أضيف في 4 يناير 2018 الساعة 23:09

نحو هيكلة للفعل السياسي ( المغرب نموذجا )


العربي الرودالي

مقالة:

نحو هيكلة للفعل السياسي

( المغرب نموذجا )

 

مع ما خلفته الثورات الأوروبية وخاصة الفرنسية منذ القرن الثامن عشر، وفي مسار التنوير الثقافي والفكري، كان على جان جاك روسو لم شمل الفرقاء، جراء الصراعات بتوجهاتها والشتات الشعبي بتجاذباته، فأبدع مشروعه "العقد الاجتماعي" في إطار السياسة ، لرأب الصدع وتشييد بناء متماسك لمجتمع تبادل الاعتراف بالحقوق المدنية... ولو عاش زماننا وفي بلدنا، لأشار إلى ضرورة مشروع جديد ه"العقد سياسي" في إطار المجتمع، كلحمة تربط بين المكونات المتنافرة، وتدفع إلى الانضباط والتضامن والتشارك.

- إننا راهنا، في حاجة إلى أحزاب قوية تتحالف من أجل الوطن، لا من أجل الفرملة ضده ..ولن تتمكن البلاد من ذلك إلا إذا تحددت التوجهات الإيديولوجية وتميزت، وتجمعت الكتل واتزنت، وتصنفت مشاريع العمل واتضحت، لتملك القدرة عل التأثير في أي اتجاه كان لصالح الوطن، سواء ضمن الأغلبية أو في المعارضة...

- ومما يتجلى حاليا في الوضع السياسي الوطني، أن أهم التكتلات البارزة باشتغالاتها وأنشطتها تتباين كما يلي: أ-التيار "النيوليبرالي"، وهو قوة لا يستهان بها، له مناضلوه، وحضوره فاعل في المشهد السياسي..ب- أن ما يسمى ب"الكتلة اليسارية"، هي الأحزاب المتفقة على نهج واحد رغم اختلاف المواقف... فهي قابلة بأن تعيد مجدها الاقتراحي الإيديولوجي سابقا، بشقيه التقدمي والاشتراكي.. ج- هناك اتجاه ثالث، و يمكن تسميته ب"المحافظ" .. فهو معتدل، ويجمع بين قوى الحركة الوطنية اليمينية والتيار الإسلامي الطلائعي، في توجه متأصل ضمن النسيج الاجتماعي الوطني..وللإشارة فقد تتواجد بعض التيارات المختلفة التي قد تناصر هذا التكتل أو ذاك، منافاة للتعدد الحزبي الطوباوي .. وبناء على هذا التصور المفترض، فإن المأمول هو أن تتصنف هذه "القطبيات" بإرادة جادة ومسؤولة، لكي تتمتع بمصداقية دستورية، باعتبارها كتل رئيسية مؤهلة لتقديم مشاريع انتخابية هادفة بتميز.. ومن البديهي أن بقاء هذه القطبيات، يضمنه بقاء إشعاعها السياسي المستدام.

- إن النظام الحزبي في جل الدول الأوروبية كنموذج، ينتقل من النمط التعددي إلى النمط الاختزالي، إذ نجد أن الأحزاب الصغرى هي أيضا، وبحكم تحولها من المجتمع المدني إلى الهيكلة الحزبية، لها موضع قدم وموقف رأي في العملية السياسية،على شاكلة ما يسمى هناك على سبيل المثال ب" الخضر"...وأيضا كما هو حاصل بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية على غرار المملكة المتحدة البريطانية، حيث يخول القرار السياسي والتدبيري لثنائية حزبية مركزية، تحالفها كل الهيئات الاجتماعية أو الثقافية أو االبيئية في صناعة القرار السياسي.. ففي الدول الديمقراطية الحقة تتكتل السياسة ويتوسع العمل الجمعوي.

-إن من أقوى عوامل"عدم"إفشال هذه الخارطة،حضور عناصر في الفعل السياسي، تعزز وتقوي الانتماء والتأطير والانطلاق... فهي كلها أسس لظاهرة التحزب، ولبنات لتشييد مشروعه، كما أنها سر قوة إشعاعه، وبدونها لا سياسة حقة تقوم..وهي كما يلي:

+الفرد:

-إن ضعف الأحزاب المغربية وإضعافها ليس سببه فقط جهة واحدة خارجها.. بل هي لا تملك قاعدة عريضة من المناضلين، سوى بعض "الأتباع" الغير مؤطرين بمبادئ النضال الحقيقي والغير متشبعين أخلاقيا بنكران الذات،إلا ما ندر..إنها أحزاب لا حضور لها سوى موسميا، ولا تربط أية صلة بأفراد السكان المحليين، ولا تولي اهتماما لحاجياتهم الملحة .. فالجزء هو أيضا يكون أكبر من الكل عندما يستشعر الاعتناء به، فيكتسب الثقة في السياسة ليقبل عليها، بدل أن تفقد هي مصداقيتها وبتهديم جسور التواصل معه،في التأطير والتمثيل، بسبب دورها المفرغ من محتواه..إن الفرد يطمح إلى فعل سياسي كي يتواصل معه، ويكتسب حريته في الاختيار، ويشرك في الاستشارة، وينعم بالحقوق، ليعي ذاته.

+المجتمع:

-أما مجتمعنا، وبحكم أنه متمفصل نخبويا إلى أطراف عدة تقليدية وشبه حديثة، فإن الصراع السياسي فيه، تتجاذبه العوامل القبلية والعائلية والتكنوقراط والوسطاء والولاءات وغير ذلك، /بغاية تقوية "نفوذ" المال والجاه والمراكز.../لكن بالإمكان أن يتحول صراعها إلى منافسة إيجابية لصالح الوطن، بحيث تصير فئات بناءة، بدل أن تثار بينها قلاقل العداء فتؤثر على"الحزبية"بسبب التناحر والإقصاء أو الزبونية وأشكال الضغوطات والتدخلات، وتكون النتيجة ترهل سياقات مشاريع الفعل السياسي... فماذا يضيرها لو اتفقت على قواعد لعبة ميثاقية قد تصل إلى تناوب تنافسي في إطار"مدنية سياسية"، تزيح ذاك الصراع الذي يؤجج ولا يبني، يفاقم العبث ولا يمنهج التطلعات..أي ليس إلا جعجعة بلا طحين في أوقات الانتخابات...وهذا ما يتطلب الشجاعة لتغليب ثقافة المواطنة على ما يثير تشنجات سياسة نحن في غنى عنها... فالضرورة تقتضي هنا، بالنسبة إلى مجتمعنا، تجنيب عقيدة الأمة أي صراع سياسي، وإبقاؤها بمنأى عن إثارة الحساسيات، فيتم التفرغ للعمل بجد وتركيز حتى لا يهدر الوقت عبثا في الكلامية والدعاوية...والمثال يؤخذ من الهند والصين، في تقديس العمل والمواطنة وتوقير معتقداتهما.. لأن من انتظارات المجتمع هو الإحساس بأثر الإنجازات عليه، لأجل تحمل مسؤولية النشء وتوفير متطلبات الحياة.

+الشعب:

- وعلى المستوى السياسي هذا كذلك، لا يجب أن يغيب عن هذه الأحزاب أيضا شعب طموح يريد القفز على التخلف، مثله مثل سائر الشعوب المعاصرة.. ومن يغفل عن هذا الطموح الشامل، يحكم على فكره أنه خارج التاريخ... فمن الضروري أن يسير الإيقاع هنا بتوجهين متوازيين:الشأن الخاص والشأن العام..الرفاه والتطور..الإصلاح الداخلي والتقدم الحضاري...إن الديمقراطيات اللامعة في العالم، تتنافس فيها الأحزاب على الناخب والمشاريع، وليس على "الحقائب"...وهكذا تصير الديمقراطية لعبة "شيقة" بقواعد جادة وناجعة..ثم يصير الناخب قيمة سياسية قوية،حيث تتجلى الصورة الناصعة لإرادة الاختيار الشعبي وتثبيت الرأي العام السليم..وفي هذه الحالة نستطيع أن نجزم بأن الديمقراطية قد استقامت، لتدفع بالمؤسسات إلى احترام اختصاصاتها وأدوارها، من أجل تطويرها إيجابيا ،بإجماع والتزام...حيث يتكون لدينا النضج السياسي، من القمة إلى القاعدة.

-ومن هنا، يحصل التنشيط السياسي ويتألق المشروع الديمقراطي ويتعزز الاشتغال التشاركي، كل وفق منظوره الحر والجاد، وبتضافرات المجتمع المدني وقطاعات الحوار الاجتماعي وعناصر الفعل الثقافي "التنويري"..فيتحقق حزبيا،الثراء في الرؤى والحق في الاختلاف.

+الإجمال:

- لقد مضى عهد الصراع الإقصائي كما كان يجري في السبعينيات، بين قيم المحافظة وقيم التغيير أو ما كان يطلق عليه ب"الرجعية" و"التقدمية"..فلم لا نقبل بالكل ونبدع في الكل، بعيدا عن"الظلامية" و"الإفساد"،فكلاهما "ظلام"؟..إنها وضعية لو تهذبت وانفتحت وتعايشت سياسيا وديمقراطيا،لصارت هادفة، لتكريس كل ما هو وطني واجتماعي وذاتي.

- نعم لا مناص راهنا،من هذه التيارات البارزة التي وردت أعلاه، لأن حضورها راسخ في النسيج المجتمعي والثقافي والتاريخي...وعلى الفعاليات الوطنية تحديد المفاهيم الأساس لتأصيل ديمقراطية الاختلاف البناء، حتى لا تستمر معضلة التياهان مزمنة في البلاد.. ولن يتاح ذلك إلا بتكتيل المشتت وتوسيع المؤسس.. فالتكتلات الحزبية تقوي الفعل السياسي وتطلق مشروعه...فلنجرب إذن، ولم لا ؟

العربي الرودالي

*باحث سوسيولوجي

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : العربي الرودالي

باحث في علم الاجتماع   / تمارة , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق