أضيف في 23 يناير 2018 الساعة 16:04

في ذكرى رحيل منصور رحباني


ناصر سالم المقرحي

في ذكرى رحيل منصور رحباني


برحيل منصور رحباني الثلاثاء الموافق للثالث عشر من يناير سنة 2009 م عن عمر يناهز الرابعة والثمانون , تكون الساحة الفنية العربية قد فقدت أحد اهم المجددين في الموسيقى العربية الحديثة , حيثُ كانت قبل مجيئه واقتران عمله بعمل ضلعي المثلث عاصي وفيروز بشكل ثم أصبحت بشكل آخر بعد هذا الأقتران والتعاون المثمر , أذ كانت الأغنية في الغالب تتسم بالطول الممل الذي قد يدفع بالمستمع إلى الضجر والإعراض عن الأستماع , فعمل الأخوين رحباني على جعلها قصيرة نسبياً دون أن تتخلى عن حمولتها العالية من الطرب والتكثيف وكانت كلماتها مُغرقة في التأوه والشكوى والتفجع والفراق والهجر , لتغدو على أيدي الرحابنة كلمات رصينة وشاعرية إلى أبعد الحدود , ومنطوية على شحنة مرتفعة من الحنين والشجن وحتى الفكاهة والخفة , خاصة وأنها احتوت كذلك على الكثير من مفردات البيئة اللبنانية في الريف والجبل وغيره , والأتجاه إلى إحياء القصيدة الفصحى عبر هذه الموسيقى مع كلمات جبران وأبي نواس وغيرهم , والأهم من كل ذلك هو أن الرحابنة تمكنوا من جعل الأغنية تلامس الواقعي والمُعاش واليومي بكل اختلافه وأئتلاقه , أما على مستوى الموسيقى فقد ظلت الموسيقى العربية محافظة على الإيقاعات االمتوارثة دون تجديد عدا بعض الأجتهادات الفردية المتفرقة هنا وهناك والتي لم تتبلور لتصل إلى مستوى التيار أو الظاهرة , لغياب نزعة التجريب والوعي عند متعاطيها , إلى أن أدخل عليها الرحابنة تحسينات كثيرة ومؤثرات مغايرة بإحياءهم للألحان الفلكلورية وتعاطيهم لموسيقى جديدة هي مزيج واستلهام من الموسيقى العربية كالموشحات والمارونية والبيزنطية والسريانية واليونانية والإنشاد الكنسي المسيحي والترتيل الديني والأستخدام الموفق لكورال أو ما يعرف بالأنشاد الجماعي ذو المنشأ الغربي والموسيقى العربية الكلاسيكية , كل ذلك تحول على أيدي الرحابنة كموسيقيين وكُتاب كلمات أغاني إلى توليفة عربية لبنانية جديدة تحمل بصمة الرحابنة , وكل ذلك جاء كثمرة ومكافأة ونتيجة لسنوات من الدراسة والبحث العميقين في موسيقى الشعوب قديما وحديثاً , وعشق شديد للموسيقى بصفة عامة باعتبارها لغة سلام ورسالة محبة يفهمها كل البشر حيثما حلو فوق هذه البسيطة دون الحاجة إلى تعلمها ودراستها , وفوق كل ذلك هي وسيلة تعبير فنية وجمال مبثوث في أرجاء الكون في انتظار من يلملمه ويقدمه للناس .


وكان الراحل قد ولد عام 1925 م ببلدة انطلياس التي تقع بضواحي بيروت , ومنذ صغره كانت له ميول موسيقية ونشأ ببيت دخلته الموسيقى باكراً , ذلك أنه كان يستمع وبصورة شبه يومية إلى والده وهو يعزف على آلة البزق في الأماسي ويدندن بألحان تراثية , وعمل ببداية حياته بجهاز الشرطة , قبل أن يكرس نفسه لدراسة الموسيقى , وفي العام 1945 م يدخل وشقيقه عاصي الإذاعة اللبنانية وهناك اكتملت عناصر الظاهرة حين تم التعرف على الضلع الثالث من المثلث الرحباني وهو فيروز , ومن هناك انطلقت المسيرة الموسيقية التي تواصلت حتى الآن وأثمرت مئات الأغاني وعشرات المسرحيات والأسكتشات الخفيفة التي شكلت فيما بعد ما عًرِفَ بالمدرسة الرحبانية نظراً لتميزها واختلافها الجوهري عن كافة التجارب الموسيقية السائدة والسابقة لها في العالم العربي , ومنذ البدايات المبكرة مهرَ منصور وعاصي أعمالهم بأسم الأخوين رحباني في نكران واضح للذات وفناء في الآخر وتماهي في الجهد الجماعي , حتى أن منصور صرح فيما بعد بأنه لا يعرف اليوم تحديداً من كتب أو لحّنَ أو قام بتوزيع وتأليف الموسيقى لبعض الأعمال , هو أو عاصي وكل المحاولات التي بُذلت في هذا الإطار مُنيت بالفشل عندما تعذر فصل الوردة عن عطرها حسب تعبيره , فقد يقوم هو بكتابة كلمات الأغنية ليُعدِّل فيها عاصي أو يؤلف عاصي موسيقى ليأتي هو ويُدخِل عليها جملة موسيقية , وهكذا تداخلت المجهودات ببعضها البعض حتى اتخذت الأعمال الصفة الجماعية .


وكأي ظاهرة غير معروفة قبلاً لأن الناس تخشى الجديد والغير مُعرف , واجهته بداية ظهوره وعاصي كتيار جديد معارضات وعراقيل استطاعا التغلب عليها بإصرارهم , واتُهِما بإفساد الموسيقى وسرقة الألحان من موسيقيين آخرين , ووصِفت موسيقاهم بأنها غربية ومقلدة , وفيما ذهب المعارضين والمشككين وزالت العراقيل التي وُضِعت في طريقهم وتبخرت الأتهامات وسقطت أمام الاصرار والمثابرة , ظلت ابداعات الرحابنة خالدة تخترق الأزمان , غير أن كل هذا المجد لم يكن سهلا ومتاحا لو لم يقيد منصور رحباني نفسه بالجد والأجتهاد وبنظام عمل متشدد لا يقبل التهاون والتراخي , أذ كثيرا ما كان يردد بأن الفن هو أبن الوعي وأبن الصعوبة ولولا هذه المقولة التي كان يضعها نصب عينيه في كل عمل يقبل عليه ما كان ليصل إلى ما وصل إليه اليوم , ومثلما آمن بأن الموسيقى رسالة حب وجمال ووسيلة ارتقاء وسموّ , آمن بأنها لا تخضع لمعطيات الوحي والإلهام بقدر خضوعها لضرورات الموهبة والدراسة والتكنيك والصناعة .


وبع انفراط عقد الرحابنة بموت عاصي , العام 1986 م وتوقف التعاون ما بين فيروز ومنصور لم يتوقف العطاء المنفرد لكل منهم وظل منصور يكتب المسرحيات الغنائية ويؤلف لها الموسيقى ويعهد بها إلى مخرجين وممثلين أكفاء , حيثُ شهدت السنوات الأخيرة زخماً في الإنتاج المسرحي لمنصور عندما قدم مسرحياته , " أيام سقراط " و " المتنبي " و "حكم الرعيان " و " ملوك الطوائف " و " الوصية " وأخيراً " عودة طائر الفينيق " .


وفي كلماتهم وأشعارهم الغنائية التي طُبعت وصدرت في دواوين لاحقا وأدتها فيروز بصوتها الملائكي وقت كتابتها , تغنى الأخوين رحباني بالوطن وبقضايا الحب والجمال والخير والحرية والسلام ودعوا ضمنا ومباشرة إلى ضمان حقوق الإنسان في العيش فوق الأرض بحرية وبكرامة بكلمات عذبة رقراقه , واضحة وبسيطة تناسب المستمع النخبوي كما تناسب السامع البسيط ذو الثقافة المحدودة , كلمات موحية ومُشعة قبل أن تُغنى وبعد .


فأي شيء أعذب من هذه الكلمات التي تقول :-


في قهوة عالمفرق


في موقدة وفي نار


نبقى أنا وحبيبي


نفرشها بالأسرار


جيت لقيت فيها


عشاق اثنين صغار


قعدوا على مقاعدنا


سرقوا منا المشوار .


هل ثمة ما هو أعذب من هذ الحكاية الطفيفة . . لا أعتقد !!


أو :-


تعا تا نتخبى " تعالى حتى نختبئ " من درب الأعمار


إذا هني " هم " كبروا


نحن بقينا صغار


أن سألونا وين كنتوا


وليش ما كبرتوا أنت


بنقلون " نقول لهم " نسينا


واللي نادى الناس


تا يكبروا الناس راح ونسى ينادينا .


وأي شيء أجمل وأحلى مذاقاً من هذه الجُمل المغناة :-


من عز النوم بتسرقني


بهرب لبعيد بتسبقني


كنا تودعنا صوتك غاب


وناداني العمر الخالي


ولما عا حالي سكرت الباب


لقيتك بيني وبين حالي .


وعند هذا الحد نرى أن نتوقف ونكتفي بهذه الأمثلة والنماذج , لأننا ان أرخينا للقلم العنان فإنه لن يتوقف قبل أن يسود الكثير من الصفحات البيضاء حتى يفي هذه الظاهرة أو المدرسة حقها من التكريم , وهكذا بدأنا الحديث عن منصور منفردا لنجد أنفسنا منساقين دون وعي منا إلى الحديث عن الثالوث الرحباني كله , لأن الحديث عن أحد الأضلاع هذا المثلث يستدعي بطبيعته الحديث عنه بالكامل ككل لا يتجزأ أو كما قال منصور , لا يمكن فصل الوردة عن عطرها .


*******


نشر هذا المقال بصحيفة أويا الليبية سنة 20


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا