أضيف في 3 يناير 2018 الساعة 19:04

موت المثقف


نورالدين البودلالي

أنا المثقف: أقصد أنا المتعلم الذي يستثمر معرفة لتغيير واقع كائن، بجغرافية وتاريخ محددين، أُقِرﱡ أنه متخلف وأنه، في جميع تمظهراته، يحتاج لتصحيح مسار نحو النمو..

أنا الجالس بمنصة وسط مسرح أو قاعة محاضرات، تغص، أو هي شبه فارغة، بحضور جاء لأن الموضوع الذي سأطارحه يهمه، أو لأنه يعرف اللجنة المنظمة أو يعرفني، أو لربما جاء فقط لتجزية بعض الوقت. المهم أنه هنا، وأنه يؤثث المكان، وهذا سيدل عليه التقرير. المكان رقعة من جغرافية هذا البلاد: المغرب، الفئة المستهدفة شريحة متعلمة، والموضوع... الموضوع هو من اهتمامي، يشغل فكري: «العلمانية: الحاضر والمستقبل»، ورهاني أن لا مستقبل دون إيمان الشعب بالعلمانية: فصل الدين عن الدولة، والاعتقاد بقوة الانسان. كل الجالسين أمامي سيفهمونني، فهم من غير الأميين عوام الشعب. قد تكون هناك استثناءات: من هو هنا ليرضي خاطر منظم، أو ليشهد إلى أي حد ستنتفخ أوداجي. وأنا المثقف الجالس هنا، أخلق الاستثناء، أؤثر في هذا الجمع الحاضن لي بهذه القاعة: نفس الشيء أفعله عبر كتبي، مقالاتي، المواقع التواصلية. أنا المثقف الفاعل لتغيير بنيه تفكير مجتمع المتعلمين، غير الأميين الأغبياء: أنا المثقف الملتزم بقضية...

أنتهي.. أجمع شتات كلمات عرضي، أضعه في محفظتي.. جنب الظرف الذي قدمته لي لجنة التنظيم.. مشكورة. حققت المطلوب.

خارج القاعة، ثلاثون مليونا من الشعب ظلوا كما هم: الكادحون الحالمون بلقمة خبز وهم يعدون عدد لفات قضيبهم السلكي بال"موقف"، المهنيون يؤدون عملهم ويحمدون الله على نعمة الصحة، الأستاذ يقدم الدرس ويعود لمنزله، الشباب والأطفال يلبسون ويسرحون شعرهم كالنجوم؛ متظاهرو الحركات يرددون الشعارات حاملين صور الملك، الموظفون ينتظرون النقابات أن تحسن أوضاعهم دون مغادرة المقهى، والفلاحون، الفلاحون، الفلاحون، الفلاحون، الفلاحون، الفلاحون، وأشياءهم التي انكدرت.... ثلاثون مليونا.. وأنا

ماذا سأفعل لهم أنا؟ أنا أخطب في الكمشة المتعلمة التي يهمها سماع قصة الدين الذي انفصل عن الدولة وما هو بمنفصل.

ثلاثون مليونا: الآباء يحملون أبناءهم إلى نفس المدارس، يقرأون نفس المقررات، يتسرب منهم العدد الكبير عبر جيوب الرسوب والانقطاعات والفصل، والكمشة المتبقية قد تنهي جامعتها. بضع سنوات ثم يعيد الجميع ما فعله معهم الآباء.

وأنا.. ماذا يريدون أن أفعل لهم أنا؟ قضيتي واحدة: فصل الدين عن الدولة، به تندلق المادة سارية. به أحقق المطلوب.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :