أضيف في 16 يناير 2018 الساعة 16:26

ويل لكم يا بني صهيون، إنهم قادمون !


أحمد حسيسو

لاقت كلمة "الرئيس" الفلسطيني محمد عباس اهتماما إعلاميا كبيرا، الكلمة التي ألقاها أبو مازن كانت بمناسبة انعقاد المجلس المركزي الفلسطيني مساء يوم الأحد 12 يناير 2018 للميلاد بمقر الرئاسة الفلسطينية بمدينة رام الله المحتلة، وبالرغم من الحضور العددي الوازن المتمثل في 90 عضوا من أصل 114، بالإضافة إلى مشاركة 160 شخصا كأعضاء مراقبين، بحسب مصادر مطلعة، فإن غياب مكونين أساسيين في المشهد الفلسطيني قد أثر بشكل كبير على أجواء الاجتماع وعلى مخرجات اللقاء.

فإذا كان محور الاجتماع بالدرجة الأولى منصبا على تحديد العلاقة مع الاحتلال والنظر في الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين وبالخصوص في ضوء المستجدات والتحركات الرسمية والشعبية التي تعرفها القضية الفلسطينية على إثر قرار الرئيس الأمريكي ترامب بجعل القدس الشريف عاصمة للدولة العبرية، فإن غياب وجهة النظر التي لا تؤمن بخيار المفاوضات، ولا ترى حلا ناجعا إلا من خلال المقاومة المسلحة لا شك يؤثر سلبا على توازن القرار السياسي الفلسطيني ووحدته.

حركتا حماس والجهاد الإسلامي تعتبران المفاوضات مع الاحتلال عبثية ومضيعة للوقت، فما أخذ بالقوة لا يمكن استرداده إلا بالقوة، والعدو لا يفهم إلا لغة الحراب.

كلمة الرئيس عباس لم تخل من التهكم الساخر أحيانا والانتقاد اللاذع أحيانا أخرى على بعض وجهات النظر سواء من حماس أو من الصهاينة، كما أن بعض الوقائع التاريخية والدينية المتصلة بالقضية الفلسطينية التي تطرق إليها أبو مازن قد أضافت إلى كلمته قيمة معنوية لا شك أنها سوف تلاقي رفضا وانتقادا شديدين في أوساط الصهاينة.

وفعلا ما أن فتحتُ شاشة التلفاز لإلقاء نظرة يسيرة على كلمة عباس حتى وجدت نفسي مشدودا إلى مواصلة المشاهدة لمعظم الكلمة، فقد بدا لي كأن وراء نبرة الرجل والجدية التي بدت على محياه تقدما ما في الموقف، فما هي إلا لحظة صغيرة حتى انتقد موقف القيادي في حركة حماس محمود الزهار بشأن تقليل الرجل من أهمية مشاركة المقدسيين في انتخابات فلسطينية بحسب ما ألمح إليه عباس، فيؤكد السيد الرئيس على أن القدس هي بمثابة مكة المكرمة ولا تقل عنها أهمية ومكانة.

السيد الرئيس محمود عباس إذن يزايد على القيادي الحمساوي محمود الزهار حول مكانة المقدسيين وحول الاعتبار الذي تستحقه مدينة القدس ويتبوأه المسجد الأقصى الشريف، إذ هو أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين الشريفين!

حسنا، فاستبقوا الخيرات، فليتنافس الفرقاء والشركاء في الدود عن القدس والمقدسات وعن الأرض والتاريخ وعن الرجولة والشهامة والمواقف، إنها بشارة خير أن يزايد في حب القدس وفي الحرص على الأقصى محمود عباس، ذاك الذي كان بالأمس القريب يبكي على موت شيمون بيريز أحد أكبر رموز الظلم والطغيان، وأحد أعتى قتلة الأطفال والنسوان، أقول جميل جدا أن يزايد هذا وأمثاله على من كان عانى الشدائد مع المبعدين قسرا إلى مرج الزهور (مرج النفي والطرد والعزلة والحرمان والعقارب)  في جنوب لبنان، ثم رجع وحمل السلاح في وجوه الغاصبين، وقاسى ولايزال مع إخوانه في خندق الجهاد وصبر النضال كل ألوان التضييق والحصار والعدوان، ما أروعه من موقف عندما يتوب المذنب من ذنبه ويعود إلى رشده ويسترجع شهامته ويظهر رجولته ويحمي كرامته بعد ما كان عليه من خذلان وهوان وخسران، ومن خيانة وحقارة ومهانة.

لنقل بوضوح محمود عباس الذي حل محل الشهيد ياسر عرفات في ظروف وملابسات مشبوهة غامضة، والذي أقل ما يمكن أن يقال في حقه أنه كان مروض كلاب حراسة للصهاينة، تعتقل أجهزته "الأمنية" المجاهدين الصادقين والمناضلين الشرفاء الذين يهمون بمنازلة العدو الصهيوني المحتل الظالم والنيل منه، تعتقلهم وتسومهم سوء العذاب، تنفيذا للاتفاقيات الأمنية الموقعة مع الاحتلال، ها هو اليوم يرعد ويزبد دفاعا عن مشاركة المقدسيين في انتخابات فلسطينية ورفضا لقرار ترامب حول القدس، ورفضا للوساطة الأمريكية مستقبلا في البحث عن تسوية للنزاع.

لم لا نرفع له القبعات ونضعه فوق رؤوسنا ونبوئه مكانة المحبة والتقدير في قلوبنا، أليس عادة ما يكون العائد من الاعوجاج إلى الاستقامة أشد محبوبية واعتبارا ممن كان على جادة الصواب أصلا. ألا تعلمون أن الله تبارك وتعالى يفرح فرحا عظيما بتوبة عباده؟

لكن على رسلكم فما هي إلا لحظات من التهكم على الخصوم، والاستئساد على الأتباع الرعاع، والتجوال في حدائق التاريخ استشهادا ببعض حقائق الدين، حتى كشف السيد الرئيس عن ثوابثه الفخمة الضخمة التي لم تمس الكيان الصهيوني الذي زرعه الاستعمار الأوروبي بسوء، يمكن تلخيص الثوابت في كلمتين، طبعا فضلا عن الاعتراف بدولة "إسرئيل":

1) المطالبة بدويلة فلسطينية لا تتعدى مساحتها 22 بالمئة من تراب فلسطين، بدل فلسطين كاملة مئة بالمئة!

2) المطالبة بالقدس الشرقية (الجزء القديم) عاصمة لتلك الدويلة المجهرية المطلوبة، بدل القدس الكاملة مئة بالمئة!

وداعيا إلى ما سماه المقاومة الشعبية السليمة، زاعما أن هذا هو الأسلوب الأمثل لدحر الاحتلال، في إشارة إلى رفض الكفاح المسلح، فما عسانا أن نقول ل"إسرائيل" سوى: نامي هنيئة مرتاحة يا دولة اليهود من جانب هذا وأمثاله وأذنابه مهما اشتد صراخه وعلا صياحه.

نقول لمن يحلم ويزعم قهر "إسرائيل" بالمقاومة السلمية أن يقرأ في الشعر العربي القديم الفحيم:

        زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا    أبشر بطول سلامة يا مربع! 

حلل هذا البيت الشعري لتفهم كيف أن "الفرزدق" الضعيف يمثل المفاوضات العبثية والمقاومة السلمية العزلاء، وأن "مربعا" هذا القوي  هو بمثابة دولة الاحتلال القائمة على القوة العسكرية الغاشمة... أنت يا مربع آمن منيع إذا كان الذي يهددك هو الفرزدق...

إذن لا خوف عليكم أيها الصهاينة ولا على مستقبل دولتكم من أولئك الحملان الوديعين السلميين المسالمين، إنما الحساب كل الحساب لأولئك الأُسْدِ الغلاب رجال حماس ومن معهم في الخندق والخيار، فهم على الدرب صابرون، ويل لكم منهم يا بني صهيون، إنهم قادمون... ولا محالة واصلون.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب