أضيف في 18 يناير 2018 الساعة 18:23

الفنان محمد التونسي


ناصر سالم المقرحي

ماذا تعرف عن مدينة سيناون ؟


سؤال لو تم توجيهه إلى أي مواطن ليبي فلن يزيد عن الإجابة بأنها مدينة تقع في الجنوب الغربي من ليبيا بالقرب من مدينتي درج وغدامس وتشتهر بالصناعات التقليدية من الطين والسعف وغيرها من المقتنيات التراثية المستعملة قديماً , غير أن السؤال لو تم توجيهه لي فسأضيف بأنها مدينة الفنان التشكيلي الليبي محمد التونسي الذي لا يعرفه الكثيرون , حتى ممن ينتمون إلى المشهد التشكيلي , مدينته وأين يقطن وأيضاً أين يرسم ويُنجز منحوتاته الخشبية .


وفي مجال التعريف به وبفنه نضع هذا المقال فالفنان بالرغم من أنهُ شارك في العديد من الفعاليات الفنية وعرض أعماله في طرابلس ومصراته ونالوت – على الأقل خلال السنوات الأخيرة – إلا أنهُ وبسبب إقامته بعيداً عن مراكز الإشعاع الثقافي فإن مشاركاته قليلة ولهذا السبب يجهل الكثيرون فنه ولم يطّلعوا عليه .


والصدفة وحدها هي التي عرّفتني بأعمال الفنان عندما شاهدت نماذج منها عام 2008 م من خلال المعرض الذي أقامه في دار حسن الفقيه حسن ولم يقتصر الأمر على المشاهدة إذ أتذكر بأنني كتبت متابعة صحفية عن المعرض نُشِرت بصحيفة العرب اللندنية ذلك الوقت .


بهدوء الفنان وبصبر العاشق لمهنته ينكب محمد التونسي على رسم لوحاته ذات المقاسات الواسعة وتطويع مادة الخشب لرؤيته الفنية , أذ ينفرد الفنان بأسلوبه في وضع لوحات زخرفية فيها من الخصوصية والتميز الشيء الكثير فلا يوجد – في حدود علمي – فنان ليبي آخر يتحرك في ذات الأتجاه , فمن خلال ألوان الأكريليك التي تتسم بإشراقتها وتجسيدها للضوء على سطح اللوحة يضع الفنان زخرفياته التي يصفها بأنها زخرفة إسلامية حرة , والتي نرى نحنُ بأنها مستمدة من الزخارف الإسلامية ولا بد من ان تنتمي إليها في كل الأحوال كون الفنان الذي يشتغل عليها مسلماً ولكنها بتاتاً لا تتقيد بها , فالزخرفة هنا لا تخضع لقوانين مسبقة أو تصورات جاهزة واللوحة لا تخضع إلا لاجتهادات الفنان الذي يُطلق لخياله العنان أثناء العمل ويخترع زخارفه وأشكاله وخطوطه وعناصره الخاصة ويرصَّها بجانب بعضها البعض بحيث تتجاور التفاصيل لتكون النتيجة عمل فني زخرفي مقنع به كل المعايير التي تجعل منهُ عملاً فنياً إلى جانب كونه لوحة تؤدي مهمة نفعية ويمكن الأستفادة منها جمالياً لتأثيث الجدران في المنازل أو في إدارات الدولة ومنشآتها الخدمية أو حتى في مقرات مؤسسات القطاع الخاص .


دوائر صغيرة ومربعات وخطوط ونُقط ومثلثات تتكرر بنسق معين قبل أن يندمج هذا النسق ويذوب في نسق آخر بألوان مُشرقة وبلمسات رشيقة , إذ نجد أكثر من زخرفة وأكثر من تفصيل في اللوحة الواحدة , وما يميز اللوحة دائماً أن تفاصيلها متراصة ومتلاصقة ولا وجود للفراغات فيما بينها ولا وجود للبياض , فكل مساحة اللوحة مزخرفة بأشكال مستنبطة وبمساحات متوسطة وصغيرة مثل تلك التي يعمل عليها فنانوا المنمنمات , والنهايات الزخرفية مفتوحة بخلاف الزخرفة التقليدية .


ورغم أن هذه الأعمال تحتاج إلى دقة وصبر , ذلك لأنها تتطلب مهارة عالية ووقت أطول من ذلك الذي تتطلبه أساليب الرسم الأخرى , رغم ذلك نجد أن الفنان صاحب إنتاج غزير إذ ما أن ينتهي من عمل حتى يباشر الذي يليه – أو هذا ما نتصوره – لفرط عشقه لمهنته ولفنه , فالعمل الواحد لا يمكن بأي حال من الأحوال إنهاءه في جلسة واحدة بل يتطلب الأمر العودة إليه كل مرة لساعات حتى يأخذ شكله النهائي ويكتمل , وعند سؤالي للفنان عن الوقت الذي يستغرق إنجاز عمل من أعماله الزخرفية أجاب بصعوبة تحديد ذلك لأن العمل يتم على فترات متقطعة يمكن احتسابها بالساعات وليس بالأيام أو بالأسابيع أو بالشهور ومع أن للفنان أعمالاً تستجيب لمعايير الزخرفة التقليدية بأشكالها الهندسية وتكويناتها المعهودة إلا أن أغلب أعماله الزخرفية تتنصل من الأُطر الكلاسيكية وتخضع فقط لرؤية الفنان التجديدية الي تسعى إلى خلق عناصرها الزخرفية الحصرية وامتلاك مفرداتها التي لا يشاركها فيها أحد , وفي هذه اللوحات في تصوري الكثير من الأشتغال الفطري والعفوي الذي يتصل بشكل من الأشكال بذاك الأشتغال الذي نجده في العديد من المنتجات التقليدية القديمة بزخارفها وزركشاتها العفوية وبالتالي لا بد من أن ترتبط برابط ما بذلك الإرث الشعبي والتقاليد والعادات الليبية , وهو الشيء الذي يسبغ عليها صفة الشعبية ويعزز من انتماءها لمحيطها .


وأتيحت لي الفرصة مؤخرا لمشاهدة أعمال محمد التونسي من خلال مشاركته في معرض الصناعات التقليدية والمنتوجات التراثية الذي انتظم بمعرض طرابلس الدولي الشهر الأخير من عام 2017 حيث زينت لوحاته المشرقة جدران المساحة الصغيرة المخصصة له .


ويمارس الفنان بالإضافة إلى فن الزخرفة الإسلامية النحت على الخشب وله في هذا المجال منحوتات جميلة متفاوتة الأحجام إذ نجد تلك المنحوتات الكبيرة التي استطاع بإزميله ومخرطته ومطرقته وبقية أدواته التي كانت موجودة معه في المعرض أن يطوع خشب شجرة الكاتشا - كما أخبرني على صلابته النسبية - لرؤيته الفنية , حيث يقتطع الفنان جذع من جذوع هذه الشجرة ويبدأ في تقشيره وإزالة ماهو زائدا وتتبلور الرؤية ويتضح الشكل رويدا رويدا دون أي تصور أو خطة معدة مسبقا بإزالة جزء من هنا وجزء من هناك وتثبيت العمل على قاعدته يكون قد اكتمل بعد حكه بالورق الخشن نسبيا لإكسابه الملمس الناعم والأملس ذلك أن جميع منحوتات الفنان تقريبا تنساب بنعومة من الأعلى إلى الأسفل وبالعكس بأشكال تجريدية دون أن تكون ملزمة بإعادة إنتاج الأشكال الموجودة في الواقع كالأجساد أو ما شابه , وما يعزز انسيابيتها عدم وجود زوايا أو خطوط طولية وعرضية ونهايات حادة في هذه المنحوتات التي ومن خلال الحديث مع صاحبها أعتبر أنها تحف أو قطع يمكن الأستفادة منها في تأثيث بعض الزوايا وملء بعض الفراغات في البيوت وفي الأماكن العامة المغلقة علاوة على تصنيفها كأعمال فنية بالإمكان المشاركة بها في المهرجانات والملتقيات الفنية وإتاحتها للجمهور سيما بعد تغطيتها بالطلاء الشفاف حتى تكتسب االلمعان المطلوب الذي سيضفي عليها مزيدا من التألق والحيوية .


ومثل كل فنان نتناول أعماله بالتحليل سيجد القارئ نماذج من أعمال الفنان محمد التونسي في الزخرفة والنحت برفقة هذا المقال حتى نساعد المتلقي على بلورة فكرة كافية عن تجربة الفنان ورسم صورة مكتملة لمنجزه الذي يحتاج إلى أهتمام وتشجيع


 


 


ويشار إلى أن نحت الخشب لأغراض فنية وهو ما يعد فرعا٠ من فروع الفنون التشكيلية لا ينخرط فيه الكثير من الفنانين ربما لصعوبة التعاطي معه .


ومع الفنان محمد التونسي نجد الفنان علي الوكواك في أقصى شرق ليبيا في بنغازي الذي يمارس ذات الفن ويندرج تحت نفس التصنيف الفني , كما نطلع بين الحين والآخر على إشارات لفنان آخر هو عبدالله سعيد له ذات الأهتمامات ويعمل في ذات المجال وعدا عن هؤلاء الفنانون الثلاث لم نسمع بأحد يمارس هذه النشاط ويستثمر الخشب لصنع أعمال فنية خالصة أو أعمال فنية وهي في ذات الوقت تزيينية نفعية هذا إذا ما قمنا باستثناء التشكيلات الخشبية واستثمارها كأثاث .


ولطالما أردت الكتابة عن تجربة الفنان محمد التونسي وعن فن الزخرفة بشكل عام ولكنني كنت أؤجل ذلك إلى مناسبة قادمة قد لا تأتي إلى أن التقيت به مصادفة في معرض الصناعات التقليدية مؤخرا فشجعني ذلك على الكتابة فكان هذا المقال الذي آمل أن يكون قد أوفاه حقه وسلط الضوء على منج


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا