أضيف في 24 دجنبر 2017 الساعة 20:34

من الخوف ما بنى طفلا* ترجمة


نورالدين البودلالي

لمسة أبوية                                          Philippe Meirieu 


      ليست مشاعر الصغار مشاعر صغيرة


قال كوركزاك، عالم التربية البولوني، في مرات عديدة أن الطفل كائن، في نفس الوقت، غير مكتمل ومكتمل.


غير مكتمل لأنه يخلق ضعيفا جدا: ففي الوقت الذي تعرف فيه القطة كيف تنظف نفسها دون أن تعلمها أمها ذلك، وفي الوقت الذي ترث فيه النحلة نظامها الاجتماعي عبر جيناتها- إذ لم تكن النحلة الصغيرة أبدا ديموقراطية وإنما ملكية!-، فإن الطفل يحتاج لأن يربى. فهو إن ترك لوحده، «على الطبيعة»، لا يعرف صنع أي شيء! لا وجود لنموذج، في التاريخ، لطفل الذي بلغ وضع الكبار دون مساعدة بشر آخرين، هم راشدون قبله. و خلال الفترة المخصصة لِم نسميه «التربية»، يحتاج الطفل أن يكون محميا: محمي من الاعتداءات الجسدية والنفسية، محمي مما يمكن أن يدمره أو يعرض نموه للخطر. إنه يحتاج للمصاحبة والتغذية، بيولوجيا وعاطفيا وعقليا: فهو لا يعرف ولا يستطيع أن يغذي نفسه بنفسه. وإن كان يعرف ذلك، فقد ربي على ذلك من قبل.


بالمقابل، إن الطفل كائن مكتمل: مكتمل من حيث كونه حامل لكل أبعاد «الحالة الإنسانية»؛ مكتمل من حيث كونه، إضافة لما سبق، جزء لا يتجزأ من نظام بيئي أسري يسبب مجيئه في حدوث تغيير جذري بهذا النظام؛ وهو، بالخصوص، مكتمل باعتباره فردا يحس بأحاسيس ولديه إرادة، يفكر –لا كما يفكر الراشدون حتما!- ويقرر التصرف بهذه الطريقة أو تلك – «حتى وإن كانت دواعيه» لا تنتمي قطعا لسجل تبريرات التي يعتادها كبار السن. أضف إلى ذلك أن الطفل كائن مكتمل لكونه فرد متفاعل مع محيطٍ. إنه رجل صغير يتطور وينمو في خضم حوار مستمر بين عالمه الداخلي وبين الأحداث التي تواجهه. وهو رجل صغير، في زمنه الحاضر، لكونه يشارك في جميع أفعاله وتصرفاته. إن لاحظناه جيدا فسنجده ينخرط، كلية، في أدق حالاته العصبية، بالضبط كما ينخرط في أدق طلباته. وحتى لو أجهدنا أنفسنا أحيانا في تصديقه، فهو موجود حقا. إلى جانبنا. أمامنا...


درس بينيكيو


لنتذكر، في هذا الصدد، جيبيطو الذي ورث، يوما، قطعة خشبية قديمة وقرر أن يصنع بيديه منها «دمية عجيبة تعرف ترقص، وتحرك السيف وتجيد الشقلبة». وأضاف «وبهذه الدمية سأجول العالم، لكسب قطعة خبزي وكأس نبيذي». ثم شرع في نحث دمية لقبها بينيكيو. ولكن وقعت المفاجأة: بدأت الدمية في إصدار صوت صغير. «ما مصدر هذا الصوت الصغير الذي يئن. فلا وجود هنا لأي شخص!» جيبيطو لا يستطيع، ولا يريد التصديق أن ما يصنعه هو، في الحقيقة «شخص». وتظاهر بعدم الاستماع و، حين تكرر الدمية تأوهها، يستمر بإصرار «لنتقن عملنا على الوجه المطلوب، لنتظاهر أننا لم نلاحظ شيئا ونستمر في عملنا!». لابد من إتمام العمل. يمنع التهاون في العمل أو التخلي عن أي شيء. على الدمية أن تطيع. عليها أن تصير ما نريده منها وتقوم بم نأمره بها. نقطة نهاية!


بينيكيو يرفض الامتثال لهذا الأمر! وما إن نُحث حتى كشف بكل وضوح عن وجوده: « إذ بالرغم من عدم اكتمال نحت الفم بعد، فقد بدأ يضحك عن ويسخر من جيبيطو.» حينها بدأ هذا الأخير يفرض عليه السكوت. من غير المقبول أن يسمح لدمية لم يُنته بعد من نحتها بالسخرية منه. كيف يمكن ان لها شيء تقوله، بل وحتى تفكر فيه؟ فهي، على كل حال لاتزال فقط قطعة خشبية مبتذلة قبيحة الوجه. بعد وقت قريب، حين يتم الانتهاء من صناعتها ويتمكن والدها من تحريكها، يكون لبينيكيو الحق في التعبير عن نفسه. تماما ككل الأطفال الصغار ذوي التربية الحسنة. أما الآن فهذا لا يحتمل وسابق لأوانه، على كل حال. فعلى الأطفال أن يسمح لهم الراشدون بالكلام، أن يخبروهم أنهم يحسون ألما أو بهم خوف، أنهم يرغبون في الضحك أو البكاء. حقيقة لا يمكن السماح لهم بحق التعبير بكل تلقائية ودون علمنا: هذا يحرج عملنا كمربين، بل يجعلنا نفقد كل صوابنا!


هناك ضوابط: الطفل مجبر أن يتعلم كيف يطرح وجهة نظره بطريقة حكيمة، وأن يتمكن من لغة ال« كبار» وأن يقبل السلوك بحسب قواعد المجتمع الصالح! ما هو مآلنا إذا تركنا الأطفال يتحدثون قبل أن يسمح لهم، قبل أن نتيقن أنهم قادرون على القيام به بطريقة حكيمة، وقبل أن نمنحهم « رخصة التصرف»؟ ولهذا كله أصر جيبيطو على العناد. ثم أصكّ أذنيه وتابع عمله دقيقا... إلا أن بينيكيو، على عكس كل التوقعات وكل اعتقاد، «توقف عن الضحك لكنه أخرج لسانه جامحا». «أمام هذه الحركة الوقحة والساخرة، أصبح جيبيطو جد حزين وكئيب كما لم يكنه من قبل في حياته، ثم التفت نحو بينيكيو وقال له:


إنك طفل شيطان! لم تكتمل بعد، وها أنت لا تحترم أباك! هذا الفعل غير جميل يا ولدي! ثم مسح دمعة»


لنراهن على أن جيبيطو قد تألم حقا: لقد قام بكل ما يستطيع القيام به. لقد بذل قصارى جهده كي يكون بينيكيو دمية رائعة. لا يطلق الكلام على عوانه ويشرفه. أن يتجنب الإتيان بهذه الحركات والوقوع في هذه الأخطاء التي سنظل نرتكبها طوال حياتنا. و جيبيطو هو «أب صالح»: يتمنى أن يكون له «كائن مكتمل» لا «كائن تام». يريد أن يكون ابنه الدمية «في أحسن تربية». بطبيعة الحال كما نريد نحن مع أبنائنا وتلامذتنا... وهذا أمر طبيعي!


إلا أن الطفل يتنكر لأفعالنا الخيرة. ذاك أنه، في جميع الحالات، وقبل أن يكون مربى و، بالأحرى، مربى بشكل جيد، فإنه حاضر معنا دوما. لا يعني هذا أننا محكومين برؤيته يظهر، يصحو أو «يتطور» ونحن مكثفي الأيدي، بل يعني هذا أن «نشارك» هذا الشيء الغريب، قطعة الحياة الصغيرة هذه الغير المتوقعة التي تقع لنا، التي توجد لحظة «بين أيدينا» قبل أن تصبح، بسرعة، «حمل بأيدينا».


التخاطب مع الطفل


«مشاركة»، يعني الانصات إليه. يعني عدم صك الأذنين وقول «سينساها» وأنه، في جميع الأحوال، لايزال جد صغير حتى يكون لهذا الحادث أدنى معنى أو أهمية. بالمقابل لا يعني الإنصات إليه موافقته ولا، بالأحرى، الميول أو الشفقة عليه حتى التخمة ولا حتى إشباعه رثاء. إن الأطفال لا يتمثلون هذه المساعر المفرطة التي، من كثرة عطفنا عنهم، نجعلها تلفهم لدرجة تخنقهم من الرحمة: الراشدون الذين لا يميزون بين الطفولة والسلوك الطفولي هم المعنيون بالأنين والبكاء الشديد فيعوضون الفعل الأصيل بفعل استعراضي ويُقللون من أبنائهم ليجعلوا منهم لُعبا.


لهذا السبب يكون ل«سماع الطفل» الطفل حين يئن معنى مغايرا تماما. بدءا، نجعله يعلم أن هناك من يستمع له. فقط، وببساطة بالاستماع إليه. وبقدر ما أن الأمر تافه جدا بقدر ما يشكل حاجة قصوى: جعل الآخر يعرف أن هناك من ينصت إليه يعني بالدرجة الأولى الموافقة على الإنصات إليه. هذا يعني الاعتراف به من خلال الاهتمام الذي نخصه به. من خلال وجودنا المتيقظ، نخلق هذا الطموح، هذا الترقب، و هذه الإمكانية للتعبير التي لم تكن موجودة من قبل وجودا فعليا لدى مخاطبنا والتي ستشرع في التكوين، شيئا فشيئا، في السجل الذي نسمح بفتحه لدينا لصالح الآخر. الاستماع لخوف الطفل يعني أننا نسمع أن الطفل يعاني من خوف: أي نسمح له بالقول «إني خائف». والسماح له، يعني تحويله إلى آخر.


الإنصات للطفل هو بشكل مترابط، تعليمه أن يتكلم. يعني أن ينتبه هو لما يبحث عنه ونساعده نحن على تشكيله. فعل الاستماع له، فإعادة الصياغة، فالتكرار، فالإجابة، فالاستماع من جديد، إعادة الصياغة من جديد، تكرير الحوار فيما بعد، بعد برهة زمنية، بعدما تهدأ الإثارة، بأناة... كما يعني الانصات إلى الطفل الانخراط في حوار متبادلا تتحول فيه اللغة المنطوقة، شيئا فشيئا، إلى غرغرة. من ثمة نشارك نشوة الرجل الصغير يشرع، فجأة، في الكلام والفهم مرة واحدة. حين يجد لكلمة، أو التعبير، أو الجملة، أو الخط أو الرسم الذي يفسر بشكل عجيب «ما يريد قوله»... لا لأن «ما يريد قوله» سابق في الموجود عما يقول، لكن، حين يطفو موضوع ما، هناك لحظات محبذة تصبح فيها اللغة معاصرة للعواطف. عندها تقول الكلمات ما ليمكن عيشه لعم القدرة على قوله. فنشرع في عيشه بقوة، وبشكل حقيقي فعليا. فاللغة ولوج فعلي للحياة الداخلية. ترسم بها «بطاقة الآنا» في المنطقة التي لم تنتظم بعد من النفسي الذي لايزال في إطار البناء.


كي تظهر هذه اللغة لابد من وجود مخاطب راشد. لابد من تحاور جدي، بعيد عن كل ما نقدمه من حلوى تشجيعا للتلعثمات الأولى، في حين كان ضروريا، على العكس من ذلك، التكلم بكل بساطة. إلا أن العديد من كبار السن يعتقدون بوجوب انتظار تعلم الصغار التكلم ليخاطبونهم. لهذا السبب يظل العديد من الصغار يجهلون التكلم فعلا: فيلجؤون، مهما كانت الحالة، إلى الصراخ، والأوامر القطعية، لفرض النزوات، للسب وإلى التشكي... دون أن يعتمد الكلام! ومن خوفهم، كما هو الحال عند فرحهم، لا يستطيعون الحديث مع أي كان. إنهم ينغلقون على أنفسهم. تتعمق الوضعية بالنسبة إليهم دون إبداء تجاوب مع الآخرين، دون أن يستطيعوا عيش ما يحيينه كتعبير مشترك عن «الحالة الانسانية». دون أن تلتئم خصوصيتهم بخصوصيات آخرين ضمن فيما يمكن تسميته بالثقافة.


الثقافة لربط الخصوصي بالكوني


الطفل في حاجة لأن يندمج في الثقافة، وذلك حتى يغادر نرجسيته، ويتجنب أنانيته المفرطة و«ينشأ مجتمعا». والثقافة فهي، أولا وقبل كل شيء، وببساطة، ما هو رمزي: أي إمكانية تسمية الأشياء التي لا نراها أو لم نعد نراها إطلاقا. الكل يعلم أن الطفل، حديث السن، يعتقد أن الكرة التي تتدحرج تحت الأريكة لم يعد لها وجود، ما دام أنه لم يعد يراها! بالمناسبة، وفي هذا الصدد الكثير من الراشدين يسقطون في السلوك الطفولي: ما إن يخرج الواحد من مجالهم البصري حتى يصبح غير موجود بتاتا! بالمقابل، تظل الأشياء والموجودات حاضرة بواسطة الرمزي بغض النظر عن إدراكها المباشر. هذا هو ما يسمح لنا بأن نتفكّرهم ونفكر فيهم، أن نحكي قصصا وأن نضع مشاريع مستقبلية، نتصور عودة من نحب وما يمكن أن نعيشه سوية من مغامرات، نحلم بما سيأتي من وجبات أو بالمنزل الذي نرجو بناؤه، أن نتخصص في الرياضيات والتاريخ، في البستنة أو الفلسفة... إذ الرمزي يفتح إمكانية التوافقات الذهنية. هذا ما لا يجعلنا نلتصق بالراهن ولا خاضعين للإدراك أو العاطفة التي تطغى علينا. وهذا ما يمكّن من تلطيف العالم وإدخال بعض الوداعة عليه.


الأكيد أن الراهن يفتقر إلى اللطف. ولايزال الخوف يهاجم بوحشية شديدة. يجعلنا مكتوفي الأيدي، مجمدين، مرتجفين أو مشلولين، غير قادرين على استيعابه، ممنوعين من تمثله. بالمقابل، تمكّننا الرمزية الإمساك عليه، لفه في كرة، تأمله لحظة، تسميته، تصنيفه: «وضيع... صغير... قوي... تافه... مؤلم... مخيف... مقلق... متواطئ... خجول...» هكذا يكف الخوف عن أن يكون غريبا: «ولا حتى خائف، الخوف!» تقال لمن هو غير راض بأن يغزوه الخوف يسعى جاهدا للاكتساب الرمزية. «كيف هو خوفك؟ ما لونه؟ ما شكله؟ هل يمكن أن ترسمه؟ وماذا لو كان قد رحل؟». نعم: « ماذا لو كان قد رحل؟ » إنه السؤال الذي يبيد –أو تقريبا- الخوف. السؤال الذي يؤدي بنا إلى واحد من أكبر رهانات التربية: تغذية الطفل بأشكال رمزية، بشخصيات غير عادية، بوضعيات رائعة... باختصار بنماذج مثالية تقيده في التعرف والتعبير عن خوفه الخاص به، بل يجعل منه أحد وسائل نموه، فرصته للتحرر مما يمكن أن يعيقه عن الإبداع.


لماذا يجب أن نحكي، مرارا وتكرارا، توم الصغير للأطفال؟ أَ لِأنها حكاية مقبولة دوما؟ ولِمَ هي مقبولة دوما؟ هي كذلك لأن الطفل يجد بها صدى تخوفاته الأكثر خصوصية، تلك التي لا يجرأ ولا يعرف ولا يريد البوح بها أبدا لأي كان. الخوف من تخلي والديه عنه و- الأكثر فظاعة- أن يأكله الغول، هذا المخلوق الذي، من كرة حبه للطفل وضمه بكل قوة بين أحضانه، يخنقه ويلتهمه دون رحمة. هل هناك أكثر فظاعة، بالنسبة للطفل، من أن يمسك به بين اثنين من الأرواح متناظرين؟ سواء تعلق الأمر بالغياب الكلي للعاطفة أو بالعاطفة القاتلة، فكلاهما مدمر. التخلي عنه يؤدي به إلى الموت وكذلك يفعل التملك الكلي. سواء فقده والديه بالغابة أو قتل فيه حبهم فيه كل إمكانية لممارسة حريته، فإنه لن يسترجع توازنه. الحال أنه لن يقدر على تصور نفسه في أي من الوضعيتين. ومع ذلك فللوضعيتين وجود فعلي، على أهبة أن تبرز، وتولد، بخلاف كل ما ننتظر، حالة رعب لا يمكن ضبطها. إنهما قادران على تغذية حالات قلق لا تنتهي، ويقيت عُصَابات خرقاء، وأن تقتل فيه كل أمل في السعادة.


يمكننا، بطبيعة الحال، أن نستفسر سارة، أحمد، خوسيه أو إيمّا، بالروض أو المدرسة، فنسألهم: «ألا تخاف ألا يأتي والديك للبحث عنك مساءا أو أن تترك، وأخوك، جنب الطريق السيار حين تذهبان في عطلة؟» أو «حين يضمك أبوك أو أمك بشدة إلى صدرهما في المساء، ألا تخاف أن يخنقونك ويقتلونك من شدة الضم؟» أو بشكل أكثر وضوحا: «الناس الذين يحبونك يتمنون أن تكون لهم وحدهم؛ إنهم يغضبون حين ترحل أو تقوم بفعل لم يتوقعوه! خذ حذرك! فالذين يدعون أنهم يحبونك الأكثر قد لا يريدون لك بالضرورة الخير!» لكن ليس بهذه الطريقة نعرف ونُليّن تخوفاتهم. على العكس من ذلك، نقاربها بكثير من اللطف، حين تتاح لنا فرصة مصادفتها ونحن نقص عليهم حكاية قديمة، تتكلم عنا كذلك... من خلال منحنا الوقت والفرصة للتدخل تدريجيا، عبر لمسات صغيرة، في الحالات التي نكتشف بفضلهم. فالحكايات هذه الميزة الكبرى على إمكانية فهمها من قبل مستويات مختلفة في العمق والتعقيد: البقاء كلية خارج الحكي، أو التفاعل الخفيف أو التطابق بنسب متفاوتة القوة مع الشخصيات.


هذا و لأن الحكايات يسردها قريب نرتاب من رغبته في أن يلقننا درسا بطريقة تريد الكشف عن اهتمامه المباشر، فإننا نستمع له، بالرغم من ذلك، باهتمام عائم تمكننا من سماع صدى ما يقولونه دون شعور بالاعتداء. إن الحكايات هدايا حقيقية، بل هي من أجمل الهدايا التي نقدمها للطفل: تحدثهم عن أنفسهم دون أن تمس خصوصيتهم. إنها، عبر الأعمار وبغض النظر عن القصص الخاصة لكل منهم، توثق صلتهم بالمجتمع الإنساني الأكثر كونية.


تجاوز خوف التعلم


الإندماج الثقافي ليس أمرا سهلا لأي كان. فالثقافة، بأشكالها الأكثر تطورا -«الأعمال» التي تشهد عن أدق «حالات الانسان» - تتطلب دوما تعلما. فهي تؤكد على ضرورة الافتراق عن حضن اليقين الآني لمواجهة المجهول. إنها تتطلب أن نعرف كيفية السماح لأنفسنا أن «نستبدل» بقضية، بموضوع فني، بقصة، بتفسير أو بنظام هي غريبة عنا وستمكننا من أن نتعالى عن الأحاسيس والتمثلات والعادات التي شكلت بالنسبة لنا مأمن نفسي حقيقي.


بكل بساطة وبشكل حتمي، يضع كل تعلم الفرد أمام تناقض حتمي: «من الضروري فعل ما لانزال جهل فعله كي نتعلم فعله»! فسواء تعلق الأمر بتعلم المشي أو بالتكلم، حين نعزم على قراءة كتاب لوحدنا لأول مرة أو إنشاد شعر أمام مجموعة القسم، في اللحظة التي ننخرط فيها لحل مشكلة رياضية جديدة بالمرة أو معالجة تمرين فيزيائي يوضع لأول مرة... في جميع الحالات نحن أمام نفس الصعوبة: نجهل القيام بذلك لأننا لم نقم به أبدا! ومع ذلك علينا القيام به ضرورة وإلا فلن نعلمه أبدا! لابد من المغامرة مهما كان موضوع تعلمنا. لابد من القيام به ولو بمحاولات عشوائية. لابد من المحاولة ولو نكن متيقنين من النجاح. لابد من البدء دون ندري إن كنا سنصل. يقول فلاديمير جانكيليفيتش: «للبدء، لابد، بكل بساطة، أن تكون هناك بداية. لا أحد يتعلم كيف يبدأ. للبدء نحتاج فقط إلى الشجاعة.»


من دون أدنى شك نحتاج للشجاعة! من لم يشعر، في التصريح الأول بالحب، بالحاجة إلى للشجاعة أو عند أول طيرانه الشراعي؟ أو، بشكل تافه، أمام ورقة بيضاء، وأنت تحاول كتابة نص قصير وبسيط فنبحث عن كل الأعذار الممكنة لتأجيل هذا الأمر. بل حتى عند كل بداية جديدة في كل دخول جديد: فراق الأسرة والدخول إلى المدرسة، فراق المنزل والدخول ضمن مجموعة مجهولة، مغادرة الشفاهي الدخول للكتابي، فراق عالم اللعب والدخول لعالم «العمل الفعلي»، مغادرة الدروس والدخول للحياة المهنية... ثمة دوما شكل من أشكال الخوف المرتبط، من حيث الجوهر، بنشاط جديد. إنه نفسه الخوف الذي يحسه الطفل يوميا كلما وجد نفسه مضطر ل«فعل ما لا يعرف القيام به حتى يتعلم كيفية فعله».


ولكون الطفل كائن غير مكتمل، جد هش في طور الإنبناء، فمصاحبته ضرورية ليقدر على مواجهة الخوف. لابد من ذلك لتجنب حالة الذعر، حالة الأرجل المرتعدة والتي لم تعد قادرة على حمله، تجنب الرغبة الجامحة في الرجوع إلى الخلف، ومحاولة الانطواء على الذات، والعودة إلى «مغارته» إلى الأبد. لهذا يحتاج الطفل للمصاحبة: آمنة ومرخصة.


لتجاوز هذا الخوف من التعلم، من الضروري بالفعل معرفة أننا -بهذا الاعتقاد الراسخ المحفز على تجاوز كل المعوقات- نسكن، حاليا على الأقل، ب «فضاء بعيد عن كل تهديد». لابد من الاعتقاد الجازم أن لنا الحق في القيام بمحاولات عشوائية، أن نخطأ، بل وأن نفشل. أن لأحد سيأتي بعدها ليسخر منا، أن يفضحنا ويكبلنا في محاولة مجهضة. أن لا أحد، كان من كان -صديق، أحد والديك أو أساتذتك-، سيصنفك ويشبهك بما هو في الحقيقة سوى مرحلة في مسيرتك التعلمية الطويلة لم تنته بعد. ثم على المربي أن يكون حاضرا ليتيح للمتعلم إمكانية «المجازفة» دون «التعرض للخطر» فتتعرض سلامته الجسدية والنفسية للضرر. إقامة «فضاء غير مهدد» خاص بالطفل يعني أيضا قدرته على الاستئناس بالخوف الذي قد يصيبه كلما واجه فيه مستقبل ممكنا لكنه غير متوقع. هذا يعني، في الواقع، تمكنه من النوم بشكل تدريجي، أن «ينجز عملا له هو» كما يقول بيستالوتزي.


لكن لا تكفي الحماية، لابد من الإذن: لا ندخل معمعة الحياة لتأكدنا بأننا مؤَمّنين غير معرضين للخطر: لابد أن يقدم لك إنسان آخر الدعوة وتمنحك مراقبته الثقة التي لا يمكن لأحد أن يجدها إطلاقا في نفسه. لذا لا يتمكن الطفل من النمو فعليا إلا إذا أوصلته نظرة الراشد إلى القناعة أن التعلم والنمو «يستحقان كل الجهد المبذول» حتى وإن أخافه الأمر! يستحق العناء لكونه يعد بالرضا والسعادة أكيدة. ويستحق العناء أيضا لإمكانية الجمع أحينا بين الحرية والسعادة؛ ثم إنه قد يعطي معنى لوجودنا في هذا العالم بل من الممكن قد يمدد ويحسن صورة العالم.


الحقيقة أن الخوف المشروع الذي يعاني منه الطفل يستدعي مسؤولية الراشد. أولا ليكون حاضرا. ثم لتجسيد المر غوب فيه والممكن. وليوصل اعتقاده أن لا شيء مقدر وأن الأفضل قادم... هي مسؤولية صعبة التحمل في مجتمع يحتقر الأمل ويزرع اليأس. لكنها مسؤولية ضرورية للمربي الذي يجب أن نكونه أو نصبحه، الآن أكثر من أي وقت مضى. لنستقبل الطفولة ونتوقف عن سب المستقبل. وحتى لا نرهن أطفلنا داخل خوفهم إلى الأبد، ولا نفرض عليهم خوفنا.


                                                                                              ++++++++++++++


في النهاية، ممّ يخاف أطفالنا؟ إنهم في الحقيقة مثلنا يخافون من الوحدة. لا وجود لسبب معقول يجعلنا نخاف. الوحدة هي مشتل كل أشكال الخوف. الخوف من الصمت ومن الفراغ؛ الخوف من الضجيج ومن الجمهور؛ من التعرض لسخرية الآخرين؛ من عدم اهتمام أحد، ومن التعنيف؛ من عدم الرقي إلى المستوى المطلوب؛ من زلة القدم أو ضياع الفرصة؛ الخوف من السخرية ومن الفشل... الخوف من الضياع إلى الأبد في عالم غريب. هكذا يصبح معرضا للقلق البدائي الذي عان منه الإنسان الأول، دون أية علامة أو خريطة تهديه إلى طريقه؛ دون أي كلمة يسمي بها الأشياء أو وجه يحول إليه بصره؛ دون أي بسمة أو ملامسة. إنه الخوف من المرحلة الماقبل إنسان، تلك التي سبقت اللقاء المصيري مع الذي هو «مثلي.. أخي».


أطفال وراشدون، يحاصرونا الخوف أبدا. تلك نقطة ضعفنا، وهي علامة انسانيتنا؛ علامة ارادتنا وما يكفينا من الكفاف. علينا أن نخاف من يدعي أنه لا يخاف أبدا. إنه، وبشكل متعمد، بعيد عن «الحالة الإنسانية». نحن في حاجة أن نتقاسم خوفنا في جميع أشكاله. هذا ضروري كي ننمو، كي نعيش. وهو ضروري أيضا لنعيش جميعا في عالم من صنع الإنسان.


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


 


----------------------------------------------------------


*https://www.meirieu.com/ARTICLES/La_peur.pdf


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :