أضيف في 27 دجنبر 2017 الساعة 21:59

خنافس بشرية


المصطفى سالمي

استيقظت (برهومة) في وقت متأخر بعد أن قضت ليلة طويلة أمام حاسوبها تدبج المنشورات التي تتباهى من خلالها بصورها البراقة، تتباهى فيها بملابسها المتبرجة والمختلفة التفصيل، وقد علت الأصباغ والألوان وجهها، واتخذت فيها وضعيات ملتوية ومستديرة وبكل الأشكال الهندسية. إنها (برهومة) التي ترى العالم من خلال أرنبة أنفها، فكل الكائنات والتضاريس والبنايات تبدو صغيرة في عرفها، إنها سيدة الزمان والمكان في مضمون ادعائها وزعمها، حين تمشي كانت تتمايل، وكأنما في حقها صدر قول الشاعر:

                     يطأ الثرى من تيــــهه # كأنه آس يجس عليــــلا

توجهت (برهومة) نحو صنبور الماء لكي تزيل ما تبقى من آثار النعاس والكسل، وإذا بها تتطلع إلى المرآة لترى عجبا، ما هذا؟ إنها صورة خنفساء بشرية، رباه! لا يمكن ذلك، هل هي تحلم أم هي مجرد خيالات وهلوسات؟! لقد مسخت إلى كائن أشبه بالأكذوبة، من يصدق ما تراه عيناها؟ تُرى هل نامت خنفساء أم استيقظت كذلك؟ ربما كانت كذلك بالأمس ولساعات طوال، أجل فهي استلقت على السرير مباشرة بعد سهرة طويلة أمضتها إلى جانب حاسوبها، وقبله كانت مع صاحباتها في جولة مسائية، هل تُراهن شاهدن هذا المنظر البشع؟ ومن قال إن البشاعة هذه حقيقية؟ لم لا تكون جزءا من مؤامرة محبوكة؟ هل تلاعب أحد بعقلها وخيالها لهذه الدرجة التي ترى فيها نفسها خنفساء؟ إن المرآة لا تكذب، اللون سواد حالك، والوجه وجه الخنافس، والمرآة صقيلة لا نتوءات فيها ولا تشوهات، ويدان أشبه برجلين حشريتين، والشعر شعيرات خنفسية، والرجلان مقوستان دقيقتان نحيلتان. سواد يفضحه بياض حوض الصنبور وضوء الصباح المنعكس على الجدران الفاقعة، هل هي لعنة التباهي والكلمات المنمقة والحياة المزيفة؟! وهل ستخرج (برهومة) إلى الشارع لفضح الأكذوبة، أم تزج بهذه اللعنة خلف الجدران، وتُحكم إغلاق الأبواب؟ أمران أحلاهما مرّ، بل أين الحلاوة أمام أعجوبة الأعاجيب ولعنة الأقدار؟ أطلت (برهومة) من النافذة بتوجس كأنما فوهات البنادق ستطيح برأسها من الخارج، كان ضوء المكان يغمر المكان بشعاع قوي. فتحت برفق وأطلت وارتعاشة السواد وخفقاته تزداد وتشتد، وكأنما تترقب حبل المشنقة سيلتف فجأة على رقبتها، رباه..! ماذا ترى؟ إن الخنافس مثلها تتمشى في كل مكان في الشارع، بل إنها تكاد تسد الأفق، خنافس بشرية تسير في كل الاتجاهات. انسلت (برهومة) متدحرجة على السلالم لتجد نفسها في الخارج، ثم في وسط الزحام، رائحة الخنافس تغمر كل مكان، لم يعد هناك من داع للخجل أو الحرج، لقد عمت وهانت، فالقبح حين يسود، تفرح القلوب التي كالطوب، وتلتمع الفقاعات حين تمتلئ الجيوب، وفجأة ارتفع رأس (برهومة) عاليا لترى الدنيا من خلال أرنبة أنفها الخنفسائي كما كانت تفعل دائما، كانت خنافس بشرية أخرى تزهو بنفسها، ترفع قدما لتضع أخرى، عفوا ترفع رجلا رقيقة ذات شعيرات خنفسية لتضع أخرى كأعواد شائكة، كانت هذه الكائنات تتوق كثيرا للطيران، لكن الخنافس البشرية لا تنعم بهذه النعمة مثل الخنافس الحقيقية، ورغم كل هذا كانت (برهومة) سعيدة بحالها ووضعها، ستعود بعد جولتها المسائية لحاسوبها لتتباهى بنفسها كالمعتاد، فالكل في الشكل خنافس..!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


تعليقاتكم

1- من المسؤول؟

أحمد حسيسو

تبارك الله ما شاء الله عليك أسي سالمي.
الخنافس البشرية تسود شوارعنا، ويظل التساؤل المفتوح من وفر الطقس المناسب لازدهار حياة هذ الخنافس؟ غير أن المتسائل لا يزال جبانا محتشما، ولا يزال صوته خفيا خافتا، أما المسؤول المفضوح فقد أضحى معتزا مغترا جريئا جسورا.

في 17 يناير 2018 الساعة 07 : 15

أبلغ عن تعليق غير لائق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق