أضيف في 9 يناير 2018 الساعة 09:57

تونس ومالية العام الجديد


عبد القادر معيوف

بحلول السنة الإدارية الجديدة أعلنت الحكومة التونسية (السابعة بعد الثورة ، أي السابعة في 7 سنوات) دخول قانونها المالي الجديد حيز التطبيق لتدفع بالحالة العامة إلى مزيد من التأزم والاضطراب و ليصل الإحتقان أشده ، فالإرتفاع المشط للأسعار (زيادة 10 بالمئة في الضريبة الإستهلاكية droit de consommation) و 1 بالمئة من الآداء على القيمة المضافة (TVA) ، وزيادة الجباية التي شملت أساسا الضريبة على الدخل الأساسي للمواطن ((IRPP وإرتفاع نسبة الفائدة البنكية المالية TMM إلى حوالي 6 بالمئة ، وارتفاع أسعار المحروقات ،وارتفاع الرسوم الجمركية (les droits de douane)، وانهيار الدينار، ليضاف كل هذا الحالة العامة المحتقنة أساسا بارتفاع البطالة وارتفاع الدين العام والعجز التجاري وتدهور القدرة الشرائية ، وهو ما يجعلنا نجزم أن بداية هذا العام ستكون على أشدها مليئة بالأزمات والاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية التي قد يصاحبها زلزال سياسي ...


ومهما تباينت المواقف من ردة الفعل الشعبية المنتظرة إلا أن العجب العجاب هي تلك التعاليق السخيفة (كأصحابها) ومحاولة البعض تلخيص الحراك الإجتماعي (المنتظر من هذا القانون) وتصوير المتضاهرين بمنظر الجوعى والمجرمين عبر تسليط الضوء على بعض التجاوزات (إقتحام بعض الفضاءات العامة ونهبها ، وهي على فكرة عادة تونسية لم تكن تزعج الكثيرن إبان الثورة في 2011، أو في أحداث السفارة الأمريكية مثلا) ، وهي طريقة البعض في الهروب والإلتفاف على القضايا الأساسية ، إضافة إلى بيع الوطنيات وتصوير البعض من المنتفضين والثائرين بمنظر الخونة للوطن مع أنهم أنه لا قيمة لوطن مهما كان دون قيمة لمواطنيه ، فلا حاجة لهذا الحراك لشرعية حكومية أو نخبوية ، فهو يستمد شرعيته من واقع صعب ومرير تعانيه اليوم معظم الأسر التونسية .


لنكن صريحين إن معظم الثورات التي عرفتها تونس منذ أكثر من 200 سنة هي ثورات إرتبطت أساسا بالجباية وإرتفاعها ، أي كان العامل الإجتماعي هو الأساسي والمفصلي في إندلاعها ، فثورة علي بن غذاهم مثلا في 1864 والتي كادت أن تقضي على الحكم الحسيني لتونس، كانت ردا على رفع نظام الصادق باي لضريبة الإعانة من 36 ريال إلى 72 (زيادة 100 بالمئة) ، ويشاء التاريخ أن تشهد تونس أحداثا أخرى دامية نتيجة مرة أخرى لعدم إحترام الخصوصية الإجتماعية برفع الجباية والأسعار وذلك بما سمي بأحداث الخبز سنة 1984 بعد زيادة سعر الخبز وعدد من السلع الأساسية التي إستلزمت تدخل للجيش في عدة مناطق قبل أن تتراجع الحكومة في قرارات الزيادة.


إن الحراك الشعبي والانتفاضات أمر طبيعي في واقع غير طبيعي ، فالمتأمل يرى بوضوح أن الثورة في تونس (التي كان شعارها الأساسي كرامة المواطن) لم تنجح في تحسين ظروف العيش وخلق فرص للتشغيل ، وحتى من الناحية الثقافية ، أدى هذا التهميش إلى ارتفاع حالات الجريمة خاصة بالمناطق الشعبية ، وانتشرت التيارات الراديكالية خاصة منها الدينية لتحول بعض التونسيين (الذين طالما عرفوا بانفتاحهم وتسامحهم مع الثقافات الأخرى) إلى دواعش يخوضون حروب النيابة ويشربون من الدم العربي باسم الدين ...


يقول المفكر الكبير كارل ماركس : "الفقر لا يصنع الثورة، إنما وعي الفقير هو الذي يصنع الثورة، الطاغية مهمته أن يجعلك فقيراً، وكاهن الطاغية مهمته أن يجعل وعيك غائباً .... إن إسقاط هذه المقولة التي مر عليها أكثر من 150 سنة على واقعنا اليوم ، يسمح لنا بوضع اليد عن الجرح الحقيقي والمتمثل أساسا في غياب الوعي والتهميش الفكري الذي تعاني منه الطبقات الوسطى والفقيرة في المجتمعات العربية ، فالتعصب وثقافة الصراع والنزاع نجحت في تقسيم وتفتيت هذه الطبقات إلى أقليات متقاتلة ومتناحرة (فكريا) وغير قادرة على الوحدة فيما بينها للوقوف أمام الواقع المزعج الذي تعيشه الشعوب...


من المهم الإشارة ، أن الحراك الاجتماعي عادة ما يكون عفويا ، فالكتلة (la masse) أو الأغلبية في انتفاضتها تكون في لحظة من الاستقلالية النادرة ، لكنها عادة لا تدوم كثيرا ، حيث يقوم الساسة والأحزاب و بعض الفطريات باستغلال الحراك وتوجيهه عبر البروباقاندا الخاصة بها أحيانا إلى أهداف أخرى أبعد من أهداف الحراك الاجتماعي نفسه ! وهذا في حقيقته ما حصل ولا يزال يحصل في كل الثورات التي عرفها الوطن العربي خلال السنوات الأخيرة، فتتحول الشعارات الأساسية كالحرية والكرامة والتشغيل وبقدرة قادر إلى بعض المطالب الفئوية والحزبية والتي لا تغير من الواقع شيءا...


إن الأيام القادمة ستكون أصعب من سابقاتها ، ففي كلتا الحالتين (سواءا إذا ما ضل إعتماد القانون الحالي أو إذا ما تم إسقاطه) سيكون لهما الأثر الكبير على الواقع الحالي ، فإذا ما تم إعتماده ستعيش البلاد حالة من الفوضى والإنتفاضات الشعبية التي لا يمكن أبدا التكهن بعواقبها ، وإذا ما تم إسقاطه فستعيش المالية العمومية سنة صعبة بحكم أن الميزانية المقررة ترتكز أساسا على هذا القانون ! لذا يبدو أن الخروج من عنق الزجاجة لن يكون سهلا ، وكل ذلك التلكؤ الذي شهدته الحكومات المتعاقبة في محاربة المشاكل الأساسية لن يدفع الأمور إلا إلى مزيد من التأزم والاضطراب.


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عبد القادر معيوف

, تونس