أضيف في 17 دجنبر 2017 الساعة 16:08

هات يدك


عفراء علوي محمدي

اجتزت عتبة الباب فخفق قلبي بشدة مؤلمة.. انتابني خوف من صدمة المنظر الذي ينتظرني.. تثاقلت في مشيتي وتمالكت دموعي.. أصابني انهيار نفسي كلي.. تقدمت قليلا وأنا أجر قامتي بالكاد... اجتزت الممر لأصل إلى منتهاه حيث توجد الحجرة التي يستلقي فيها.. فكانت الصدمة المرتقبة : هيكل عظمي يكسوه جلد رقيق أصفر اللون.. وجه يبدو لي مألوف الملامح لكنه غريب في الآن نفسه.. عينان جاحظتان ونظرات ضياع واستسلام. اقتربت أكثر فأكثر إلى أن جلست بجانب الجثة الحية الميتة..


 


قيل لي إنه لم يعد يتذكر شيئا وإن وعيه بالأشياء أصبح نسبيا.. لا بل منعدما... قيل لي أيضا إنه لن يتذكرني.. قيل لي إنه يواجه الموت ويقاومها.. قيل إن السرطان قد انتشر في سائر جسمه.. إنه يحتضر.. إنه يتألم ليل نهار.. إنه لا يأكل ولا يشرب منذ أسابيع... إنه وإنه وإنه... وقيل وقيل.. فرأيت ما فعل به المرض بأم عيني... رأيت كيف استحال قطعة من الوهن والألم... قطعة موت تدب فيها حياة وأي حياة.. حياة ستتلاشى في أية لحظة.. وكأنها لم تكن يوما حياة..


 


- حبيبي.. حبيبي..


- شكون؟


- ماعرفتينيش آ حبيبي هاذي أنا...


أمسكت بيده فكانت هزيلة وباردة.. نظر إلي باستغراب وكأنه يرى وجهي لأول مرة..


- ماعرفتينيش؟


رفع يده عن يدي ليزيح خصلات من شعري كانت تنسدل على جانب من وجهي.. فتمتم بلفظ مكلف..


- عفراء.. عفراء..


- سمحلي آ حبيبي ماقديتش نجي نشوفك.. القرايا ماكاتتسالاش.. سمحلي..


- عارف..


 


ربت على راسي ممررا أصابعه في شعري... أمسكت يديه وقبلتهما.. تمنيت عندها عصا سحرية أضربه بها فيعود خالي كما كان.. في كامل صحته وعافيته.. تمنيت أن يشفى.. أن يزول المرض من الوجود.. تمنيت وتمنيت وما للطالب أن يغير شيئا بالتمني..


 


كان أول رجل يحضنني بين ذراعيه بعد أبي.. وكنت من فرط الخجل والفزع والارتباك أصرخ بأعلى قوتي وأبكي وأنا أحاول عبثا أن أستل جسمي من قبضته.. ضحك عندها وتفهم سبب عويلي ليعيدني إلى أمي.. فتخبره وهي تحملني وتهون علي بمداعباتها: مازال ماولفات عليك.. دابا تتعود...


 


كان عمري سنة وبعض شهور.. وكانت تلك المرة الأولى التي أزور فيها عائلتي بمدينة صفرو.. وأول مرة أكتشف أشكال وجوه خالاتي وجدي وزوجة جدي.. إلا أنها كانت كلها هلامية وضبابية.. عدا وجه خالي.. فهو الوحيد الذي استطعت حفظ ملامحه في مخيلتي منذ سنواتي الأولى.. لأنه حملني في غفلة مني.. وأصابني بذعر شديد كدت بسببه أن أفقد صوابي..


 


أذكر لقاء آخر لي به يوم زرته أنا وأمي وشقيقي بمتجر كان يشتغل فيه.. كان يبيع فيه أشرطة فيديو لبعض الأغاني والأفلام.. أهدانا عندها شريطين لفيلم "Le Roi Lion" وحاول التقرب مني ماسحا على رأسي بكفه.. إلا أنني رفضته بقسوة واختبأت مذعورة خلف جلباب أمي..


 


انجلى خوفي منه رويدا رويدا بعد أن تابعت أشرطة الفيلم الكارتوني بسرور مع أخي.. وإن كانت للفيلم نهاية مؤلمة.. وبعد أن أصبح يلتقط لنا نحن أطفال العائلة صورا كثيرة وفي وضعيات عديدة بآلة تصويره.. ويصحبني أنا وشقيقي وأبناء خالتي إلى غرفته في الطابق العلوي.. غرفة مليئة بالأشرطة والآلات الغريبة.. ويشتري لنا الحلويات واللعب.. من ضمنها دبدوب أحمر أهداني إياه...


 


كان دائما يعاتب أمي ويخبرها بأنها لا تحسن تربيتي بتدليلها لي.. كان يصرخ في وجهها على مائدة الطعام إذا ما أطعمتني بيدها.. مشيرا إلى أنني أحتاج تعلم تناول الطعام بنفسي.. وكنت عندها لا أجيد بعد ذلك.. كان يصرخ في وجه أخي أيضا ويقول له: "دير الشدق صغير"...


 


يملك خالي رقعة شطرنج خشبية كبيرة.. كان يعلمنا من خلالها قواعد اللعبة بحرص.. لا أذكر يوما أنني تغلبت عليه فيها.. كان لا يهزم أبدا... وكنت أطلب منه أن يلعب معي مرارا وتكرارا حتى أهزمه ولو لمرة واحدة... لكني على الرغم من ذلك لم أستطع يوما أن أتفوق عليه.. إلا أن أدائي بفضله تحسن كثيرا.. وأصبحت أتقن لعبة الشطرنج كالمحترفين..


 


بعد موت جدي كان يصحبنا ليشتري لنا المثلجات.. تارة كنا نرافقه إلى حديقة المسبح البلدي.. وتارة نصعد وإياه الجبل قرب شلال صفرو.. كنت في العاشرة من عمري.. وكنت أخاف المرتفعات... لكنه كان يمسك بيدي ويرغمني على الصعود في كل مرة.. هذا حتى نستمتع بجمال المناظر الطبيعية وننسى بؤس جنازة جدي..


 


أمسك يدي لنصعد الجبل معا.. ونرى الشلالات من منبع مياهها.. ونرى المدينة من الأعالي الشاهقة لنستمتع بسحرها.. أمسك يدي قبل أكثر من ثلاث عشرة سنة.. والآن أنا من يمسك يده وهو على فراش الموت.. أمسكها وليتنا كنت أستطيع عبرها أن أعطيه طاقة الحياة التي كان يعطيني إياها في السابق.. أو أن لا فرق بين الحياة والموت والماضي والحاضر سوى خيط رقيق؟ سوى أنه بالأمس كان يساعدني على صعود الجبال والقمم.. وأنا الآن أساعده حتى تصعد روحه إلى السماء وينتهي كل عذاب؟


 


لم يعد يقو على الحراك أو الكلام ولا حتى الأكل أو الشرب.. لم يعد يجيد شيئا عدا الهلوسات والصراخ والصراخ... كنا نأمل شفاءه.. ندعو الله أن ينقذه.. ونتذكر جميعنا لحظات قضيناها معه.. فنفتقدها ونشتاق إليه.. لكننا فهمنا بعد ذلك أن لا مفر من موته.. صحيح أنه كان عصبيا وكان يصرخ في وجهنا جميعا.. ولكن قلبه يسع الجميع.. وهو لا يستحق ما يحصل له.. لا يستحق بحق... لكن ما باليد حيلة سوى الصبر والبكاء...


 


إن كان الموت سيختطفه حتما ولو مبكرا.. فليفعل.. وليعجل في ذلك لأن لا أحد منا يحتمل أن ير الخال يتعذب يوما بعد يوم.. وإن كنا لا نقدر على فراقه.. لكن ما باليد حيلة سوى الصبر والبكاء...


 


كان يطلب من بجانبه ويقول له: "هات يدك".. نمسك يده جميعا وبالتناوب : تارة أمي.. وتارة خالتي.. وتارة ابنته مريم.. وتارة أنا أو أخي أو أبناء خالاتي... نمسك يده لنهون عليه عذاب الحريق.. يتمتم: "ربي كايربيني".. يتلفظ بكلمات غير مفهومة ثم يقول: "أنا آشنو درت؟"... يصمت ويقول: "هاهوما جاو"... يشير بأصبعه ناحية الأمام.. ثم يصرخ من فرط الألم ويقول: "هات يدك !" فنتسابق للإمسك بيده.. لضمه.. فنبكي في سر معه ونبكي بحرقة حين نغيب عن ناظره.. وما باليد حيلة حقا سوى الصبر والبكاء...


 


مسكنات الألم لم تعد تجدي.. قارورة الماء لم تعد تنفع.. كأس الحليب أيضا.. أصبح يدفع ويرفض حتى من يجلس بجانبه.. لم يعد يرغب في أي شيء.. لكنه يقول ويردد : "هات يدك.. هات يدك.. هات يدك..." ثم يصرخ ويصرخ...وينادي بأسماء أصدقائه وأقربائه.. الأحياء منهم والأموات... ويصرخ ويصرخ..


 


جلست خالتي بجانبه، تناولت يده.. فسكت عن الصراخ.. بدا لي الأمر غريبا.. التفت جهته فعجبت لحاله.. أصبح خالي قطعة خشب لا تتحرك.. لا تتنفس.. لا تصدر أي صوت.. قلت لخالتي في حرقة: "خالتي كايبان لي بلي صافي مات.." فقفزت ابنته المسكينة التي لم تتجاوز بعد ربيعها الخامس عشر لتصرخ بأعلى قوتها: "لا مايمكنش بابا يموت.. مايمكنش.. لا بابا مازال حي.. حرام عليك أ عفراء بابا مازال كايتنفس... هانتي أعفراء شوفي..." فعلا... كان يتنفس بطريقة غريبة... ضممت مريم إلى صدري واعتذرت فأجهشنا معا بالبكاء... لكن بعد ثوان... كان خالي قد انتقل فعلا إلى العالم الآخر.. وللحظة جفت دموعنا... وصار بعدها جميع من في البيت يبكون...


 


لم أكن يوما أتوقع أن يموت خالي ويتركنا بهذه البساطة.. أو أن يصبح منزل العائلة بصفرو مهجورا بغيابه... لا أعلم حقا أين ذهب.. وماذا يفعل.. هل هو تحت التراب فعلا أو في مكان آخر؟ هل هو مرتاح؟ سعيد؟ أ لا يحس بالألم؟ هل يتذكرنا؟ هل يشتاق إلينا؟ أو أنه تبخر ولم يعد منه شيء سوى الذكريات والصور؟


 


أنا أحبك يا خالي.. يا حبيبي.. فلترقد في سلام... وليرحمك رب الكون ويغفر لك..



-----------
عفراء علوي محمدي
مكناس، 17/12/2017


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : عفراء علوي محمدي

كاتبة صحافية   / مكناس , المغرب