أضيف في 23 دجنبر 2017 الساعة 19:16

الأندلس و القدس أيقونتا الهزيمة


رشيد اليملولي

الأندلس و القدس

أيقونتا الهزيمة .

إن البحث في الوجود الحضاري للعالم الإسلامي ، يفضي في العديد من الأحيان إلى اقتناعان ؛ اقتناع ظرفي ، و آخر عميق ، يفيد الأول سلسلة التمثلات و الافتراضات المتولدة من التراث الذي يتصيد المنجزات البراقة و الانتصارات العابرة ، و غالبا ما تكرسها الممارسة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية ، و هي " فشل " هذه الحضارة فشلا كبيرا في تقديم نفسها خارج قوالب جاهزة ، و تحاول تقديم نفسها باعتبارها منجزات لا ياتيها الباطل من بين يديها و لا من خلفها .

أما الاقتناع العميق ؛ فيستمد من الوعي الحاد بإخلاف المواعيد الحضارية التي فرضتها بعض المحطات التاريخية ، في سبيل الانتقال نحو مرحلة الإنتاج ـ بمعنى القيمة المضافة ـ السياسي و الاجتماعي و الثقافي و الاقتصادي ، إذ غالبا ما كان يتم التوسل بالعامل الخارجي ، أو إدانة الآخر و تبرئة الذات دون الوقوف عند ممكنات الانتقال ، انطلاقا من التنمية الذاتية مهما كانت طبيعة التحديات ، و بها يتم دفن إمكانات المحاولة دون أي رغبة جامحة في المحاولة ذاتها .

المحصلة الراسخة هي امتداد جذور العطل العميق و سريان مفعوله ، لدرجة تبدو الاستحالة قانونا متأسلما بامتياز ، يقتات بشكل جدي على الانتصارات العسكرية المحققة في فترات متباعدة ، دون الوعي بالمسار الطويل بالهزائم التنموية و العلمية و الثقافية ، التي حورب فيها الإنسان المبدع و الخلاق و المشاكس و المعارض في قيمه و إضافاته و ليس في عدميته ، و ذلك بأشد أنواع الأسلحة النظرية منها و العملية ؛ في مقدمتها فقه سياسي أبطل كل الحقوق و قيدها بسلسلة من المحاذير ، التي لم تكن إلا دعامة مقنعة للقهر السياسي و التجويع الحقوقي .

يليها و على صعيد الممارسة السلطة السياسية و التي لم تنعزل عن هذا العطل العميق ؛ إذ ظلت أسيرة فشلها الذريع في إثبات أو تقديم نموذج تنموي سليم ، حيث ارتقت السلطة ـ الشوكة ـ العصبية ، إلى بنية تحتية تشتغل بلا هوادة في تكنيز الفشل الحضاري العام .

لم تكن الأندلس في الممارسة التاريخية للإسلام السياسي عنوانا للنضال من أجل القيم الدينية و ترسيخها ، بل كانت أسلوبا لتغطية الأزمات الداخلية ، و في أحسن الأحوال تصديرها خارج قواعد السلطة القائمة ، رغبة منها في امتصاص الغضب السياسي و توجيه طاقة المعارضة نحو مفهوم الجهاد ، بغرض تشتيت برنامجها و سحب مشروعية الاعتراض عنها ، كما أن التدخلات العسكرية لم تكن بهدف بناء نموذج ديني معين ، بقدر ما كانت محاولات جادة لتسكين الأوضاع و لو إلى حين ، يعوزها النفس الطويل و الاستمرارية ، إذ تحولت غالبية حلقاتها إلى صناعة مجد عسكري و انتصارات وهمية مرتبطة به .

لقد كانت الأندلس في المخيال و التجربة السياسية الدينية وسيلة لممارسة السياسة ، و تسويق الخطاب بهدف الاستهلاك السياسي و الاجتماعي ، و هذا الحال لا يختلف في الكثير من ملامحه عن القدس و القضية الفلسطينية منذ جذورها الأولى ، إذا كانت واجهة مثلى لممارسة المعارضة و النقد السياسي الذي كان يتخذ من القضية الفلسطينية وسيلة و مطية ، لتبليغ برنامجه السياسي للأنظمة الحاكمة ، وقيمه و مبادئه و تصوراته ، و في الأساس نقد هذه الأنظمة ، لدرجة قد تدفع إلى الاعتقاد بأن القضية الفلسطينية ، لم تكن في يوم من الأيام مبدأ قيميا أو مسألة حضارية ، بقدر ما كانت أيقونة للصراع و أداة لتفريغ المكبوث السياسي ، حيث أن الطابع الشعبي و الرسمي و النخبوي ، لم يستطع أن يفرز جبهة موحدة تقود الصراع ـ دون مصادرة الحق في تبني القضية وجدانيا و فكريا و عمليا ـ ، إذ ظلت التفاعلات مع القضية تفاعلات حماسة تؤكد الطابع الانقسامي في إيحاءه الشعبوي و الذي لا يرقى إلى فكرة مؤسسة ، إذ هو في المقام الأول هبة أو تمرد باهت الأفق و إن دل على معطى ثقافي ـ انتربولوجي .

إن اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لاسرائيل يأتي في هذا السياق تدعيما لمقولة فراغ القضية الفلسطينية من أي محتوى نضالي تعاقدي بين الأنظمة السياسية العربية بنخبها و معارضيها ، و لدى الشارع الإسلامي برمته ، ما دامت آليات و برامج و آفاق العمل غير موجودة ، و إن وجدت فهي محدودة الأثر و الغاية بالنظر إلى المحقق على أرض الواقع ؛ إذ لا غرابة أن يكون هذا الاعتراف مولود من رحم معاناة المجال الحضاري السياسي ، و كأنه ابن زنا يرفضه الشرع العربي و القانون المرتبط به ، مع العلم أن أصوله و فصيلته الدموية تنتمي حسب معطيات ( أ .د ن ) إلى المجال الحضاري الإسلامي بعينه ، و ليس مولودا أمريكيا أو صهيونيا حسب ما يتم الترويج له و إن كان مهما .

لقد عرى الموقف السياسي في المجال الحضاري الإسلامي عن طابعه و خصوصيته في إفشال خط المقاومة مهما كانت بسيطة أو لا تملك أي قيمة في أحسن الأحوال ، و أزاح الستار عن قضية و إشكال الدفاع عن القيم و الرموز الدينية ، إلا من ترسانة خطابية تسوق لثخمة الأنا ، و لا تستطيع أن تقدم للقضايا الراهنة إجابة مقنعة و خط نضالي محدد ، لذلك أجاد ترامب في استغلال الهذيان الديني و السياسي عند الثقافة السياسية و الاجتماعية للمجال الإسلامي في الكثير من جوانبه ، و الذي يجيد فقط الاعتراض على الاحتجاج مخافة الفتنة ، يبدع في فتاوى النكاح و المضاجعة و منع المرأة من السياقة ، و ما إلى ذلك من فتاوى سريالية ، و روعة الأمن الذي يعد نعمة النعم ، أمام موت الإنسان و أفقه و غده و علمه و فنه ، فضعف الوعي الإنسي و الحقوقي و الاجتماعي للسلط المادية و الرمزية ، أضعف قدرتها على بناء ذواتها خارج الريع المقدم لها في إطار المفاهيم السياسية النفعية القطرية أكثر تحديدا ، بل و أمعن في تقويض حتى معالم بناء هذه الدول القطرية ، لهذا لم تكن الأندلس قديما و القدس حاليا قضايا قيمية لدى المجال الحضاري الإسلامي في شقه السياسي و الاجتماعي ، بقدر ما كانا أيقونتان للتلذذ الرمزي ، و للتعبير عن المكبوث في مستوياته الدالة اجتماعيا و سياسيا و الذي رسخته الأنظمة الحاكمة ، من خلال إقبار المبادرات و قتلها بدعوى " لا يعارض الأسد و هو على الكرسي " .

إن أزمة القدس هي بالضرورة أزمة محينة للأندلس ؛ حيث الحلم السياسي و المخيال المرتبط به يرتع و يرمح في نرجسية مفرطة ، ترى ذاتها فقط في ماضيها ، تعول على القبلية في نفيرها العام و حماستها المستقاة من ذي قار ، تدغدغ الإحساس و تكبل الوعي ، دون تنقية في أفق بناء الإدراك و الوعي الثقافي و العلمي بعيدا عن السلطة بمفهومها الضيق ، أو بمعنى أدق التسلط و الوحدانية في السلطة .

لقد غدت السياسة في هذا المجال عنوانا راقيا للفشل ، عبر تغطية الأزمات و تنويمها ، بل لم تكن إلا مرادفا نوعيا للهدر في أبهى تجلياته النفسية و الثقافية و العلمية ، و إحياء عقديا للقبلية و الأحلاف السرية ، فعبس تغزو و ذبيان تسلب و في الواجهة حماسة و شعر و قومية و كل معاني عكاظ في مستواه السياسي ، أي الترويج للسلعة السياسية التي غالبا ما تموت بانتهاء السوق ؛ فهذا يعلن الشجب و آخر يدين و ذاك يعترض في الصورة و في العمق يصافح ، وكأننا أما شعر يهجو وآخر يمدح و ذاك يتغزل ، و الآخر يستدعي الحماسة ، و ينتهي السوق و تنتهي معه القصيدة ، و تعود حليمة إلى عادتها القديمة في سلب الشعوب الحرية و العدل و القيم الإنسانية .

و لا غرو أن تباع القدس بلوحة و أن يباع الوهم بالوحدة الدينية بأول القبلتين و ثالث الحرمين ، و في السرصيانة عروش و غزو و أسلاب و أنفال و غنائم .

أحق مع باطل ؟

جفت الأقلام و طويت الصحف .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :