أضيف في 16 يناير 2018 الساعة 00:19

أبناء الهوامش (2) !


أحمد حسيسو

2) في حضن المدرسة الإبتدائية:

تمضي الأسابيع والشهور وتطوى السنون في حضن المدرسة الابتدائية، وتتفتق موهبة حَمَّاد وتنمو عنده القدرة الاستيعابية ويزداد نهمه لتلقي الدروس المتتابعة، ولا يكاد يخرج إسمه من كوكبة التلاميذ الثلاثة الأوائل في كل مستوى يلجه وفي كل قسم ينتقل إليه، تفوق بيِّنٌ بين التلاميذ يوازيه ويصحبه فقر لا غبار عليه، فقر بينٌ في النعل واللباس، فقر بيِّنٌ في الدفاتر وسائر الأدوات المدرسية التي يضعها في كيس من البلاستيك ويحرص عليها أشد الحرص، إذ لا يحصل على ثمنها من دُريْهمات الوالد الفقير التعيس إلا بشق النفس، وربما بكى أياما عديدة قبل انتزاع دفتر أو طباشير أو لوحة أو قلم رصاص أو... أو... وربما انتهره الوالد المقهور على مطالبه الملحة، وربما تلقى ما كُتِب له من العصا من يد السيد المعلم قبل الظفر بما ينقصه منها !

ذات يوم من أيام مستوى السنة الثانية في المدرسة، يطلق عليها حينذاك القسم الإبتدائي الأول، بينما حمّاد وصاحبه صطاف يرافقهما زيدٌ الأخ الأكبر لصطاف في طريقهم إلى المدرسة، وجد الثلاثة أنفسهم متأخرين عن ساعة الدخول، إذن فلا إفلات من عصا السيد المدير عند الباب الرئيسي، إنه ينتظر هناك المتأخرين لينالوا جزاء فعلتهم غير المقبولة وغير المعذورة على الإطلاق مهما جاءه به أحد من مبررات، ما العمل وما السبيل للتخلص من هذه الورطة؟ هنا أوعز إليهما زيد بالتغيب وغرر بهما فتغيبوا جميعا عن الحصة، لكن العودة إلى البيت سوف يكون لها ثمن باهض أشد من هراوة المدير، ولذلك أمضى الثلاثة الوقت في اللهو والدوران هنا وهناك بعيدا عن أعين الوالدين وعن أعين كل من يمكن أن يراهم من المعارف فيشي بالأمر إلى الوالدين... وما أدراك ما عاقبة بلوغ خبر الغياب إلى علمهما، هكذا ينتظر المتغيبون ريثما يخرج التلاميذ فيقدمون معهم إلى الدوار كأن شيئا لم يقع.

في الحصة الموالية يروي المسكين حماد قصته مع المعلم السيد مولود الذي عاقبه بعصا حديدية طويلة جوفاء من الداخل على شاكلة قناة غير أسطوانية بل بمسار مربع، يرفعها المعلم مولود إلى أعلى رأسه فيهوي بها على اليد الصغيرة الطرية لحماد لعدة مرات، لم يشفع للمسكين اجتهاده الدراسي ولا رقة جلده ولا دقة عظمه ولا ألمه ولا صراخه ولا دموعه، غفر الله للسيد مولود كان جادا في عمله، لكنه كان أشد قساوة على التلاميذ من كل المعلمين في المدرسة...

لم يكتف السيد مولود بعصاه القاسية، بل أمر تلميذه بتسجيل جملة طويلة لا تزال ذاكرته تحتفظ بجزء منها مفاده" لا ينبغي أن أتغيب أبدا عن المدرسة..." عليه كتابتها في البيت خمسمائة مرة وإحضارها في الحصة القادمة ! عذاب لكن لا بد منه...

من شدة الخوف من المعلم وهيبته وسطوته لا يجرؤ التلاميذ على الاستئذان للخروج لقضاء الحاجة، إلى درجة تكرار ظاهرة التبول الاضطراري داخل الأقسام، بل وأكثر من ذلك، لدى العديد من التلاميذ، ولعل حماد كان ذات مرة من بين الضحايا أو هكذا يخيل إليه...

حمّاد الآن على عتبة مغادرة المدرسة، ها هو في القسم الخامس المسمى المتوسط الثاني، يتألق في امتحان دوري لدى المعلم السيد بادريس، أستاذ اللغة الفرنسية والرياضيات، لا يقل شدة و محاسبة وعقوبة عن السيد مولود، يرتجف التلاميذ وبالخصوص الكسالى منهم من حصته...

بحسب النظام الدراسي التربوي تجرى ثلاث دورات في حضن القسم قبل الامتحان النهائي الموحد في آخر السنة الدراسية. في نهاية إحدى الدورات كان السيد بادريس يزود تلامذته بنقاطهم في مختلف المواد التي امتحنهم فيها على أن يقوموا بتجميعها وحساب المعدل، ثم إعطاء النتيجة علانية للمعلم، عندئذ يتعرف كل واحد على ترتيبه بين الزملاء... حماد أخطأ الحساب في المرة الأولى، فلم تكن النتيجة مرضية، إكتشف أن نتيجته أفضل مما صرح به، فهي تخوله المرتبة الثانية، فأخبر المعلم بعد تردد خوفا من العتاب أو الهراوة، حسنا لقد ارتقى، وليس أمامه سوى تلميذ واحد... غير أنه دقق الحساب بعد ذلك فأيقن أنه صاحب المرتبة الأولى، فمعدله أفضل من معدل زميله الحائز الآن على الرتبة الأولى...

ما العمل إذن؟ ترى ماذا سيختار حماد، هل يجرؤ على إخبار المعلم من جديد، أم يؤثر السلامة مع المرتبة الثانية؟

لن ينسى حمّادُ أنه تجرع مرارة التخلي عن المقدمة إيثارا للسلامة... (يتبع)

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب