أضيف في 18 يناير 2018 الساعة 07:50

سيرة معلم


ناصر سالم المقرحي

سيرة معلم


موعد جديد تقترحه علينا الجمعية الليبية للآداب والفنون التي عودتنا دائما بالجديد والمفيد , وذلك نابعا من قناعة أعضاءها وسعيهم لمناقشة كل القضايا التي تمس الوطن والمواطن وطرح كل الموضوعات التي من شانها أن ترتقي بذائقة المتلقي وتثري معارفه وتُفتح وعيه فالأدب بجميع تفرعاته والتاريخ والفلسفة وعلم الأجتماع وعلم النفس والعمارة والآثار والفنون التشكيلية والمسرح وغيرها من القضايا الفكرية هي مجموع أنشطة الجمعية على مدى الثلاث سنوات الماضية وغالبا ما كانت الموضوعات المطروحة ذات طبيعة ملحة نظرا للظروف الإستثنائية التي تمر بها ليبيا حيث هدفت الجمعية من خلال هذه الفعاليات المتتالية إلى نشر الوعي وتربية الذوائق وتهذيب السلوكيات وتقويم ما ا ستطاعت تقويمه من اعوجاج يراه المرء منتشرا في كل مكان أنطلاقا من إيمانها العميق بقدرة الثقافة والمعرفة على ترميم الصدع وإشاعة قيم التسامح والحوار والأنفتاح على الآخر , وقبل كل ذلك التصالح مع الذات .


هذا الثلاثاء كان الموعد مع محاضرة تاريخية فنية بعنوان " من ذاكرة المسرح في ليبيا . . مسرح المير ماري " للباحث مراد الهوني تحدث فيها بتوسع عن معلم من معالم مدينة طرابلس هو مسرح الميرماري , ويأتي هذا النشاط بالتعاون مع الجمعية الليبية الإيطالية للثقافة باستضافة من دار حسن الفقيه حسن وهي إحدى الفضاءات التابعة لجهاز إدارة المدن التاريخية .


والبداية كما هو معتادا مع مدير النشاط الذي لعب دوره هذه المرة الأستاذ مفتاح قناو وعبر مقدمته المقتضبة مهدَ لموضوع المحاضرة وقدم قراءة مبتسرة للسيرة الذاتية للأستاذ مراد الهوني الذي تخرج من كلية الفنون الجميلة بإحدى الجامعات الإيطالية وألقى طوال مسيرته البحثية والمهنية العديد من المحاضرات التخصصية وحضر الندوات المتعلقة باهتماماته المعمارية وقدم أبحاثا عن العمارة ويشغل إلى ذلك منصب المدير التنفيذي للجمعية الليبية الإيطالية للثقافة ويُدرس اللغة الإيطالية .


استلم مكبر الصوت بعد ذلك الأستاذ المحاضر ليشرع في قراءة ورقته حول هذا المعلم , وكان لابد قبل الولوج إلى التفاصيل الأخرى من تقديم شرحا وتعريبا للأسم " مير ماري " الذي يعني تقريبا مسرح الواجهة البحرية بالنظر لموقع المسرح المقابل للبحر في الطرف الأقصى من ما يُعرف بميدان الشهداء , ومن بين الأسباب التي دعت الباحث إلى البحث في تاريخ هذا المعلم حسب وجهة نظره هو قلة المصادر المتوفرة حوله وعدم التطرق إليه عند التأريخ للمسرح في ليبيا عموما وفي طرابلس بشكل خاص حتى أن الكتاب الصادر بمناسبة مئوية المسرح الليبي لم يشير له وبدلا من أن توضع صورة هذا المسرح على الغلاف تم وضع صورة للمسرح المعروف لاحقا بأسم سينما النصر رغم أم الميرماري يسبقه , وفي حين تشير المصادر إلى أن بداية المسرح في ليبيا كانت سنة 1908 نوّه الباحث إلى وجود نشاط مسرحي أقدم من هذا التاريخ إذ هذا ما قاده إليه البحث في تاريخ المسرح موضوع المحاضرة والمسرح عامة بحسب بعض المصادر التاريخية التي اطلع عليها , ويعد مسرح المير ماري من أكبر المسارح في شمال أفريقيا حينها حيث تم الشروع في تشييده العام 1921 وحين استُصدر تصريح بناءه لاحقا كان العمل جاري فيه حيث تم افتتاحه في العام 1925 من قبل مستثمر خاص قبل أن تنتقل ملكيته للقطاع العام أو الدولة الإيطالية , ويُذكر أن شركة إيطالية هي التي قامت بتأسيسه كاستثمار إلى جانب مرافق أخرى كالمقاهي والمطاعم .


وعدّدَ الباحث في سياق حديثه , المراجع التي استند إليها لإتمام بحثة في هذا الموضوع على قلتها وشحة المعلومات , ومن بين المراجع المهمة التي ساعدته رسالة الدكتوراه التي قدمتها إحدى الطالبات الإيطاليات في جامعة روما وكان موضوعها في الإجمال واهتمامها الرئيسي هو النشاط الثقافي في المستعمرات الإيطالية وأفردت فيها جزءاً لمسرح المير ماري .


وبالعودة إلى الأسم مير ماري الذي يتكون من كلمتين وهو أسم مركب بيّنَ الباحث بأنه دلالة على جغرافيا المكان مثله في ذلك مثل اسم ميرا مونتي أو ميرا الجبل .


وفي سياق بحثه في هذا الموضوع عرّجَ الباحث على تاريخ المسرح في ليبيا واستعرض أهم مراحله التي مر بها لا سيما في البدايات , بداية من العرض المسرحي الأول عام 1908 قبل أن ينقطع النشاط حتى عشرينيات القرن الماضي ليستأنف النشاط بعد ذلك عندما تأسست العام 1926 فرقة مسرحية وعرضت مسرحياتها في طبرق ودرنة ليعقبها تأسيس فرقة الشط من قبل رجب البكوش واسماعيل غرارة في بنغازي وسُميت بهذا الأسم لإقامتها لعروضها في الهواء الطلق على شاطئ البحر , وتم إثر ذلك تأسيس عدة فرق كان لعروضها المسرحية تفاعل مع الواقع آنذاك حتى أن السلطات ضيقت عليها للمضامين الوطنية التي تحملها .


ولا يكتمل الحديث عن المعلم إلا باستعراض خصائصه المعمارية وسعته ووصف شامل للمبنى حيث حرصت السياسة الإيطالية آنذاك على إنشاء مرافق لاستقطاب السياح والترفيه عن المواطنين الإيطاليين المقيمين بليبيا إلى جانب إظهار عظمة الدولة الإيطالية .


كما شهد المسرح أوقات ازدهار وأخرى قلَ فيها نشاطه وإلى جانب دوره كفضاء للعروض المسرحية والسينمائية والرياضية والموسيقية والأكروبات وألعاب الخفة والسحر في صالة العرض الرئيسية كان للمسرح أغراض أخرى حيث خصصت بعض القاعات الموازية للعروض المحلية والعربية من مصر وتونس لإحياء التراث المحلي والتركيز عليه بالإضافة إلى وجود مقاهي ومطاعم كانت مقصدا للنخبة ومكانا للألتقاء والتعارف بين مكونات المجتمع الطرابلسي التي لم تقتصر على الإيطاليين والليبيين وحدهم وضمت بالإضافة لهم اليهود والمالطيين وغيرهم من الجنسيات والملل من الزوار والمقيمين , وكما سبق القول هدفَ المشروع إلى تأسيس مقومات للسياحة وإنشاء مرافق خاصة بها لاستقطاب السياح الأجانب حيث بلغ عدد السياح حينها حوالى 22000 سائح , وتبلغ مساحة المير ماري بحسب معلومات الباحث الذي أعطى لموضوعه حقه من البحث والتنقيب ويدل على هذا الكم الهائل من المعلومات التي استقاها الباحث من الكتب والمراجع قديمها وحديثها ومن الصحف ومن شهادات المعاصرين لتلك الحقب , وتبلغ مساحة المير ماري حوالى 2964 متر مربع , وفي سياق وصف المبنى والصالة المجهزة لإقامة الأنشطة الفنية والرياضية المختلفة حيث أُقيمت فيه بفترة من الفترات مباراة للملاكمة , ومن ملحقاته صالات للألعاب وللبلياردي وغيرها وتتسع صالته لعدد مأهول من المتفرجين في مساحة 30 × 27 متر مع وجود شرفات أو مقصورات علوية عامة وملكية وللمعلم حديقتين أمامية وخلفية غير أن الباب الرئيسي لم يكن في الواجهة المقابلة للبحر , ومر المبنى بترميمات عديدة وتحويرات وحتى بناء وتغيير في تصميمه ومع كل تغيير أو ترميم لم يفوت الباحث أن يذكر اسم المصمم ومن بينهم الإيطالي أرتيستو الذي قدِمَ إلى ليبيا عام 1912 واستقر بطرابلس بعد أن طاف بعدة أمكنة في آسيا وفي تركيا وله العديد من التصميمات خارج ليبيا كما أنه صمم ما يعرف اليوم بمعهد جميلة الأزمرلي في طرابلس , وتحدث الباحث لاحقا عن الفنان والممثل والكاتب والشاعر الإيطالي رفائيل تيفاني الذي زار ليبيا عام 1928 وكتب عن أجواء الفرح التي تمت فيها إحدى العروض وكتب عن انبهاره وإعجابه بالمبنى وبالعرض المسرحي .


ومن ضمن ما تحدث عنه الباحث , التوجه الإيطالي في شأن الحفاظ على المدينة القديمة بطرابلس والأكتفاء بإزالة الأجزاء المهدمة منها .


وبالتوازي مع قراءة الباحث لمحاضرته القيمة التي تندرج في إطار التوثيق والبحث العلمي , كان جهاز العرض المرئي يعرض صورا ثابتة للمسرح من الداخل ومن الخارج ولبعض الشخصيات مثل المصممين والممثلين الذين قاموا بالتمثيل على خشبته وتحدث الباحث أيضا عن مصمم الستارة الخلفية التي تتغير باستمرار وراء الممثلين أثناء العرض مع ذكره لأسماء البعض منهم , ولا زال الباحث يطوف بنا هنا وهناك فيما يخص المسرح ولم يترك شاردة ولا واردة إلا واستحضرها ليعطي موضوعه حقه من البحث ويجمع حوله أكبر قدر من المعلومات بعد التدقيق فيها والتأكد من مصادرها .


وبفترة من الفترات صار مجمع الودان بطرابلس الذي يضم مسرحا ومرافق سياحية وترفيهية منافسا للمسرح في أستقطاب الناس إذ هذا ما وصل إليه الباحث في بحثة كما وصل إلى أن المير ماري تعرض لانفجار في 21ابريل 1928 أتى على جزء منه وأستُعمل الجزء المتبقي كدار عرض سينما كما عُرضت أوبرا عايدة الشهيرة على خشبته واستُضيف موسوليني في المسرح وألقى فيه كلمة وزاره أيضا ملك إيطاليا وألقى فيه كلمة هو الآخر .


واحتٌفل فيه بعرض أول فيلم ناطق في ليبيا بالتوازي مع عرضه في دور العرض الإيطالية وأقيمت به بعض الأحتفالات السياسية , هذا عن سنوات ازدهار المسرح إلى أن أُهمِلَ وتوجهت الحكومة الليبية إلى منظمة اليونيسكو بمطالب لحماية المعلم إلا أن هذه الجهود لم تثمر عن نتائج ونظرا لوقوعه بالقرب من البحر تسربت إليه مياه البحر وارتفع منسوبها حتى وصل كراسي الصالة وكل هذه العوامل ساهمت في إزالته عام 1971 أو 1972 بحسب بعض الشهادات التي وثقها الباحث .


عند هذا الحد أنهى الباحث قراءة بحثه بعد أن أخذنا في جولة تاريخية استحضر فيها أحداث وشخصيات ومعالم ارتبطت بهذا المينى ليستلم من جديد مدير الأمسية مكبر الصوت ويعلن عن النشاط القادم للجمعية الليبية للآداب والفنون والذي هو عبارة عن ندوة حول إنتاج الكاتب والأديب الليبي يوسف القويري تحت عنوان " يوسف القويري . . ستون عاما من العطاء " وغني عن القول أن هذا ليس كل ما ورد في المحاضرة التي احتوت علاوة على ما أشرنا إليه الكثير من المعلومات والأرقام والحقائق التاريخية مما لم يستطيع القلم متابعته وتغطيته بالكامل نظرا لتدفق المعلومات ووتيرة عرضها المتسارعة وهدفنا من النقل فقط رسم أجواء المحاضرة وصياغة انطباعاتنا عنها وحاولنا التقاط أهم ما جاء فيها , وغني عن التذكير أيضا بأن النشاط جرى في حضور جمهور نخبوي من اصدقاء الجمعية ومن محبي الثقافة ممن يعولون عليها كثيرا في مسيرة التقدم والرقي .


وعندما فُتِحَ باب النقاش والتعقيب أدلى بملاحظاته كل من الفنان التشكيلي عمر الغرياني الذي أخذ على الباحث تطرقه للسياسة وربط موضوعه بشخصيات وأحداث سياسية , وأعتقد انه لإيفاء الموضوع حقه من البحث كان لا بد للباحث من ان يحيط بتاريخ المبنى وما جرى فيه من أحداث بعضها ذو طابع سياسي , ولا يمكن في تصوري فصل المعلم عن دورة السياسة التي تحيط بكل شيء تقريبا وتتداخل مع كل مظاهر الحياة , والميرا ماري ليس بمنأى من هذا التأثير سواء كان إيجابا أو سلبا , أضاف الأستاذ عزالدين المتداخل التالي بعض المعلومات لموضوع المحاضرة فيما أبدى الأستاذ أسامة الكميشي شكره وسعادته بهذه الإضاءة . من جهته رد الباحث عن هذه الملاحظات والتساؤلات باقتضاب واشار إلى جهوده في إطار الجمعية الليبية الإيطالية للثقافة لترميم المباني التاريخية والأستفادة مما هو متاح من خبرات ودعم في سبيل الحفاظ عليها وتأهيلها .


********


ناصر سالم المقرحي


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : ناصر سالم المقرحي

محاسب   / طرابلس , ليبيا