المزمع تكريسها ، دون النظر إلى امتدادات الفعل و أثره في المجال السياسي و أفقه القريب و البعيد ، ما دامت قد ارتضت لنفسها كل هذه الدرجة من الانبطاح و الشطط فيه ، الذي تجاوز المقام و تزلف له و تعالى عليه لمستوى لا يرضي أي طرف مهما كانت طبيعته ، لا لشيء سوى لاعتماد أوراقه خادما خارج المعيار حتى لا نقول الديبلوماسي و لكن الأخلاقي منه بالخصوص ، و بعيدا عن الخدمة السياسية و الاجتماعية و القانونية و التقنية للقطاع التي تبقى خارج الاهتمام ، أو في أحسن الأحوال أقل اهتماما .

أما أن نتحدث عن سلوك مسؤول في قطاع المعرفة و العلم ، فذاك قد لا يعني شيئا أمام الرغبة الجامحة في تقديم الذيل على الرأس .

إن الأزمة في السياسة لا تمس الجوهر ، بقدر ما تقتات على هوامشه رغبة منها في تقعيد و ترسيم اللاسياسة ضمن السياسة بغرض إنتاج نوع من السياسة هو خارج السياسة بالضرورة ، أما أن نتكلم عن الإنجاز و الفعل ، فالمعنى الظاهر يخفي عطلا عميقا ، و مزيدا من تعميق العطل .

ليس

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :