أضيف في 17 دجنبر 2017 الساعة 20:15

''رقية'' بنت الأعالي 2/2


الحبيب عكي

         وبقدر ما قامت "رقية" بنت الواحات والأعالي بتنمية مشروعها البسيط بقدر ما تعلمت منه و نماها حتى أنها ندمت على كل السنوات العجاف التي أهدرتها في الدراسة الجامعية الجوفاء والنضالات البزنطية الخرقاء،واستيقنت أو تكاد أن خير دراسة وأجمل تكوين هو ما يمكن أن يتلقاه المرء في مدرسة السوق والعمل التجاري في الميدان؟؟.كبر مشروعها وأرادت توسيعه في كل ما هو متاح ليشمل النعاج والخرفان،ويمتد إلى تغطية استهلاك المقاهي والمطاعم والمحطات والفنادق وغيرها من المهرجانات والاحتفالات،فاضطرت لاجتياز رخصة السياقة علها تشجعها على شراء سيارة تستعملها في النقل والتوزيع،هيأت ملفها وخضعت للتكوين النظري والتطبيقي بما يكفي وأتقنتهما فوق ما يكفي،لكنهم ضيعوها في الامتحان الأول والثاني والثالث..،وبعض ضجرها واحتجاجها أخبروها بكل وقاحة أنها لن تنال أية رخصة ما لم تدفع حلاوتها(رشوتها)إلى أصحاب الحال وعلى رأسهم السيد المهندس الذي يشرف على الامتحانات ويدمن المشروبات والحلويات،ولا بأس ان يختصر الناس بعض الجهد والوقت،وهذا أمر مفروغ منه حتى لو كانت الممتحنة بنت وزير النقل،حتى لو كانت وزير النقل ذاته؟؟.


 


          تجاوزت بنت الواحات والأعالي تلك المرحلة على كل حال،ولا زالت أرانبها في ضغيبها ودجاجاتها في نقنقتها وديكتها في صياحها والماعز والخرفان في مأمأة وثغاء،لقد أصبح لديها بعض رأس المال ما كانت تحلم به حتى لو أصبحت موظفة عليا،ولكي تحافظ عليه وتحسن التصرف فيه فقد فتحت من أجله حسابا في أحدى الوكالات البنكية في اقرب مركز حضري إلى قصرها،إنها سيدة أعمال ريفية قروية،وذات مرة عقدت صفقة مع احدى الجهات فأرادت أن تدفع إليها مقابلا ماديا مقابل ما ستقدم لها من خدمات شراء منتوجها وتوسيع مشروعها.فذهبت البنت المكافحة إلى الوكالة البنكية منذ الصباح،ومكثت هناك الصباح كله تنتظر دورها،لا صف ولا نظام،بل مجرد معارف وهواتف وشيكات كان البواب لا يخجل في التوسط في صرفها عند صاحبة الصندوق لمن شاء ومتى شاء؟؟.حان وقت الغذاء ورغم أن البنك كان يعمل بنظام التوقيت المستمر فقد غادر الجميع لتناول الغذاء كما يدعون،وتركوا كل الزبناء ينتظرون وينتظرون على أعصابهم وضياع مصالحهم،وفعلا،لم يعودوا حتى فات الزبناء صرف الشيكات وتناول الوجبات بل وعقد الصفقات؟؟.


 


          لم تكن "رقية" بنت الواحات والأعالي تبخل عن مساعدة الغير وفعل الخيرات،لقد كانت تهتم بشؤون القصر ما لا تهتم بها الجماعة القروية ولا حتى السلطات المحلية،دون أن تكون لها طموحات سياسية ولا استغلالات انتخاباوية، فيكفيها أنها تمثل أرانبها و تنوب عن دجاجاتها وتحسن بها كما يحسنون بها،وكمحسنة معروفة في المنطقة فقد دخلت مع إحدى الجمعيات في بناء مسجد الحي،وبسرعة فائقة ارتفعت أعمدة المسجد وشهقت منارته وأقبل عليه الناس من أهل القرية والقرى المجاورة وهو لا يزال في طور البناء للصلاة والعبادة ومحو الأمية والدروس والمواعظ وتحفيظ القرآن الكريم..وكل شؤون الأمن الروحي،لكن ما أن فوتت الجمعية المسجد إلى وزارة الأوقاف لتساهم في استكمال البناء كما وعدت،حتى قامت هذه الأخيرة بتوقيف الإمام والخطيب والواعظ ودروس محو الأمية والدعم والتقوية وحتى تحفيظ القرآن الكريم،دون أي تبرير واضح اللهم ما كان من الهواجس والقيل والقال،ورغم كل الشكاوي والتظلمات من السكان فلا زال المسجد مغلوقا إلى اليوم،وخبر الأمن الروحي للمواطنين في خبر كان؟؟.


 


          لقد كانت البنت الطيبة كغيرها من أهالي الواحات والأعالي تتجرع كل موجات العنف الإداري اليومي الذي يلف حياتها،وكانت تنهل من حيويتها وطيبوبتها وتقول في نفسها يكفيني رحاب الأرانب والدجاج،ولما التشكي وقد وسعتني حظيرة النعاج والخرفان؟؟،لكن يبدو اليوم أن قساوة العنف ونار الغضب قد اقتحمت عليها كل الحدود وأحرقت ما كانت تبديه من الصدود والصمود،اليوم ارتفعت الأسعار تباعا والتهبت الدكاكين والأسواق والمكاتب والوكالات، أسعار الهاتف والماء والكهرباء من جهة،وتذاكير السيارات والحافلات ما كان منها للدولة وما كان للشركات،تدهورت القدرة الشرائية للمواطنين والمواطنات،وتكالب عليهم الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار والجوع من جهة،والأخطاء الإدارية والبيروقراطية وسوء المعاملة من جهة أخرى،و الرد المحنط لكل الإدارات إلى كل المشتكين:"أدوا ما عليكم ثم اشكوا ما حلت لكم الشكوى"؟؟،لكن المواطنين اليوم قد عرفوا طريقتهم للأداء وللشكوى ولم يصروا على غيرهما،لقد خرجوا في العديد من المدن والقرى في احتجاجات غاضبة ترفع شعارات من أجل الكرامة وضد الغلاء:"هاذا عار هاذا عار..المواطن في خطار"،"هذا مغرب الله كريم..لا صحة ولا تعليم"،"الفوسفاط وزوج بحور..والمواطن ديما مقهور"؟؟،تقدمت بنت الواحات والأعالي مسيرة قصرها و كأنها في حلقية جامعية ترافعية ساخنة في ليلة ربيعية بيضاء،بذلت كل جهدها للاستفادة من أجوائها النضالية الجامعية الترافعية الاستنكارية ولو لمرة واحدة،ومن يدري فربما يعود لها الإحساس بأنها شيء آخر..قد لا يكون شيئا مخالفا عن الأرانب والدجاج..ولكنه بالتأكيد إحساس نضالي جميل ورائع ولا أروع؟؟.


الحبيب عكي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : الحبيب عكي

أستاذ/فاعل مدني/كاتب   / الرشيدية , المغرب