أضيف في 12 يناير 2018 الساعة 19:59

ازدواجية المعايير في الخطاب الإعلامي


رشيد اليملولي

ازدواجية المعايير في الخطاب الإعلامي .


لا شك أن الحديث عن الإعلام و سلطته الرابعة ، أصبح من البديهيات التي لا يرقى إليها الشك ، و هذه السلطة مستمدة من الروح المؤسسة للعمل و الفعل ، الذي يصبو إلى خدمة القيم الإنسانية و الفلسفية و السياسية ، و يحمي المجتمع من الانزلاقات المرتبطة بالتسلط والسلطة في مفهومها الشخصي المختزل و غير المؤسساتي ، و الداعم لاعتلاء سدة الانفراد و الوحدانية في الفهم و التنزيل ، ولا غرو؛ أن هذه السلطة الإعلامية ، تعد كذلك من وسائل الهيمنة الرمزية و الايديولوجية معا ، و الساعية إلى توجيه و بناء النسق الاجتماعي نحو غايات محددة ، سواء اتخذت طابعا سياسيا أو دينيا أو تجاريا ـ استهلاكيا ، الأخطر في هذا المستوى من الهيمنة هو إضعاف الاختلاف و بناء الثقافة النمطية و صياغة الرعوية السياسية و الثقافية ، و استنبات نوع معين من " المثقفين " و تحويلهم إلى أيقونات لتوجيه الفهم و تأطير الترقي الاجتماعي وفق الأساليب الواهية ، و التي لن تقود إلا إلى السلم الاجتماعي بالمعنى السلطوي ، و مباركة النظام السياسي " النموذجي " و " الخيري " ، و لا حاجة للتذكير أن المرتكزات التي يستند عليها هذا النوع من الإعلام ، تتظافر مع المرتكزات الدينية النابعة من المؤسسة السلطوية ، و ذلك بغرض تحويل النسق الاجتماعي إلى موضوع ، تسلط عليه كل الواجبات ، و معايير التقنين التي ترفل في نعيم الطاعة ، التي أصبحت مركز الثقل في فلسفة الأنظمة الفاشلة سياسيا و تنمويا و قيميا و أخلاقيا .


تفجرت الحركة الاحتجاجية الإيرانية في ظل تزايد إجراءات التضييق على المعيشة و الحرية ، و كل الحقوق المرتبطة بذلك ، و أمام إمعان النظام الإيراني برمته في تركيع و إلغاء هذه الحقوق ، و التأسيس لذلك بمرجعية دينية مؤطرة بالطموحات الاستراتيجية سواء في سوريا أو لبنان ، أو اليمن أو في مضيق هرمز و منطقة الخليج العربي ، لم يكن بد من الحركة الاجتماعية ، و إعلانها الرفض و العصيان لتسويق نموذج إيراني يعتمد على عكازين ؛ خارجي يهش به على أعدائه بأنياب شرسة ، و عكاز داخلي يؤدب الرؤوس التي أينعت و حان قطافها .


غير أن الوثيرة التي يقاد بها النموذج الإيراني ، لم تكن إلا لتحرك العديد من الفجوات في مجموع القطر السني ـ و إن كان الصراع بين التيارين ذو أصول تاريخية تمتد إلى زمن الفتنة ـ الذي تحركت آلته الإعلامية لمباركة الحركة الاحتجاجية ، و دعمها و لو على سبيل الخطاب ، و إن اقتضى الحال تطوير ذلك إلى الدعم المادي و اللوجيستي . المفارقة هنا تتجاوز الصراع السياسي ، و إن كان بندا موجها ، تقف في منطقة قصوى تتجلى في طبيعة الخطاب الإعلامي المرافق لهذه التزكية و التسويغ .


إن النقد الموجه للنموذج الإيراني ، موجه أساسا وفقط للاستهلاك الإعلامي الخارجي و الداخلي ؛ حيث أنه يقفز و بإرادة على حقيقة قد لا تخطئها العين ، و هي طبيعة الأنظمة السياسية السنية عموما ، و التي تعجز القواميس و المعاجم اللغوية أمام تحديد صفتها و مواصفتها ، حيث أن هذه الأنظمة وعلى الرغم من التغطية الإعلامية و الدينية الداعمة لها ، تظل أنظمة خارج السياق الحضاري و التنموي الذي ارتضته السياقات الدولية ، لعل أبرزها أن النموذج الإيراني و التركي ، و إن كانا أسيرا طموحاتهما السياسية و الاقتصادية ، يعبران عن مستوى معين من الممانعة ضد القوى الكبرى الراغبة في فرضها سيادتها على المنطقة ، و ربطها بالمصالح الرأسمالية و السوق المالية العالمية .


لعل التهم التي تكال لهذا النظام تخفي عن قصد و طواعية ، المستنقع الذي تتغذى عليه الأنظمة ؛ فتحت سجادتها تقف العديد من ملامح الفقر المدقع في التدين و العدالة و القيم الإنسانية و التوزيع العادل للثروة ، و الحضارة العلمية و الفنية . فهل المقصود بإثارة الملف الإيراني و التنقيص منه ماديا و رمزيا التعبير فقط عن قصاصة أخبار تقتضيها المهنية ؟ .


لا شك في أن الأمر مرتبط بفلسفة سنية سياسية ، و ليس سياسة سنية ؛ فالإعلام المتأسلم أي المنتمي للمجال الإسلامي ،لا يتورع في وأد الحق في الاختلاف و المعارضة و حقوق الأقليات بل و تجريم المطالبة به و التسويف في الاعتراف به، و هي من ضمن أكثر القضايا التي يغض الإعلام الطرف عنها في المجال السياسي ، و بالأحرى مطالبة النظام الإيراني بها .


كما أن القضية التنموية التي غالبا ما يتغاضى عنها ، و إن تحدث جعل من فتاتها و أبعار ضبائها ثورة تنموية ، فها هي المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في عادتها القديمة و المرتبطة بموسم الشتاء ، توزع في مشهد مهزوز في دلالته ، و صوره الخفية التحقيرية ، التي تربط هذه العطاء بمديونية المعنى ، أي تشكيل تبعية رمزية في صورتها ، مادية في صيغتها و مضمونها ، و ذلك دون أن تسائل نفسها أنها تعيد إنتاج الأزمة ، مع ما يرافق ذلك من تطبيل و هلوسة تصل حد الطنين الذي لا يطاق ، و معها تتماشى سياسة تفقير و إخواء جيوب المواطنين ، لدرجة أضحت معها المبادرة ترويجا سياسيا لبريق و سمعة النظام ،و تزكية مشروعيته ، و إلغاء قسري للحق في التنمية بالمواصفات المعروفة ، حيث أن المناطق المنكوبة تعاني من جراء البرد من غياب بنية تحتية ملائمة ، تجعل مقاومته مسألة فصلية ، و ليس معاناة متعلقة بالوجود الإنساني ، و الحق فيه و في الثروة و كل القيم الدائرة في فلكها .


إن الإعلام المغربي بإعلائه من شأن الحركة الاحتجاجية الإيرانية ، كان حريا به أن يعلي أيضا من شأن الحركة الحجاجية ـ الاحتجاجية في جرادة حاليا ،ووزان ، و أزمة العطش في زاكورة ، و التشغيل وفق عقود باعتباره ضربا قويا للقدرة الشرائية ، و تحللا للدولة من مسؤوليتها ، و ليس تسويق صورة الطريقة " الحضارية " التي تعاطت معها قوى القمع ، و حري به أيضا أن يقف إلى جانب الطبقة الاجتماعية ضد معاول الهدم ، التي تطاله يوميا من ضرائب قل أن توجد في العهد الروماني ( يمكن التأكد من جحافل الضرائب في قانون المالية الحالي على سبيل المثال ) .


إن النظر إلى القضية الإنسانية و مطالبها المشروعة ، يفرض تجاوز الانتماء الجغرافي ، و النظر إلى الانتماء الحقوقي المرتبط بالسلطة الرابعة ، أما أن تتعالى الأصوات في مجال سياسي موسوم بالركود ، و الدفاع عن حقوق مجتمع آخر باسم مبادئ ، يتم دهسها داخليا تحت ذريعة تجنب الفتنة و الحفاظ على السلم و الأمن الاجتماعي ، ليعد من أكبر علامات الفصام الإعلامي ، و ازدواجية المعايير و المبادئ الناظمة للعمل المهني ، في حقل سلطة قد تشكل الملاذ الأخير للمجتمع و صيانته من الذيلية التي يروج لها أدباء و فقهاء و سياسيو الطاعة غير المشروطة ، و التي لا سند سوى الحق في كلمة حق ، و ليس كلمة حق يراد بها باطل ، بغض النظر عن الخط التحريري و القضية المتعلقة به .


إن التنقيص من النظام الإيراني و إن كان مبررا في إطار الصراع و السنة الحضارية ، قد لا يعني في تقديرنا إلا مثالا مضادا لمسار إعلامي ضحل في بنيته الحقوقية الداخلية ، إذ إن معايرة الآخرين تحت سقف إعلامي سلطوي موجه حتة الثمالة ، يفيد أن " القيم " التي تحكم الخطاب قيم انتهازية ، تبدع فقط في تسويق نفسها ، و الذود عن مصالحها الضيقة تحت طائلة معالجة القضايا الدولية ، بنفس تحريري لا يعكس إلا هواجسه التي تشي بالفصامية في أبهى تجلياته .


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب