أضيف في 16 يناير 2018 الساعة 23:28

أبناء الهوامش (3) !


أحمد حسيسو

3) حمّاد يلج الثانوية:


بعد تخطيه بنجاح اختبارات نهاية السنة الخامسة، قسم المتوسط الثاني يكون الفتى حمّاد قد غادر رسميا وقانونيا المدرسة الابتدائية ليلتحق بالتعليم الثانوي وهو في ربيعه الثاني عشر تقريبا، غير أن المؤسسة الثانوية الأقرب إلى بلدته لا تقل المسافة بينها وبين البلدة عن خمسين كيلومترا، فمن يقوم بأمر طفل في هذه السن بعيدا عن الوالدين الفقيرين حتى يستطيع مواصلة مسيرته الدراسية؟ إشكالية أخرى وتحد جديد يمثلان مرة أخرى في وجه الفتي ويعترضان سبيله...


ظل حماد محتارا في كيفية اقتحام عقبات السن و التموين والرعاية والسفر...


ذات صباح في بداية السنة الدراسية الجديدة، بينما حماد مع بعض زملاء المدرسة الذين عز عليهم نجاحُه ورسوبُهم وهو أصغرهم سنا، لم يسعفهم الحظ، أو بالأحرى لم تؤهلهم نتائجهم الدراسية للنجاح للالتحاق بالتعليم الثانوي، أشاروا إليه بالعودة إلى المدرسة ومطالبة الإدارة بإلغاء نجاحه، والسماح له بإعادة تكرار القسم معهم، على أمل النجاح الجماعي للأصدقاء في السنة المقبلة والالتحاق معا وسويةً بالثانوية، وافق حماد أصدقاءه في الرأي بكل بساطة وسذاجة من دون علم الوالدين ولا أحد من أفراد الأسرة، وترافقوا من البلدة حتى وصلوا باب المدرسة، ولكن الله سلم... لا يتذكر الفتى ما الذي حصل بالضبط عند باب المدرسة، هل هو الذي تراجع ورفض الدخول إلى الإدارة، أم أنه أبلغ الإدارة بالأمر فردت الطلب !...


لكن شيئا أغرب من ذلك لا يمكن تصديق حصوله اليوم قد حصل يومذاك... لا يدري حماد كيف انتهى خبر تردده في الالتحاق بالثانوية إلى علم تلميذ آخر من دوار آخر، فجاءه ذات يوم يطالبه بالسماح له بأخذ مقعده بالثانوية !!!


هكذا يفكر حماد وهذا مبلغ الناس من الفهم حينذاك، جهل وسذاجة وبراءة، ولربما قليل من المكر...


سافر التلاميذ الناجحون إلى المدينة الجديدة التي تحتضن الثانوية الجديدة، وكل واحد من أولياء الأمور قد أعد العدة ودبر حلوله المادية والمعنوية وهيأ ما استطاع من الظروف المناسبة أو المساعدة لأجل استقرار ولده وتمدرسه، إلا حمّاداً فلا يزال في دواره هناك بعيدا عن مدينة الثانوية، بعيدا عن أجواء الدخول المدرسي...


انطلقت الدراسة بنحو أسبوعين أو ثلاث... وأخيرا يصل حماد إلى الثانوية، يرافقه أحد بسطاء التجار من ذوي القرابة إلي حضرة السيد مدير الثانوية، دار نقاش بين الرجلين أفضى إلى إقناع التاجر السيدَ المديرَ بقبول تسجيل حمّاد بالمؤسسة رغم هذا التأخر في الالتحاق...


المناخ في المدينة الجديدة بارد جدا، والتغذية في الداخلية التابعة لها ناقصة جدا، ولكم أن تتصورا النتائج الصحية والشعورية والعقلية المترتبة عن البرد والجوع إذا اجتمعا... ولذلك فإن التلاميذ الميسورين نسبيا يتسللون خلسة إلى أحد الدكاكين أو المقهى المشهور في سوق المدينة لأجل اقتناء دعم غذائي يسد جوعتهم ثم يعودون خلسة، إذ من المحظور على التلاميذ الداخليين مغادرة أسوار المؤسسة بدون إذن الإدارة، أما حمّاد وأمثال حماد من المعوزين فأنى لهم... لا يكاد يعطيه الأب من المال مقدار واجب النقل ذهابا وإيابا...


بسرعة يتأقلم الفتى مع الواقع الجديد بآلامه وآماله، ويطوي سنوات السلك الأول الأربع من التعليم الثانوي محتفظا على مكانته ضمن الكوكبة الأولى للمتفوقين في كل قسم وفي كل مستوى رغم كل الإكراهات والصعوبات والتحديات الجسام...


كان حماد ميالا إلى التوجه الأدبي أكثر منه إلى الجانب العلمي عند اقتراب موعد التوجيه في السنة الرابعة من السلك الثانوي الأول، لكن ذلك لم يمنعه من اختيار التوجه العلمي في المقام الأول عند تعبئة بطاقة الرغبات، وذلك لحسابات تنافسية بين الزملاء، وليس بناء على تشاور ولا على توجيهات تربوية أو عائلية، نظرا لعدم وجود أطر مختصة بالمؤسسة، ولعدم وجود دليل مثقف موجِّه في الوسط العائلي، وتلك المحطة الهامة المفصلية الحاسمة في الحياة الدراسية كثيرا ما تخلف وراءها ضحايا وأضراراً في المسار الدراسي والمستقبل العملي المهني لمن لا يجد مِنَ التلاميذ مَن يأخذ بيده، ولعل حماد كان واحداً من هؤلاء المتضررين إلى حد ما... (يتبع)


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب