أضيف في 17 دجنبر 2017 الساعة 15:18

الحاجة إلى رؤية اجتماعية (2)


العربي الرودالي

*الجزء الثاني

الحاجة إلى رؤية اجتماعية (2)

( بين الاجتماع والتجمع )

+حضارة الغرب وصناعة الفرد:

- هذه الوصلة لم تتطرق إلى هذا الجانب الحضاري الكوني،المتطور والفائق والجميل والمدهش، إلا لسبب واحد، وهو ما يمس المجتمعات من ميوعة وانحلال وضياع...في أركان شتى من العالم .. فرغم الريادة الحضارية التي اكتسبها الغرب بجهوده، فإن ما حصل له من تفتت أخلاقي، بعد تجاوز المرحلة العقلانية القويمة التي كانت، واعتماد الحرية الفردية المطلقة التي صارت،هو ما سيجعله بهذا التوجه، عبارة عن فرد مقابل آخر منفصلين، ينقاد كل منهما إلى حالة ديمومة استهلاكية جشعة تؤطرها، في سيرورتها، قاعدة الهدم والبناء...إن كل هذا، في حقيقة الأمر،هو من شأن هذا الغرب واختياره، ولا دخل لنا نحن الشعوب النامية في ذلك أو غيره..لكن مجتمعاتنا ستنقاد قسرا لهيمنته في تبعية منمذجة، ليس لنا إلا الانصياع لها... فهذا الماكرو/ تمركز حول الإشباع لدى الغرب دون حدود، وفق ما يسميه "حداثة"، في نزوع أقوى نحو الطبع المادي والحرية الإباحية، سيؤدي زمانيا إلى حالة انفلات، مجهولة العواقب بالنسبة إليه، وبالتالي إلينا خاصة، نحن الذين لا نملك في حالتنا الحاضرة مناعة تصمد أمام اكتساح ماديته وغزو ثقافته.. إذن الأمر يهمنا نحن أكثر.. فالإنسان، في طبيعته وطبعه، خلقا وخلقا، هو عنصر تتأسس عليه مقومات العمران، من جهة، وتخليق الوجدان من جهة أخرى، وإلا سيكون الضياع مآلنا...غير أن ما يلاحظ في صيرورة هذه الحضارة، أن الكثير من أدبيات الفلسفة الغربية الحديثة قد صارت تنحو أساسا منحى تأليه الفرد أكثر، انطلاقا من الفصل بين"الأنا" و"الآخر"،أي الفرد والإنسان، المتوخى منهما أن تتضافر جهود الواحد مع غيره أو مع الآخر المشابه له في هذه الحياة المشتركة، إلى ما هو أفضل.. فقد أثرت هذه الفلسفة المعاصرة سلبا، على المجتمع الإنساني في الغرب وغيره، حيث بدأ التوسع والانتشار لها...وعلى سبيل المثال، فإن فلسفات كل من توماس هوبز الذي يعتبر"الآخر"ذئبا لأخيه الإنسان، وفريدريك نيتشه الذي يعتبره عدوانيا بالطبع،وجان بول سارتر الذي يصفه بجحيم لا يمكن إقامة علاقة سوية معه، قد تأسست على نظر مجرد من كل ما هو تلازم..وبهذا تتكرس الأنانية ضد الآخر وتدفع إلى اللاتواصل..فكيف تعمم هذه الفلسفة ، وهي التي كانت من قبل قيما عقلانية رفيعة ؟ .. أليس هذا الصنف من الخطابات المتمردة هي خوض قاتل للوجود الإنساني؟ أليس موت الإنسان فيها، هو فك الارتباط مع المجتمع ثم تدميره؟ إنه منظور غير اجتماعي، مؤسس على منظور إيديولوجي فكري، له حقا حساسية مع مآس إحباطية في تاريخ الغرب وقلق الوجود، أخضعت، أي هذه المآسي، الإنسان الغربي في ظروف حرجة، أثناء نهضته الاستعمارية وتهافته على المصالح الجغرافية، إلى حروب للتنافس من أجل السيطرة على الآخر المختلف حضاريا في العقر وخارج الحدود... فمن هنا صارت هذه الفلسفات الحادة، بمنظورها السوداوي، تجرد البشر من اجتماعيته وتفقده الثقة بنفسه وبالمثيل له، حتى صار كل ينظر إلى الآخر عدوا ومنازعا له... وبذلك تحول الاجتماع، إلى كيان مادي صرف، في السيرورة الثقافية الحداثية للغرب وأتباعه... ونفس الشيء، حتى بالنسبة لكثير من الأمثال الشعبية، التي بدأت تتفاقم هي الأخرى في مجتمعنا الراهن، لتصب فيه التنافر والأحقاد، مثل:(مادير خير ما يطرا باس- احضي راسك ليفوزو بيك القومان- كل واحد تيقول غير راسي يا راسي- الأقارب عقارب - والله لو ما تكون ذيب حتى ياكلوك الذياب، إلخ...)..إنه سقوط للأنسنة وقيمها، التي يجب أن تطهر وتنتقى تربويا.. قد يكون كل هذا قائما على خلفيات ما، لكن لا يجب على ثقافتنا أن تتخذه قاعدة، وإلا سيصير المجتمع بكامله عبارة عن تجمع فقط... إنه منظور تحريضي مدمر للفعل الاجتماعي.. وهذا ما جعل هذه الدراسة تخضعه للنقد

العربي الرودالي

*ملحوظة: هذا العمل هو أصلا عبارة عن دراسة سوسيولوجية مطولة، اختصرت إلى هذه المقاطع التالية، لمساعدة القارئ على التركيز...( يتبع )

 

 

 

 

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : العربي الرودالي

باحث في علم الاجتماع   / تمارة , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق