أضيف في 12 يناير 2018 الساعة 16:17

أبناء الهوامش(1) !


أحمد حسيسو

1) ولوج المدرسة:

ذكرى غير قابلة للنسيان في ذهن الفتى حَمَّاد، كأنها منقوشة على الحجر، في يوم استثنائي من حياته، ذهب به الوالد إلى المدرسة الوحيدة بالمدينة الصغيرة المجاورة التي تبعد بنحو كيلومترين عن مسكنه المتواضع بالدوار، ولأول مرة يقطع هذه الطريق، وما أن أبصر السيد المدير كوكو الفتى بمعزل عن أبيه في باحة المدرسة حتى صاح بالدارجة المغربية مستنكرا بنبرة حادة: "شكون لي جاب هذا ! " يتساءل من الذي أتى بهذا الطفل الصغير دون سن التمدرس؟

طبعا حمّاد الذي نشأ أمازيغيا صرفا لم يفهم شيئا، لكن الوالد الذي صال وجال في المغرب الأقصى وفي الجزائر إبان فترة الاستعمار الفرنسي سعيا وراء لقمة العيش لأطفاله الكثر سوف يُفهٍم ولدَه فيما بعد عم يتحدث السيد المدير.

وقف حمّاد محتارا مشدوها لا يعرف كلمة واحدة من الدارجة المغربة نطقا ولا فهما...

يلمح الوالد الحريص المسكين المشهدَ فيتدخل فورا أمام السيد كوكو، ذلك الرجل النحيف الجسم القصير القامة، فيقدم له دفتر الحالة المدنية ليثبت له أن حماد الذي يبدو أنه دون سن التمدرس هو الآن في السابعة من عمره، ليهدأ روع كوكو، فيغادر الوالد المدرسة ذاهبا إلى حال سبيله بعد الاطمئنان على قبول ولده، وتبدأ إجراءات التسجيل.

دفتر الحالة المدنية لم يكن بعد موجودا لدى الأسرة أثناء فترة ولادة حماد، فلما أعد الوالد الوثيقة سجل تواريخ الازدياد لحماد وإخوانه تقديرا وليس تدقيقا، ومن عادة الكثير من الناس أن يزيدوا من أعمار أبنائهم وبناتهم في الوثائق لمآرب وأغراض...

تم تسجيل حماد بمدرسة المدينة، ولمّا يعرف بعدُ الطريق ذهابا ولا إيابا بين البيت والمدرسة، لكن من حسن حظه أنه في ذات الوقت تم كذلك تسجيل جاره في الدوار وصديق الطفولة المفضل صطاف الذي كان يكبره قليلا، لقد التقى الطفلان ليترافقا معا في طريق العودة إلى الدوار، وعد صطاف صديقه على المداومة معه على الرفقة في الطريق بين الدوار والمدرسة ذهابا وإيابا...

في اليوم الموالي وجد حماد نفسه في ساحة المدرسة وهو لا يدري الوجهة التي عليه اتباعها ولا القاعة التي عليه ولوجها، فإذا به في ورطة أخرى أشد من أختها بالأمس، يقابله معلم ضخم الجثمان موجها إليه سؤالا بالدارجة، هذه المرة ليس في الساحة أب ولا قريب يفك الشفرة ويحل المعضلة... ظل الطفل المسكين ينظر إليه لا يدري ما المطلوب منه ولا يدري كيف يتصرف، حتى تلقى الوجه الساذج البريء صفعة شديدة أليمة من المعلم العُروبي الجبار، احمرت منها وجنة التلميذ الجديد ! وفورا تم إدخال حماد إلى إحدى قاعات المدرسة مع مجموعة من الزملاء في جو لا يخلو من الرعب والإرهاب...

فكان لازما على التلميذ حَمَّاد أن يبحث عن زميل يفهم قليلا مما يقوله المعلم وما يطلبه قبل المجيء إلى المدرسة من أدوات ودفاتر، وغير ذلك من قضايا القسم و المدرسة، لكنه لسوء الحظ ناذرا ما يوجد بين الأقران من يفهم شيئا من اللغة الدارجة فأحرى العربية الفصحى، ولربما حصول ذلك هو بالعكس من حسن الحظ أيضا توافقا مع ذلكم المثل الدارجي المغربي "إذا عمت هنت" ...

ها هو ذا الطفل المسكين حماد قد هاجر مرغما سنين اللعب الطفولي الحلو الجميل إلى الأبد بغير رضاه، فلا هو قادر على معارضة رغبة الأب في التمدرس، ولا هو مقبل على مدرسة تربوية يسودها جو من الحنان والرحمة والمحبة والرفق...

يبدو أنها مرحلة مأساة... (يتبع)

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب