أضيف في 18 دجنبر 2017 الساعة 11:42

رحلة الغربان من ''إسرائيل المزعومة'' إلى ''إسرائيل الشقيقة'' !


أحمد حسيسو

والله لا أدري بم أبدأ وكيف أرتب كلماتي للتعبير عما يساورني من مشاعر وأفكار، وعن فرحتي وعن أحزاني إزاء ما ينكشف من أقدار وما ينفضح من أسرار في هذه الأيام المواجة الفوارة المضطربة من أحداث العالم وتفاعلاتها، وما يتصل أساسا منها بقضية فلسطين على وجه الخصوص.

أحداثٌ متسارعةٌ أشبه ما تكون بأنوار تشتعل فجأة فتنكشف بأضوائها الخبايا المتوارية في زوايا الظلمات، أحداث هي بمثابة بوصلة موجهة لإمضاء سنة الله في خلقه في التدافع بين الصدق والنفاق، بين الحق والباطل، بين الخير والشر وبين المستضعفين والمستكبرين حتى يحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة، ولن تجد لسنة الله تحويلا، ولن تجد لسنة الله تبديلا.

لا يعلم إلا الله سبحانه كم سال ولا يزال يسيل من مداد واستنفد من قرطاس وأقلام في الحديث عن قضية فلسطين بلاد أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين على مدى قرن من الزمان، بحثا ونقدا وتأييدا، تحليلا وتركيبا وتفصيلا.

ولا يحصي إلا الله تبارك وتعالى عدد الشهداء والأرامل واليتامى، ومعاناة المهجرين والجرحى والضحايا، ومدى الأضرار والدمار والنكال الذي لحق بأهالي فلسطين وممتلكاتهم وأراضيهم ومزارعهم على أيدي الجيش الصهيوني والعصابات العنصرية المسلحة العاملة معه جنبا إلى جنب طوال العقود الثقال.

على رأس السنة المائة من وعد بلفور وقرابة سبعة عقود من تحقق الوعد على أرض الواقع، يعلن رئيس أقوى دولة في العالم الاعتراف بمدينة القدس المقدسة في قلوب أزيد من مليار ونصف المليار مسلم عاصمة للدولة العبرية السرطانية المكروهة المزروعة عنوة، المستنبتة تحديا في قلب العروبة والإسلام، يعلنها دونالد ترامب مدوية على رؤوس الأشهاد دون مراعاة لعدو ولا صديق ولا عميل، لم لا وهو رئيس دولة الولايات المتحدة الأمريكية الجبارة المتكبرة، ويتهيأ لنقل سفارة بلاده من تل الربيع (تل أبيب) إلى القدس الشريف، في عجرفة واستخفاف بمشاعر أزيد من ربع سكان المعمور، وفي تحد سافر للمنتظم الدولي جميعا، إذ لم يحصد القرار تأييدا صريحا إلا من قبل "إسرئيل" نفسها، حتى وإن كان من العرب أنظمة متصهينة مؤيدة، لكن لما يحن الوقت بعدُ لها إلى حدود كتابة هذه الكلمات للتصريح الرسمي المباشر في هذه النازلة المزلزلة، أما التطبيع السري والعلني فقد قطع أشواطا كبيرة، بلغت بالمهرولين المقبلين أقدام الصهاينة، المنبطحين على البطون، المستجدين رضا أمريكا حدَّ إعلان العداء لحركات المقاومة والتحرير بالمنطقة، ووصمِها بأشنع النعوت، والتواطؤ العلني مع الاحتلال ضد البقية الباقية من شرفاء هذه الأمة.

في بداية المواجهة رفع العرب في وجه الكيان العبري الوليد شعار "سنلقي إسرائيل في البحر" وكان مجرد النطق بكلمة "إسرئيل" آنذاك تهمة وخيانة بين أوساط العرب، إذ يضمر النطق بها اعترافا ضمنيا بشرعية دولة الاحتلال، ولذلك لا تجد في الإعلام العربي وكذلك عند العوام إلا كلمات من قبيل "العدو الصهيوني"، "الاحتلال الصهيوني"، "الكيان الصهيوني"، "إسرائيل المزعومة"، وهكذا، تماشيا وتماهيا مع الشعارات والأناشيد الحماسية المنادية بالجهاد والتضحية بالمال والنفس وبذل الغالي والنفيس حتى تحرير فلسطين، كل فلسطين. ولكنه مع توالي النكبات والنكسات العربية أمام جيش العدو، وسكون أسطورة "الجيش الذي لا يقهر" في وجدان العرب، بدأت تتبلور في الأذهان المهزومة مراجعات بئيسة وتتشكل قناعات مشؤومة، فانحدرت الهمم دركا دون درك في أودية المذلة والمهانة من علياء "سنلقي إسرائيل في البحر" إلى قاع إقامة دويلة فلسطينية عاصمتها بلدة "أبوديس" بجوار القدس ! مرورا باتفاقية كامب ديفيد المهينة لمصر رأس الحربة في المواجهات العسكرية المشهورة، ومعاهدة وادي عربة التي أركعت الأردن، وبعد ذلك مفاوضات أوسلو وما ترتب عنها من مفاوضات السلام الماراطونية العبثية، والمبادرة العربية المطالبة ب "دولة فلسطينية في حدود 67 عاصمتها القدس الشريف"، انتهاء بدولة فلسطينية "عاصمتها القدس الشرقية" فحسب، وأخيرا تطرح في الكواليس بلدة أبوديس عاصمة لدولة قزمية عجيبة غريبة يرجى قيامها على ما تبقى من أوصال أرض ممزقة محاصرة مخترقة مجزأة عوضا عن القدس وعن نصف القدس، وعن ربع القدس، لعل وعسى أن ترضى الدولة المدللة المحمية "إسرائيل الشقيقة !"

وعلى طول العقود السبعة لم يهدأ للحظة واحدة مسلسل مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات وتهويد المقدسات لأجل فرض واقع يستحيل معه بناء دولة فلسطينية تمتلك مقومات الدولة الحقيقية عند أي تسوية محتملة أو مفروضة، وبالموازاة مع ذلك، لم يكن العدو ليجد راحة ولا أمانا ولا استقرارا، إذ لم تهدأ العمليات الفدائية والمقارعة البطولية صُعُداً من الإنجازات الباهرة لفدائيي منظمة التحرير الفلسطينية إلى الضربات الموجعة لكتائب عز الدين القسام وغيرها كثير، رغم الرجحان الصارخ لكفة الاحتلال في السند والعتاد، ورغم الخذلان الفاضح الذي سجله التاريخ على ذوي القربى في حق القضية وأهلها.

لم تعوز الأنظمةَ العربية التفسيراتُ والمبررات للنكسات والتراجعات والمراجعات. إنها الواقعية أيتها الشعوب الأبية الغاضبة من ضياع فلسطين ! ما العمل وأمريكا وأوروبا القوتان العُظميان اقتصاديا وعسكريا سند مانع ودرع واق لإسرائيل، ما السبيل لهزم دولة تكنولوجية صناعية منظمة أصبحت لها ترسانة من الأسلحة النوعية المتطورة في مقابل الخردة العربية، ولها قوة جوية متفوقة تسود بها سماء الشرق الأوسط بلا منازع، وتمتلك مئات الرؤوس النووية؟ أليس بإمكانها إبادة الدول العربية كاملة بقصف نووي في ساعات إن لم نقل في دقائق؟ هل تريدون الإقدام على التهور والمغامرات غير المحسوبة العواقب؟

نعم للواقعية، نعم للعقلانية، لا للتهور، لا للمغامرة غير المحسوبة العواقب، لا وألف لا لفعل غير مخطط بدقة وغير مدروس بعناية. نعم لو كان ذلك صادرا عن صدق وإخلاص وعن شورى وإشراك، فمن هذا العاقل الحكيم الذي يقدم على أفعال فيها هلاك أمته وأهله وعشيرته، و يزج بالبلاد والعباد في لجج المتاهات والمصائب والمآسي.

قد يكون من السهل إقناع إنسان بسيط قليل الإطلاع بصعوبة مجاراة العدو وبعدم جدوى منازلته في ظل موازين القوى المختلة لصالحه، وفي مناخ التحالفات والأوضاع والقوانين الدولية القائمة الداعمة لوجوده، لكن المتفحص المتعمق في واقع العرب وفي السنن الكونية سوف يدرك أنه طرح مجانب للحقيقة والصواب.

ثلاث قضايا ينبغي وضعها في الحسبان لنتبين مواطن القوة والضعف لدينا ونكون على بصيرة من أمرنا، ومن ثم ننزع لباس الجبن والخنوع، ولا تستخفنا عنتريات بني صهيون وأعوانهم ولا تخيفنا تهديداتهم ولا تهديدات حُماتهم:

أولا: في الواقع، إن النظام الرسمي العربي، وليست الشعوب طبعا، نظام جبان لا حرص له إلا على الكراسي، لأنه أصلا لا يستند إلى شرعية شعبية، فلسان الحال يقول: المهم هو الكرسي ولا شيء غير الكرسي، ولتذهب فلسطين إلى الجحيم !

لو تم إنفاق معشار ما ينفق على الكراسي لأجل قضية فلسطين ما قبعت تحت ويلات الاحتلال كل هذه العقود. هذه واحدة.

ثانيا: في الواقع أيضا إن إمكانيات الأمة المادية والمعنوية كافية وكفيلة بدحر الاحتلال بأسرع مما يتصور حينما تتوحد على هدى من الله ورسوله، وعندما تمتلك إرادة سياسية صادقة وإدارة مدبرة حكيمة للمعركة في خضم أمواج الأوضاع الدولية المتلاطمة المتناقضة. فإن من الوهم وسوء الفهم حصر المعركة في الجانب العسكري، والاعتقاد بأن تفوق الآلة العسكرية هو وحده العامل الحاسم في الصراع، فكسب رهان الحرب يعتمد فيما يعتمد عليه أساسا على أمور لا تقل أهمية عن التسليح الجيد، منها التعبئة الروحية المعنوية، وحسن إدارة الجوانب الدبلوماسية والإعلامية واستثمار الجوانب الاقتصادية وغيرها من عوامل الضغط والتأثير، وبكل تأكيد فللعرب والمسلمين اليد الطولى وطول النفس في هذه الجوانب المذكورة حين تصفو الإرادات وتتضح الرؤى وينعقد العزم ويشتد الحزم . تلك الثانية.

ثالثا: القضية الثالثة هي اليقين في موعود الله، أس الأمر وأساسه، نتدبر ونتفحص سنن الله عز وجل ونقرأ في كتابه العظيم: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، الله يعلمهم" ووقوله عز من قائل: "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم" وكذلك: "إن ينصركم الله فلا غالب لكم"، وقوله سبحانه: "وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين"، هذه ثالثة القضايا المنورة للأبصار والأفهام.

لنكن واضحين صريحين، إن الإدارة العربية للحروب السابقة مع "إسرائيل" قد اعتراها خلل، وتسرب إليها دخن واندس فيها دخل، فلا غرو ينتهي معظمها بفشل. وإلا فما السر في قوة المقاومة اليوم وصمودها البطولي الأسطوري الذي أرغم عربدة الصهاينة على الانكفاء وإعادة الحساب في جنوب لبنان و في غزة العزة، وما هو اللغز في عجز العدو عن هزمها في حروب تطول وتستنزف أضعاف أضعاف ما كان يحتاجه "الجيش الذي لا يقهر" من وقت وجهد لإلحاق الهزائم النكراء بالجيوش العربية الرسمية الجرارة !

بعد مضي قرن على وعد بلفور، يعلن ترامب على وعده الجديد بجعل القدس عاصمة للدولة العبرية، فماذا كانت النتيجة؟ هل تم تمرير القرار بهدوء وسلام؟

ظن كثيرون أن القرار لن يعدو تحصيل حاصل، بالنظر لكون القدس ظلت ترزح تحت الاحتلال لعقود، ولكون المدينة المقدسة قد تم تهويد معظم معالمها، وتم تطويقها بالمباني والمؤسسات والمستوطنات، كما عملت الحكومات المتعاقبة للاحتلال على تغيير الوضع الديموغرافي والعمراني لها على حساب المقدسيين الأصليين لمصلحة مشاريع المسخ والاستيطان، فإذن بالنظر لهذه التغييرات فقد أضحت القدس بمثابة عاصمة فعلية "لإسرائيل" منذ أمد، ولذلك فليس من المتوقع أن تكون هناك ردود فعل شديدة إلى حد مزعج.

لكن القرار قد أربك حسابات واضعيه، إذ فجر غضبا عارما وغليانا غير معهود في جل بلدان العالم، وأجج ثورة الفلسطينيين ووحد موافق المسلمين من مختلف المذاهب والأقطار، وتسبب في اندلاع المظاهرات والاحتجاجات أينما وليت وجهك. رب ضارة نافعة، كما يقول المثل، قد لا نبالغ إن قلنا إن الوعد الجديد قد أيقظ الأمة من خمول وأعطى القضية الفلسطينية نفسا جديدا وزخما عظيما. وهذا في حد ذاته مكسب ثمين عظيم زود جند الله المرابطين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس بحافزية متجددة، وبات المشهد مهيبا ومرعبا للصهاينة والأمريكان ومن والاهم، ودليل على عنفوان هذه الجموع الشابة المتوثبة الرافضة للاستسلام المستعدة للجهاد، ونذير شؤم للظالمين المغتصبين.

لأول مرة يتم عزل الولايات المتحد الأمريكية و"إسرائيل" عن بقية العالم في موقف مخزٍ محرج لا تحسدان عليه، فحتى دول أوروبا الغربية الحليفة التقليدية للعدو الصهيوني رفضت القرار، وعبر معظم قادة الدول الوازنة في العالم عن استنكارهم لقرار يهدد السلم والاستقرار العالميين، ومن الطرائف المعبرة أن رئيس دولة بعيدة في أمريكا اللاتينية هي فنزويلا نيكولاس مادورو تكبد عناء السفر قاطعا آلاف الكيلومترات لحضور اجتماع منظمة التعاون الإسلامي المنعقد بتركيا تضامنا مع الشعب الفلسطيني وضدا على عربدة قتلة الأطفال والشيوخ والنساء، سلوك حضاري يستحق الشكر والتقدير وموقف رمزي إنساني رائع يسجله التاريخ لهذا الرجل ولأمثاله من أحرار العالم وشرفائه. هذا في الوقت الذي غاب فيه عن المؤتمر مسؤولون عُربان تجنبا للحرج من أولياء النعمة الأمريكان !

لم يخلف قرارُ ترامب على الصهاينة والأمريكانِ غضبةَ العربِ والمسلمين وحنقتهم فحسب، بل أزعج أيضا حلفاءهم التقليديين في بقية أنحاء العالم، فرفضه الجميع، وشذت أمريكا وانعزلت.

أما ملوك الجبن والنفاق المفضوح فهم في وضع لا يحسدون عليه بين مطرقة أمريكا وسندان الشعوب، لا قِبَلَ لهم بمعارضة قابض القروش لحماية العروش، ولا يملك جلهم جرأة على الإثارة المباشرة لحفيظة الحشود المهددة للعروش، خاصة في شأن القدس بالذات، لكنهم لا يتحرجون ولا يستحون بل يعملون بلا ملل ولا كلل لتمهيد الأرضية للتطبيع العلني مع العدو الصهيوني، باستعمال واستئجار ديدان القراء، مشايخ البترودولار لأجل استصدار فتاوي "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها" و"الصلح خير" و"يا بني إسرائيل ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم" و"مقتضيات الحكمة والأمر الواقع"، أستغفر الله من سرد هذه الآيات الزكيات المقدسات في هذه المواضع، غرضي أن أنبه القارئ اللبيب الكريم إلى أن الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا يلوون أعناق النصوص المقدسة ويؤولونها لتبرير غايات ساقطة دنيئة خسيسة.

لم يكتف حكام بلدان الخليج العربية بالغياب عن الاجتماع الطارئ لمنظمة التعاون الإسلامي بتركيا هروبا من أي التزام تجاه أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، بل سربت وسائل الإعلام مؤخرا أن أحد كبرائهم راح ينصح الفلسطينيين بقبول بلدة أبوديس عاصمة لدولة فلسطين، أما صغيرهم فقد أرسل علانية وفدا لزيارة "إسرائيل" في سابقة جريئة "شجاعة" حاملا معه رسالة سلام!

حكام الهزيمة والهوان "ينصحون" أسود العزة والميدان بنهج سبيل التعقل والتخلي عن سراب التوكل ! والأخذ بمنطق الواقعية والقبول بكل دنية !

لسان حال ومقال القوم يقول: أيها الفلسطينيون تعقلوا، كفاكم عناء وعنتا وحروبا، السلم خير ! أريحوا أنفسكم من حلم مستحيل، هذا واقع لا يرتفع، أما ترون أن القدس صارت فعليا عاصمة لدولة "إسرائيل الشقيقة" ! أما تكفيكم بلدة أبوديس عاصمة لدويلتكم المنتظرة !

أما نصيحتي للجميع، فرجائي توطيد الثقة بالله وبجند الله وبأمة رسول الله، وعدم الانبهار إلى حد الهوس والهزيمة النفسية بقوة "إسرائيل" ولا من يعينها ويحميها ولا من يسير في ركبها من أعداء الله مهما اشتد بأسهم، فإنها قريبا إن شاء الله إلى زوال، وحينئذ يعض المهرولون والمنبطحون على أيديهم، ويفرح المؤمنون بنصر الله القوي العزيز.

"والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعقلون" صدق الله العظيم

تنغير، ليلة السبت 16 دجنبر2017

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق