أضيف في 9 يناير 2018 الساعة 10:43

من خربشات الرسم إلى التعبير الشفاهي عند الطفل * ترجمة


نورالدين البودلالي

 


Annie Anzieu**


 


لا تمثل رسومات الصغار، بالنسبة للمحلل النفسي الطفالي، هدفا في حد ذاتها ولا دليلا على النضج العقلي. فتلك الرسوم ليست سوى الشكل الذي تنتهي إليه عملية التواصل خلال اللحظة التي تكون فيها العلاقة قائمة بين المحلل النفسي والطفل، وليس لقدرات الطفل على الرسم أي قيمة إلا في نطاق ما يكتسبه، حسب عمره العقلي والحركي، من قدرة على التعبير بواسطة تخطيط يحتمل معنى لاشعوريا، معنى لا يراه بديهيا من يفتقر إلى التجربة التحليل النفسية.


القيام بدراسة إمكان إنجاز رسم، ودراسة ما يلحقه من تطور خلال العلاج النفسي، هي أقرب من ملاحظة الأطفال الأسوياء منها إلى مرحلة التجريب السيكولوجي. إلا أن بعض حالات العلاج النفسي لدى الأطفال وملاحظة حديثي السن تثيران مسألة البحث في بعض تفاصيل العمليات، التي تسمح بالمرور من الحركية العامة إلى الحركية[القصدية] geste الرمزية، ثم إلى الكلام. وقد خضعت هذه العمليات، ولا تزال تخضع، لدراسات متعددة ومتنوعة تناولت أوجهها الحركية أو العقلية. أما الطب النفسي فيقدم إمكانية لملاحظة ما يكتسبه الاقتصاد العاطفي من أهمية في نمو هذه العمليات نموا مناسبا (Widlöcher).


 


من الحركة [الآلية] (mouvement) إلى الحركة [القصدية] (geste).


سواء تعلق الأمر بالنمو العادي للطفل أو ببعض حالات العلاج النفسي، سيتم الوصول إلى الحركة [القصدية] النهائية المنتجة للرسم. فالتمثل المرسوم يفعّل حرية استعمال الحركة اليدوية القصدية، ويفعّل القدرة على جعل الصور العقلية للأشياء وكذا التخيلات تأخذ أشكالا رمزية، ويفعّل الرغبة في التواصل والتحكم في الحالة الانفعالية.


لقد شكلت دراسة الحركة [القصدية]، وما يدور في فلكها، موضوع بحث قام به هنري ﭭالون في سنوات الخمسينات. فالجدلية القائمة بين هذه الحركة [القصدية] وبين الشكل الخطي الذي تتسبب فيه من جهة، والقصدية الماقبل-شعورية واللاشعورية في استعمال هذا الشكل من جهة أخرى، أمران قابلان أن يشكلا موضوع بحث تحليل-نفسوي وسيكولوجي. أما وضعية المحلل النفسي فلا تجعله يربط شكل الرسم بالقدرات النفسحركية لمنجزه فحسب، وإنما أيضا بالتخيلات اللاشعورية التي تكون سببا في قصدية الحركة المنتجة للتخطيط: إذ الرسم تعبير عن المكبوت.


ما من شك في كون شخصية الرسام هي الشخصية المركزية في الرسم، على غرار الحالم في الحلم لدى فرويد. إلا أن التأويلات العديدة التي يجر إليها الرسم، تمكن المحلل النفسي من الأخذ بعين الاعتبار الشكل والأسلوب و، في غالب الأحيان، الألوان مواضيع للتأويل. فهو يركز نظره على العلاقات بما هي كذلك، وكأنها علامات لخطاب تُعرض مثبتة على سطح. تنفذ رؤيته كذلك إلى مكامن التعبير اللاشعوري في أشكال ومضامين الرسم التي تجسد نمط العلاقة القائمة بالفاحص على اعتبار أنه موضوع للتحويل.


وما شد انتباهي، في هذا الإطار، هي مسألة المرور من إمكانية التعبير عن طريق الرسم إلى إمكانية التعبير الشفاهي لدى الأطفال خلال حصص علاجية عديدة. يتعلق الأمر بحالة الأطفال الصموتين، إما نتيجة الانطواء وإما لحالات نفسية قريبة من الانطواء، وكذا لحالات أطفال يتمتعون بحياة نفسية سوية لكنهم يعانون من كف كبير على المستوى العاطفي، فيقفون، ضمن إطار الحصة العلاجية، عاجزين عن التعبير الشفاهي.


يبدو أن بعض الأطفال الذهانيين أو المتواجدين على حافة الذهان، لا يستطيعون التعبير إلا بواسطة حركات تبدو من حيث الظاهر مضطربة [غير منتظمة]، إلا أن لها القدرة على سلب المبادرة من بين يد الأطباء النفسانيين المبتدئين. فإذا ما تطورت هذه الحالة المرضية الصعبة إيجابيا نحو إمكانية التعبير الشفاهي، إذ ذاك سيكون بإمكاننا ملاحظة ذات العمليات التي نجدها خلال النمو السوي لطفل في سنته الثانية أو الثالثة: إذ يكتسب الطفل تدريجيا القدرة على التحكم في دوافعه الحركية، فتصبح الحركة[الآلية] حركة[قصدية]، لتتحول هذه بعد ذلك إلى كلام؛ معلوم أن النمو النفسي الموازي يسمح بالتحكم في الغرائز.


أما إذا لم يسمح لنا تضخيم عملية النمو، في جانبه المرضي، بتقديم أجوبة شافية للقضايا المطروحة، فسيتيح لنا، على الأقل، فرصة التساؤل بشكل مدقق حول الروابط التي قد تجمع بين تلك القدرة على التحكم النفسحركي وبين تمظهرات الفعل في شكله الشفاهي. فالرسم هو أفضل وسيط يجمع بين الحركة [القصدية] وبين الفكر، ويثبت أولى أشكاله الجنينية. فبفضل التأويل في إطار العلاقة بالمحلل النفسي تولِّد المنظومة النفسمرضية مجموعة من السلوكات الغير المتحكم فيها لكنها ذات دلالات، كأن يمتلك الطفل الذهاني وسيلة تعبيرية تؤكد اكتسابه لجزء من القدرة على التحكم في الغرائز يتفاوت من حيث درجته. في المقابل من الممكن أن يؤدي تفسير ما تتسبب فيه العلاقة التحويلية من مخاوف إلى إزالة القلق الذي نلاحظه لدى الأطفال الذين يعانون من الكف بفعل الكبث القوي للغرائز.وقبل أن يتكلم الطفل يبدأ بالعب ليمر إلى الرسم. وهي عملية تشمل لحظتين هامتين، هما:


-الـ"مرور" من الحركية العامة إلى الحركة [القصدية] ومنها إلى الرسم؛


- الـ"مرور" من الرسم إلى الكلام.


 


جانب الذات: حدود الإمكانات و التمثلات.


الطفل السوي وهو يلعب، بجسمه ومع الناس وبالأشياء، إنما يقوم بتجريب قدراته وإمكاناته القصوى أكثر مما "يعبر عن ذاته". أما التعبير عن الذات فيتحقق أكثر بواسطة الحركة الميمية، وبالفعل القصدي أو الـ"دال" الذي يأتي به الطفل في سن مبكرة، قبل أن يتحول بعد ذلك إلى كلام.


الكائن من طبيعته أن يأتي الحركة الآلية: فهي ترتبط أولا بالإدراك الداخلي للجسم، ليتحول تدريجيا إلى إدراك خارجي لإمكانياته القصوى و للجانب الحواسي(لمس، بصر، سمع). تلك الحركات تؤسس مفهوم الابتعاد الذي تستدخله الأنا بحركات التضييع والافتراق الضرورتين في عملية تكوين الأنا النفسي. ونظرية كلاين، التي يتبناها كل من بيون Bion ووينيكوت Winnicott وباحثين أنكلوساكسونيين آخرين تقدم دعما قويا لهذه الفكرة من حيث الطريقة التي يتم بها استيعاب العلاقة بالموضوع. ولا يسمح المجال لي بتفصيل الحديث في هذه النظرية.


إن ما ينطق به الطبيب النفسي من صياغات لفظية من شأنها أن تحوِّل تمثل الفضاء الخارجي نحو فضاءٍ مستدخل قادر على التعبير عن نفسه في صورة حركات [قصدية]قليلة جدا، ثم من خلال حركات ميمية، وأخيرا في صورة رسم. وفي هذه العملية غالبا ما يتم المرور عبر وساطة الأشياء الحقيقة: اللّعب وعجينة التشكيل وكذلك الطبيب النفسي ذاته، وهي أشياء تستعمل في الغالب كدعامة للدلالة على حالة انفعالية أو عن علاقة ما. بهذه الطريقة يتم تجديد خلق إمكانية التجريب عبر جعل حدود الذات الجسدية وحدود الأنا النفسية مرتبطة بالحس. آنذاك يمكن للطفل أن يشعر أنه أصبح موضوع حب، فيدرك تميزه عن الأشياء الخارجية وعن تمثلاته الخاصة. إذ ذاك يصبح الرسم رسما لفضاء داخلي، رسما للفضاء النفسي.


ويفترض في الرسم استعمال اليد كعضو للتعبير أو كأداة، واستعمال أداة أخرى تمدِّد اليد و"تعطيها الكلمة". في مرحلة لاحقة ستصبح الكتابة، دون شك،التطور الرمزي، على عدة مستويات، لهذه القدرة على التعبير الحركي.


لذا، سيكون مفيدا جدا معرفة الكيفية التي رسم بها الأطفال بدور الحضانة، خاصة منهم أولئك الذين يعانون من صعوبات في اكتساب تقنية الكتابة في الأقسام الأولى. حول هذه النقطة نتفق مع بياجيه حينما يتحدث عن تكييف قدرة التنظيم الحركي مع التعبير عن التنظيم العاطفي والنفسي. كما أكد ﭭالون بدوره على جدلية الداخلي /الخارجي وأهمية ما نسميه حاليا بـ "المحيط".


وفي نفس السياق المتعلق باستعمال القدرات الوظيفية للذات، يصبح الكلام بدوره أداة صوتية؛ إذ من المعلوم أن الحركات الآلية الصواتية عديدة جدا، وأن مجموع الحركات هي ذات أهمية قصوى خلال الفعل الشفاهي.


جانب الموضوع: التمثل.


لن أعود هنا لتفصيل القول في العمليات المتعلقة باكتساب القدرات الذهنية التي تسمح بالوصول إلى التمثلات الواقعية. باحثون غيري ينكبون على إجراء دراسة دقيقة لهذا النوع من النمو لدى الطفل، هذا النمو الذي يولّد إمكانية حركية مرتبطة بالتمثلات، تلعب فيها المكتسبات الحواسية وأدوات الرسم دور الوسيط. في المقابل، سأعمل من جهتي، دون الدخول في التفاصيل، على إبراز بعض العناصر النفسية والانفعالية التي أراها تساهم بشكل كبير في حصول هذا الاكتساب.


لا مراء في كون التفريق بين الذات والموضوع، عملية تسمح بإدراك وإعادة إنتاج الأشكال الخطية القصدية الخاصة بالعناصر المميزة التي تجعل التعرف على موضوع ما ممكنا انطلاقا من تخطيطه. قد لا تكون لدقة الحركة [القصدية] المنتجة لتخطيط أية علاقة بما يتبلور على المستوى العقلي، إلا أنها تبرز أن للدافع بدوره مفعوله في الحركة [القصدية] (كما في الحالة التي يوخز فيها الطفل، مثلا، رسمه بالقلم، ويقدم تفسيرا للثقب التي يحدثها القلم).


وعليه فالمحرك الأساسي للرسم هي النية في تفسير جزء من الذات والرغبة في توصيل ذلك إلى شخص خارجي. وفي هذه الحالة( خاصة خلال العلاج النفسي)، يعتبر الرسم بمثابة جزء من الخطاب الشفاهي ويطرح علينا من جديد السؤال الكبير المتعلق بتمثل المواضيع.


إن محاولة تعبيرية من هذا القبيل تفترض احتمال وقوع الاقتناع بهذه الحركة [القصدية]، والاقتناع بالرسم الذي سينتج عنها. فمن المؤكد أن الطفل الذي لا يجرؤ على التكلم ولا على الرسم طفل يأتي بسلوكات فوبيائية لاشعورية، تجعله يعتبر إنتاجاته الشفوية والرسمية[من الرسم] كأجزاء يقتطعها من ذاتـه ليشبع بها جشع الآخرين. نقصد بذلك أن التمثل الرسمي (imagée ) مستثمر بالمعنى الذي يجعل منه جزءا من الذات. ويرى فرويد أن التمثل( الذهني) للأشياء تمثل لاشعوري، بينما تمثل الكلمات تمثل ما قبل شعوري، وهو، بالتالي، أكثر قربا من الـقصدية الشعورية. لذا يمكننا القول أن الرسم يداول استثمار الإشباع النفسي بين الأشياء (اللاشعورية) والكلمات (الماقبلشعورية) عن طريق التمثل.


وإذا ما عدنا إلى مسألة العلاقة القائمة بين الإدراك والتمثل التي شغلت فرويد كثيرا، وبالمعنى الذي تتحدث عنه ميلاني كلاين كتكوين لـلذات، فمن الواضح أن جدلية الإدراك /التمثل لن تؤدي إلى الاهتداء إلى مواضيع الإشباع الداخلي فحسب، بل وإلى إعادة خلقها من جديد كذلك. حينذاك سيصبح الرسم حصيلة تجميع يشمل المواضيع النفسية بعدما تكون الأنا قد خرجت من تجربة سنواتها الأولى المؤلمة.


يبقى علينا أن نوضح بشكل جلي ما إذا كان تمثل الموضوع سابقا أم تابعا لتمثل الكلمة. فإذا صدقنا مع فرويد أن تمثل الكلمة قريب من الشعور، فذاك غير كاف كدليل قاطع على أسبقية التمثل الرسَمي في الزمان على إمكانية تسمية الموضوع المتمثل. إننا نلاحظ بطريقة لا تقبل النقاش كيف يقدم الأطفال الأسوياء إسما لأول خط مرسوم بشكل رديء، دون أن تكون له أية علاقة بالشيء المرسوم. نلاحظ أيضا كيف يصبح الرسم في وضعية تحليل نفسية بديلا عن الخطاب الشفاهي أو الحلمي.


ها نحن من جديد أمام الإشكال المتعلق بمعرفة ما إذا كان التفكير الشفاهي يسبق أم يلي إمكانية التمثل التخطيطي. إذا ما اقتصرنا على العملية الانفعالية، فمن الظاهر أن هذه الحركة ترتبط أساسا بالتمييز ما بين الأنا/الموضوع، وبالمرحلة التي تسميها ميلاني كلاين بالمرحلة الاكتئابية، حيث يعيش الرضيع قلق الافتراق عن جسم الأم، ومراقبة إدراكاته الحواسية وحركيته، وهي القدرة التي يكتسبها لاحقا. إن استقلالية الجسم تسبق بكل تأكيد التفكير الشفاهي. الأكيد أيضا أن "الحركة [القصدية]" هي نتيجة للقدرة على التحكم في الحركة [الآلية]، كحركة التشكيل الخطي أو حركة الإسكان، وهي الحركة التي يتوقف اكتسابها على النمو الانفعالي المتوازن خلال السنة الأولى من الحياة.


------------------------------------------


• - نشر ب"مجلة الشعلة"، العدد الأول، ماي 1997 .صص:28/31 .المقال مأخوذ من Neuropsychiatrie de l'Enfance et de l'Adolescence. ؛ السنة 33، العدد4-5، أبريل 1985.


** السيدة أنزيوه محللة نفسية،مشرفة على شعبة العلاج النفسي للطفل ، التابع للبروفيسور دوشيه Duché ، بمستشفى سالبتريير Salpêtrière .والمقال عبارة عن مساهمتها في ندوة نظمت من طرف INSERM والتي كانت في موضوع رسم الطفل ، بتاريخ19 أكتوبر 1985


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب