أضيف في 2 يناير 2018 الساعة 17:18

الشيطان يعدكم الفقر


رشيد اليملولي

الشيطان يعدكم الفقر .

يقول أحد الشعراء :

بني الطغيان على خمس

تقديم الذيل على الرأس

و تخدير الحاضر بالأمس

و توزيع الخوف مع اليأس

و تقديس الشرطة و العس

و بقاء الجحش على الكرسي .

إن الطغيان المعبر عنه في القصيدة ليس إلا مرادفا صريحا للإفقار و التفقير ، باعتبارهما " مؤسسة " لبناء " الرعايا و ما دون الفئات ، لتركيع كل الأحاسيس المادية و الرمزية منها ، فالإفقار هو إخواء الحقل الاجتماعي و السياسي و الثقافي ، من أي معنى للصراع ، و تناطح و تعارض و تقابل الأفكار ، إنه بمعنى عميق ترويج النموذج الأوحد للفهم و التأويل و التنزيل ، حتى لا يفتى و مالك في المدينة ، و ما مالك إلا رجل أوتي من العلم قليلا ، و من الفقه النزر اليسير ، و من متغيرات الحياة الحضارية العدة المعدودة ، التي لن تشتري حتى الحق في مقعد التنمية وفق متطلبات العصر طبعا .

أما التفقير فهو الإرادة المادية المباشرة في إخضاع و إذلال أبسط أدبيات الكرامة الإنسانية من أجل رفاه مؤجل ، و بإيعاز من تبريرات لا تعني إلا شيئا واحدا ، الفشل ثم الرقي فيه .

لا مشاحة أن غنى التجربة السياسية دليل على قوتها لا ضعفها و رصانتها لا خوائها و ضعفها ، و لا غرو أن التعددية مقاس للغنى و التنوع ، حين تكون المجالات السياسية محكومة بالتنافس في إطار مجال مفتوح غير مراقب ، لكن حين تتحول هذه القيمة التعددية ، إلى عائق لبناء فلسفة تنموية و من ثم ترقى إلى تقعيد أسس الهزيمة و إنتاج الإعاقة ، آنذاك فعلا يغدو الغنى و التنوع ، مقياس للنمطية و الأحادية التي لا تختلف إلا في القناع و القبعة السياسية و الأسماء و المصطلحات المعبرة عنها ، و في العمق الخواء و الرتابة و ضعف القيمة النوعية و القوة الاقتراحية ، الأدهى من ذلك أن يتم التعبير عن الوجود السياسي بأنبل و أقدس و أرقى المبادئ ، لتمارس بها أحقر و أنذل السياسات ، لذلك يتحول السياسي من فن الممكن الذي يحكم أفقه الفلسفي و السياسي ، إلى شيطان سياسي يتقن إبداع و تسنين و تقنين أساليب المراوغة ، للاحتيال و الالتفاف على المطالب المشروعة في حدودها الدنيا ، مع هذا تغدو السياسة شيطان أكبر يجر مريديه و حوارييه إلى الفردوس المفقود ، ليتبرأ منهم عند أول وهدة .

أن ينساق السياسي إلى الأعراف الملتوية للتحلل من المسؤولية و ثقافتها ، و أن يعمل على تجدير الفشل في رفع سقف المضمون الاجتماعي و الثقافي و السياسي لرسالته و مطمحه ، لكي يرقى وطنه إلى المصاف المتقدمة ,آنذاك تتحول الشيطنة إلى عقيدة سياسية على منوالها تتكسر الأحلام و الطموحات و الحقوق و الواجبات ، و ينتقل المواطن إلى الاقتيات على اليأس و الخوف ، و يكتفي بجرعة ماء و كسرة خبز تقيه الحر و السؤال ، و ينظر إلى البادرة الاحتجاجية و الفلسفة الاعتراضية ، و كأنها خبط عشواء ترمح و تجول في غياهب المستحيل و غير الممكن ، الذي لن يؤدي إلا إلى الفتنة ، التي هي بالضرورة أشد من القتل .

حين يعدنا الشيطان بالفقر يعلم علم اليقين ، أنه يسلب و يغزو العقول ، و يفقرها من حسها النقدي ، يزاوج في ذلك ما بين الرغبة في بناء الأصنام و الأشباه البشرية ، و ما بين أحلام صغيرة و بسيطة ، همها قوت يومها خارج الفكرة و الحلم و العدل و التعايش و التناقح و التفاعل و الرقي و المواطنة و الحق في الاختلاف .

يعدنا هذا الشيطان أيضا بالفقر المادي عبر سلسلة طويلة عريضة من الواجبات التي تقتضيها الضرورة الدولية و الوطنية .

إن الزيادة في أجور الموظفين إبان ثورة 20 فبراير 2011 ، جاءت لامتصاص المد الاحتجاجي و تطويقه و تدجينه ، و السؤال الانطولوجي هو من أين جاءت هذه الأموال في ظل الأزمة الدولية ؟.

و مع صعود الشيطنة السياسية و أمام الأزمات المتوالية و فشل النظام السياسي برمته في ابتداع أساليب تنموية ، قد توقف السيل الجارف للأزمة ، لم يجد الفاعل السياسي بدا من مهاجمة ما جاءت به ثورة 20 فبراير ، و غدا الاقتطاع و فرض الضرائب الجديدة و المتوالية سياسية فعالة و نشطة في إفراغ المضمون الاحتجاجي من أي أفق ، أي التهديد بعدم الاحتجاج بناء على ملف مطلبي اجتماعي ، سخر له احتياطي اجتماعي لامتصاص الأثر الذي يمكن أن يحدثه تمرد مماثل( لقد ظل الوزير المخلوع يفتخر و يزايد علنا بأنه و جيشه الاحتياطي هو من أوقف المد الاحتجاجي لسنة 2011) ، هذا في ظل صمت رهيب ، دبر بليل للعديد من الكائنات التي يرتبط وجودها بالطبقة الوسطى .

إن تفتيت الفتات المتعلق بالزيادة في الأجور ، لم يتوقف عند استخلاص هذه الحقوق تباعا ، بتمويه من أزمة الصناديق ، بل أضحى يتفنن في سياسة الاقتطاع القائمة الذات ، الزيادة في الضرائب آخرها الزيادة في رخص السياقة و البناء وجواز السفر ، و أضحوكة ممر الراجلين ،دون الحديث عن الكازوال و هروبه السريالي من أي مقايسة ، لدرجة دفعتنا إلى الاعتقاد بأننا أمام جهاز ضريبي قائم الذات خاصة و أن ميزانية الدولة تبنى في شكل كبير منها على الضرائب ، فعن أي مؤسسة منتجة نتحدث هنا ؟ ، و ليس دولة اجتماعية تزاوج ما بين الحق و الواجب أي الزيادة في الأجر و الاقتطاع و ليس العكس ( النموذج الإسباني المجاور و في عز الأزمة السياسية المرتبطة بتنامي التوتر في إقليم كاطالونيا ، قرر مع الفرقاء و النقابات الرفع من الحد الأدنى للأجور صبيحة يوم 27 دجنبر 2017 ، و كأنها هدية رأس السنة للمجتمع من أجل حقوقه و أيضا واجباته ) .

ألسنا بصدد نظام اجتماعي و سياسي فاشل حين لا يبدع في البحث عن طرق أخرى للتنمية و يكتفي بالجاهز منها ؟ .

ألسنا أمام دولة تركن إلى الحل الجاهز و لو على حساب مواطنيها ، و بمختلف فاعليها ؟ .

ألسنا أما شيطان تنفيذي يعد بالفقر المدقع و يتبرقع خلف التدين و الأخلاق و الفضيلة ؟

أليست الأخلاق و القيم أضحوكة لفاعل لا هم له سوى حلب المواطن و استدرار تعاطفه ؟ ( احتجوا أولا تحتجوا فخراجكم لي ) .

ألم يحن الوقت بعد لعقلنة السياسة مع الدين و لو بفصلهما ؟ فلا الدين بمأمن و لا السياسة في خير ، و إنما تمرير الفقر و الشيطنة باسم الدين بغاية استدامة الجهل والتجهيل المؤسس و المركب ، و رهن البلد في براثن التخلف و المراتب الدونية في التنمية .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :