أضيف في 19 يناير 2018 الساعة 20:17

الناقدة خيرة جليل : شاعرية النص التشكيلي صرخة من صرخات الفن المعاصر بأعمال التشكيلية السورية رهف عيد.


خيرة جليل

 


إذا كان أحد النقاد المغاربة في أطروحته الفائزة هذه السنة بجائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي ( الرتبة الثانية)، وهي موسومة ب"التشكيل العربي الراهن في ضوء كارتوغرافيا الفن الجديد يقول ". إن من سمات الفن الراهن Art actuel تحطيم العادات البصرية المتوارثة منذ العصور الماضية واستعادة الأشياء الجاهزة وانمحاء الحدود بين الفن واللافن..وانبثاق استتيقا مغايرة قائمة على الاستعراض والأداء الحي (البرفورمانس) إثر ذلك، صار الفن يقاس بما يوفره من احتفالية، أي الانتقال من دائرة الذوق البورجوازي إلى دائرة الجماهير. كما ولج الفن الراهن عالم الوسائط ومجال متعدد الوسائط : الميلتي ميديا، إلى غير ذلك من الحوامل الجديدة التي منحت الفن سمات وأدوارا أخرى لم تكن سائدة من قبل "..أمام هذا التطور الفكري ، وأنا أتصفح أعمال التشكيلية السورية رهف عيد وجدت نفسي كذات ناقدة خارجة عن الذات المبدعة مندمجة كليا مع إبداعاتها فدخلت في نسق إشكالي متشعب الأطروحات. هل فعلا العمل التشكيلي الجاد يفرض عليك وقفة متأنية جادة في غياب مرجعية فلسفية جمالية حديثة للتشكيل .؟ من تكون التشكيلية رهف عيد كذات مبدعة وسط هذا الزخم الفني العالمي العربي والاوربي؟ وماهي المدرسة التشكيلية التي اختارت التعبير في إطارها عن همومها وانشغالاتها؟ وكيف تعاملت مع المنشأ الفني كفضاء تشكيلي للبوح بأسرارها وهمومها وانشغالاتها من حيث اللون والكتلة والكثافة والضربات والتوزيع ؟


إن كل ما يهمني من سيرة التشكيلية السورية رهف عيد بغض النظر عن أنها شاركت في معارض وطنية ببلدها وعالمية بكل من فرنسا وألمانيا... هو كونها تشكيلية عصامية عانقت الريشة والألوان منذ أن كانت ابنة الأربعة عشرة ربيعا. وشكلت لها ورشة أحد التشكيليين البارزين من أصدقاء والدها محرابا تعتكف به خلال أوقات فراغها منذ مرحلة مراهقتها إلى أن أصبحت شابة يافعة وموظفة باستقلالية مادية تضمن لها تأسيس مرسمها الشخصي ، مستفيدة من الورشات التي كانت تؤطرها بتنشيط الشؤون الاجتماعية لأسر الموظفين الذين تتقاسم معهم سحابة يومها بالعمل. لكن جديتها في العمل وطموحها وطبعها الخجول والمتواضع جعلوها جد محتشمة في فتح باب مرسمها أمام العموم. لتقتصر على الأصدقاء المقربين من وطنها و فرنسا وألمانيا.


وأنا أبحث في الخلفية الفكرية التي استمدت منها التشكيلية رهف عيد إلهامها، اكتشفت أنها انطلقت من المدرسة الواقعية في بداية مشوارها الفني كأي فنان عربي ، حين كانت تبحث عن ثوابتها الفكرية ووسائلها التقنية. ولما امتلكت ثقافة فنية بصرية فتحت لنفسها مسارا فنيا جديدا بالتجريدية المعاصرة ، فحاولت ترجمة كل ما قرأته عن الجمال والنحت والمعمار والفنون الأخرى والفكر ....إلى ألوان تسافر بك إلى المدى البعيد لتفتح لك بوابات الزمن وتعطيك إسقاطات فكرية خارجة عن المألوف وأقوى من المتوقع. هي تستمد أفكارها من سقراط ونيتشه وجلال الدين الرومي . معادلة يصعب التوليف بين عناصرها أو حلها أو حتى التكهن بنتائجها. شخوص في الزمان والمكان والتنظير الفكري الإنساني مختلفة الرؤى. في أعمالها تتلاعب بما هو فلسفي وديني بغلاف فكري للتعبير عن ما يخالجها كأنثى فاعلة ومتفاعلة مع وسطها الفني والاجتماعي ولما لا السياسي الوطني والدولي بصدق وبعد فكري ويمان راسخ لأنها تؤمن أن قليلا من العلم يؤدي للإلحاد وكثير منه يرسخ الإيمان ويقويه. مترجمة بذلك الألوان إلى كلمات، واللوحات إلى قصائد تتحدى الشتات والدمار ، تتحدى الوحدة والغربة لتتحدى التشاؤم وتغرس محله التفاؤل. عندما تسألها عن معنى الجمال والفن؟ ودورهما في بلورة شخصية رهف عيد التشكيلية. تجيبك بكل عفوية :.. الجمال عند سقراط هو جمال هادف، أي أنَّ الجميل هو ما يحقق النفع أو الفائدة أو الغاية الأخلاقية العليا .. وله مقولة مشهورة في هذا الصدد : "ما هو نافع لغرض معين ، فإنَّ استعماله جميلٌ لهذا " لقد قال : ليوناردو دافينشي: " لتنمية فكر ناضج، ادرس علم الفنون.. ادرس فَنَّ العلوم.. تَعلّم كيف تُبصِر.. أدرِكْ أنّ كل شيء مرتبط بكل شيء آخر. "وقال فريدريك نيتشه : " إِنَّ أسمى أنواع الجمال ليس ذلك الذي يُفتِننا على الفور، بل الذي يتسلل إلينا بِبُطء، نحمله معنا ونحن لا نكاد نشعر به «ليأتي جلال الدين الرومي ليقول : " دَعِ الماء يسكن، وسترى نُجوماً وقمرًا ينعكس في كيانك.."


حين تجد فنانا تشكيليا في عصرنا هذا وهو يبدع بهذه الخلفية الفلسفية الفكرية، كن متيقنا أنها مبدعة تحمل هم الإبداع الجاد والمتزن ، والانحياز الفنّي الحقيقي لديها أنها استطاعت أن تقول أشياء عميقة وكثيرة ومتشعبة ببساطة، بعيدا عن التعقيدات المفتعلة والمتصنعة. في قمة حزنها وحدتها وغربتها بالمهجر، تترجم الألوان إلى كلمات حية متحركة تأسرنا بقوتها ووقعها ، فنتتبع هذه الكلمات لنعبر الحدود ونحن سبايا أنفسنا بدون أن نلمس القطيعة بين ما هو لوني وما هو حروفي . فتأتي أعمالها متناغمة مع ما قاله نزار قباني : تضحك.. وفي قلبها مجلس عزاء ...تلكَ هي أقوى وأجمل النساء .وحين ترجمت لها أعمالا كثيرة من اللغة اللونية إلى لغة حرفية منطوقة اكتشفت قصائد تعبر عن رؤى وأحلاما لها تختبئ وسط الألوان. إنها ليس أحلاما عشوائية من ضغوطات الحياة آو الهروب من الواقع، بل هي رؤى تحرر الذات من السواد والروابط الداخلية والحوارات والفضاءات المغلقة لتنظر لإطارات وأفاق مستقبلية مشرقة ومفتوحة على أقصى نقطة بالأفق، لتتموقع الذات المبدعة بوسط لوحتها باللون الأبيض كطيف أمل يعبر عتمة النسيان أو تخرج أطياف من إطارات وأبواب مبهمة وراء التجريد الواقعي وتكتسح المنشأ التشكيلي من جميع الجهات..... ففي تعاملها مع الكتلة اللونية والمنشأة الفني ككل، نرى انسجام بين الألوان يعكس رضى الذات على أوضاعها وتصالح كامل، فاللون الأزرق باختلاف ألوانه استعمل بذكاء فني في اطار توزيع متوازن للكتل اللونية بعفوية روحية ودراية تطبيقية مع تدفق لوني قوي وهذا يعكس كرم روحي .... وأحيانا هناك استعمال الأصابع أوالفرشاة بشكل يوحي بأنها أصابع مما يعكس الانسجام الكامل والانغماس الذاتي في صيرورة الإبداع. ضرباتها اللونية بالفرشاة قوية وتتكتل لتحرر أطيافا حالمة من ألوانها تارة من وسط اللوحة وتارة أخرى من الجوانب لتطل على مركز اللوحة.كأنها تقول لبعضها أو للمتلقي :


يا صاحبي، هناك في ابعد نقط بك، هناك شيء مني ...وهناك في ابعد نقط بي، هناك شيء منك...فلما تسألني من أنا؟ حتى أسالك من أنت؟... فحين جمعنا الحب، ضاعت الحدود وولدنا بهذا الوجود...هل تظن أن فضاءات الروح تسكنها أشباح الحاضر المرير؟ أبدا أرواحنا تحتفي بظلال شموس الذكرى...هي تضيء عتمة النسيان ......


فعلا ، إن كل لوحة من لوحات التشكيلية رهف عيد ليست حلما، بل رؤية تحرر الذات من السواد والروابط داخلية والحوارات بالفضاءات المغلقة وتنظير لإطارات كونية تتعدى حدود الذات المبدعة لتحتضن الذات المتلقية وتقحمها في السؤال والمساءلة في آن واحد بل تحملها مسؤولية فتح آفاق مستقبلية مشرقة ومفتوحة على أقصى مدى. وفي بعض اللوحات لتتموقع الذات المبدعة بوسط لوحتها باللون الأبيض عادة كطيف أمل.....إنه انسجام بين الألوان يعكس رضى الذات عن أوضاعها المادية والنفسية رغم الإكراهات التي تمر منها، وتصالح كامل وسلام داخلي منشود. حتى أنها حتى في توظيف اللون الأزرق باختلاف ألوانه كبحر للنسيان والتطلع والذكرى في آن واحد،إنها استعملته بذكاء فني وفي توزيعها للكتلة اللونية تقوم بذلك بعفوية روحية لكنها تطبقها بدراية وتمرس تقني عالي وعميق كالأبواب التي تحيل على بعضها البعض عند فتحها وذلك بصيغة السهل الممتنع. وكأنها تقول: هناك أبواب فتحت ولا ندري من فتحها، لكنها تحمل الأمل في الغد. وهناك أبواب أخرى فتحت من تلقاء نفسها، لكننا سنغلقها لأنها لا تحمل إلا فضول المتطفلين...فمرحبا بألوان تسافر بنا إلى المدى البعيد وانتم لم تغادروا أمكانكم. مستعملة لغة التمرد والغموض والجاذبية والأسرار باستعمال لمسات خفيفة من اللون الأسود والرمادي كنوع من التماهي والاتحاد الجسدي في لغة التصوف عند الحلاج. ليمنحك شعور بالعمق الفكري دون السقوط في لون الاكتئاب أو الإلغاء لوجود الذات الأخرى للمتلقي على حد سواء، مما يرمز لاحترام النفس والاعتزاز بها بإرادتها القوية، دون المساس بإحساس الآخرين، تاركة فسحة من الغموض حول حياتها الخاصة والتي تعتبرها ملكا لها.


عموما إن كانت من سمات الفن الراهن Art actuel تحطيم العادات البصرية المتوارثة منذ العصور الماضية واستعادة الأشياء الجاهزة فإن أعمال التشكيلية رهف عيد و استطاعت محي الحدود بين الفن التشكيلي والتشكيل اللغوي الراقي ليترجم أحاسيسها وانفعالاتها وتخوفاتها من القادم وحنينها إلى الماضي الجميل والى دروب دمشق وحلب الهادئة والآمنة، لتنبثق استتيقا مغايرة قائمة تتجلى في ألوان تشكيلية بلوحات تجريدية ولغة شاعرية عميقة، بسيطة ومعبرة عن عمل استعراضي وأداء حي (البرْفورمانس) بتشكيل لوني متميز يوفر نوعا من المتعة البصرية والاحتفالية النفسية، أي يستطيع الانتقال من دائرة الذوق اللوني التشكيلي إلى دائرة الذوق اللغوي الشعري الراقي. كما ولجت بذلك بالفن التشكيلي الراهن من عالم اللغة البصرية إلى عالم اللغة الشعرية، مما يمنحها إمكانية عرض عملها بالحوامل الرقمية الجديدة التي منحت الفن سماتا وأدوارا أخرى لم تكن سائدة من قبل كإمكانية عرض لوحاتها التشكيلية بتقنية العاكس الرقمي كخلفية فكرية لمشهد مفتوح وإرفاقها بقراءات شعرية مستوحاة من أعمالها على إيقاعات موسيقية ورقصات جسدية معبرة. وهو توليف لمشهد سمعي تشكيلي بصري لغوي عميق وغني يعبر عن هموم الإنسان بالمنظور الكوني ، الذي يتعدى الحدود وينفد لأعماق المتلقي رغم اختلاف اللغات والديانات والجنسيات البعيد عن كل شوفينية أو نظرة ضيقة للتشكيل المعاصر. الناقدة التشكيلية خيرة جليل


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب