أضيف في 4 يناير 2018 الساعة 12:46

ملقاط والمجذوب


المصطفى سالمي

السيد (المجذوب) رجل طيب مسالم، تراه دائما حاضرا في الولائم والمناسبات، الناس يفرحون بدعواته الصالحات التي يُنهي بها حفلات العقيقة والختان والزواج.. هو إمام الناس بالصلاة، والفقيه المعلم للصغار، وهو المفتي والناصح الأمين في أمور الدين والدنيا، لا يتورع (المجذوب) عن انتقاد البدع والفجور، وارتاح البسطاء للرجل الذي لولاه لشاع الفسق في البلدة الصغيرة حسب زعم أغلبهم. أهل هذه المنطقة يعانون ضيقا في الحياة نظرا لصعوبة تحصيل المعاش، واستفحال الغلاء الذي لم يعرف له هؤلاء مصدرا، فتعايشوا معه على أنه قدر لا مفر منه، بينما ارتمى آخرون في أحضان الكحول والمخدرات لنسيان مرارة الواقع الأليم، واستمر (المجذوب) في ثنائية الحلال والحرام وزجر الناس البسطاء وتوبيخهم إلى أن طفا في ساحة البلدة اسم واحد من أبنائها يدعى (ملقاط) والذي اشتغل منذ أشهر قليلة في الصحافة وأصبح مزعجا "للكبار"، لقد أمضى سنوات من البطالة بعد التخرج من الجامعة، ونُظر إليه على أنه يساري ثائر على الأوضاع، كان (ملقاط) معجبا في صباه بالخطب النارية لشخصية (المجذوب)، وتمنى لو يضعا يدا في يد لمحاربة الفاسدين المفسدين، وفعلا جاءت الفرصة المواتية، انتظر الشابُّ الصحفي الإمامَ بعد صلاة العصر، سلم عليه الأخير وهنأه على الوظيفة الجديدة التي رفعت من اسم البلدة، ثم ابتعد الرجلان بعيدا عن جموع المصلين الذين يغادرون المسجد، بسط الشاب أفكاره ومقترحاته مبرزا أن الناس البسطاء للبلدة يعرفون الحلال من الحرام، فهم متدينون بالفطرة، وما يصرفهم عن إيمانهم هم اللصوص الكبار الذين يتاجرون ببؤس الناس من خلال تيسير وتقريب كل الموبقات إليهم من تبغ وكحول ومخدرات مستغلين ضيق النفوس وجهل العقول، وأن محاربة أصحاب البطون المنتفخة حراما سيفتح المجال لصلاح العباد والبلاد. توقع الصحفي الشاب أن يتحمس الخطيب لكلامه، ومن أول خطبة قادمة سيزلزل الأرض تحت أقدام الفاسدين العابثين، فهو سليط اللسان حقا، والناس يحبونه، ودون شك إذا اجتمعت خطب الفقيه ومقالاته هو في الجرائد والمواقع الإلكترونية، فسيكون لذلك مفعول أقوى وأشد، فالمجالس البلدية تمارس النهب، والحانات في كل مكان، والمتاجر تسوق الخمور جهارا نهارا..

تطلع (المجذوب) بعينين متثاقلتين إلى الشاب الذي يفيض حماسة وحيوية، ثم ربت على كتفه قائلا:

ـ إن وعي الناس وصلاحهم سيجعلهم ينصرفون عن أماكن الفسق وأدواته، فتبور السلع الفاسدة لصلاح من يفترض أنه سيقبل عليها.

لكن الشاب لم يقتنع بهذا الكلام، ورد بثبات وحزم:

ـ مهما كانت كلمات أهل الصلاح قوية مؤثرة فهي لن تصل لتأثير وقوة وسائل الإعلام الجهنمية المفعول والتي تغزو البيوت بالصوت والصورة، إن وسائلهم جارفة كالطوفان، وعوض أن نسلط الضوء على النتيجة وحدها دون تحديد مسبباتها، فلن تكون هناك ثمار لأية دعوة إصلاحية، ينبغي أن يتم الكشف عن الأسباب المباشرة لأوضاع الناس التي تدفعهم للانهيار القيمي والاجتماعي..

ـ إنني أشير إلى هذا في خطبي بطرق غير مباشرة، في وقت يقرأ باقي الخطباء ورقة الداخلية حرفيا دون زيادة أو نقصان.

كان (ملقاط) يعرف أن محاوره وابن حارته ـ في بلدة يتعارف فيها الناس بالوجوه قبل الأسماء ـ يردد نصائح وتوجيهات عامة يحفظها العامة عن ظهر قلب، وأنه لا يختلف عن باقي الخطباء إلا بنبرة الكلام والضغط على مخارج الحروف، كان يتمنى في قرارة نفسه لو يستغل (المجذوب) ملكاته الصوتية ومنبره الذي تشرئب إليه الأعناق لتسليط السهام على المفسدين الكبار، لفضح ألاعيبهم وكيف يغتنون على حساب آلام الناس، بينما يعتقد (المجذوب) أن (ملقاطا) محمل بأحقاد وتراكمات آخرها سنوات البطالة السوداء وحلقات الجامعة الصاخبة، وأن الأمور لا تؤخذ بالحمية والتهور، وإنما لابد من التعقل والتروي..

ـ هل تعرف يا أخي (ملقاط) أن التغيير يتطلب وقتا طويلا، وأن الإصلاح يبدأ من قاعدة الهرم، فكما تكونوا يولى عليكم، والدعوة الإسلامية ابتدأت بكلمات الهداية الوادعة الهادئة..

ـ في واقعنا الراهن كلمة إصلاحية واحدة تذوب في بحور ومحيطات من الإفساد، وديننا لم يهادن على طول الخط، بل واجه الخصوم بالجرأة واعتبر ديننا أن أعظم جهاد كلمة حق في وجه سلطان جائر..

ـ يكون خيرا إن شاء الله.

وكأنما أراد الفقيه (المجذوب) إنهاء الحوار بشكل متحضر راق، إن الناس يعتقدون أن الخطباء يقولون على المنابر ما يشاؤون، إنهم لا يعرفون أننا مراقبون من المخبرين المندسين وسط الحشود، أنا أيضا لي أولاد وعلي مسؤوليات، ولن يتعب هؤلاء في البديل الجاهز الخاضع، سأستمر في الإصلاح المهادن البطيء..

ما لم يكن يعلمه (المجذوب) هو أن النظام سعيد بأمثاله من الذين يخلقون المتنفس الطبيعي عند الناس المقهورين المضغوطين المتعبين، لكنه تنفيس محسوب العواقب، إنهم يتركون له المجال لجلد المنحرفين البسطاء، ولكنه غير مسموح له بأن يتفوه بكلمة صغيرة، أو يذكر ولو اسما صغيرا في آخر قائمة اللصوص الكبار، فليتحدث عن الماضي وزمن فرعون وهامان، لكن فراعين عصره لا يقربهم ولا يشير إليهم.

حلت الجمعة المباركة، وارتدى الناس الجلابيب البيضاء، واندس (ملقاط) وسط الحشود، فهو يؤدي واجباته الدينية رغم أن الناس في محيطه ينظرون بريبة إلى كل من تخرج من الجامعة وخاصة إذا درس الفلسفة. كان الصحفي الشاب ينتظر الخطبة الأولى بعد لقائه بالفقيه الذي وعده خيرا، طبعا لن ينتظر منه أن يقول كل شيء، ولكن دون شك سيكون أول الغيث قطرة، ولكن قطرة ليس ككل القطرات، فالناس تعبت، والنكبات الاجتماعية توالت، لقد أصبح كثير من أبناء البلدة يأكلون من النفايات، ومافيا العقار تسطو بالقوة على أراضي الناس وتسلبها منهم، الحريات تقيد، والمرء قد يقتل أخاه من أجل حفنة طحين، والتغيير لا بد له من اقتران ثنائية نشر الوعي مع فضح الفاسدين، وفي مجتمع تغلب فيه الأمية والجهل، يبقى دور المقالات أو المكتوب محدود الأثر للغاية..

ها هم الناس يدخلون تباعا في أجواء مهيبة، ليتهم هكذا مهذبون رائعون نظيفون متخشعون دائما، وليس في يوم واحد في الأسبوع، أو ساعة واحدة من هذا اليوم، لم يدر لماذا يحس في نظرات بعض الناس التحفظ أو شيئا من الريبة، إنه في نظرهم مجرد يساري متمرد حاقد، وربما حتى يرمونه بالزندقة والكفر فقط لأنه درس الفلسفة التي هي محبة الحكمة، والأخيرة ضالة المؤمن، لكنه الجهل البغيض للأسف، إنه متشبع بحب معاذ بن جبل والعمرين: عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، إن الإسلام فيه تجليات العدالة الاجتماعية في أبهى صورها الإنسانية.. استيقظ (ملقاط) من تأملاته على وقع بداية الخطبة المنتظرة، وبعد المقدمات التقليدية المعتادة، ها هو الجوهر، تُرى ما هو الموضوع؟ إنه الحديث عن "الصبر"، فالصبر مفتاح الفرج، والصَّبر كالصِّبر مرّ في مذاقه، لكن عواقبه أحلى من العسل..

انتهت الخطبة وخرج الناس وقد أُتخموا مسكنات عن الرضى بالواقع، أقراص مجانية هي آخر ما كان يتوقعه (ملقاط) من (المجذوب)، رباه..! هل ظنه مخبرا حكوميا، إنه يعرف أنه اعتُقل مرات ومرات حين كان يتزعم الحراك الطلابي الجامعي، فما الذي جعله يصبح مسخا ممسوخا هكذا؟ ألم يتحدث في خطبه السابقة عن الأرزاق التي يكفلها الخالق المنّان لعباده حتى قبل خلقهم، هذا إن كان يخاف من ضياع الوظيفة..!

اندس (ملقاط) وسط الحشود التي تغادر المسجد الكبير للبلدة، خرج مطأطئ الرأس أشد تعبا وبؤسا من الجموع الباسمة الراضية التي تسلل إلى أعماقها أثر ومفعول الأقراص المنومة!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق