أضيف في 16 دجنبر 2017 الساعة 19:54

الخيانة الكبرى


رشيد اليملولي

الخيانة الكبرى .

يقول تشي غيفارا :" لا شيء أسوأ من خيانة القلم ، فالرصاص الغادر قد يقتل أفرادا ، بينما القلم الخائن قد يقتل أمما " .

يخون المفر حين يكتب تحت الطلب و بإيعاز من نزوة و سلطة تشتم فيها رائحة توجيه الوعي و الفكر و التصورات ، لخدمة نيات غير بريئة ، و يخون حين يكتب لا تقتضيه ضرورة الفكر و العقل و المنطق ، يخون حين يراوغ ، ويقدم بضاعة ، و يتحول بذاته و بضاعته إلى قيمة تسويقية قابلة للترويج و للمزاد العلني في أسهم التلذذ ، و قيم السوق و البورصة ، و قد ينجح حين تتحول كتاباته إلى " مرجعية " لبناء الأفكار و الأحلام الواهية ، يرتادها من رضع من لبنها ، ليغدو " نجما " في سماء العلم و الثقافة تطبل و تزمر له وسائل الإعلام ، بإشارة من مطبخ السلطة ، و ينتقل سلم القيم من التحريض و النقد و المشاكسة و الممانعة ضد كل أساليب التنميط و الرعوية ، و ذلك ضدا على كل رغبة في احتواء الفكر و العلم و الثقافة ، إلى أداة لتسلق المجد الاجتماعي ، شراء نفوس اعتادت بحكم طبيعة علاقتها بسلطة مرجعها ، أن تصفق و تبجل و تنحني و تركع ، و أن تستكين لقيمها التي اعتادت عليها في أن تكون حطبا للسلطة ، تحارب به من يسعى لإنارة شمعة في الطريق ، فكم هي الأقلام التي اغتالت أمة ، و اغتالت أجيالا في سبيل سلطة تتنكر لأبسط الحقوق ، هذه السموم المبثوثة في ثنايا القول و الخطاب و الإيماءة و الإشارة و الفعل و المصدر و علامات الترقيم ، و كأنها قول فصل فيه فصل المقال ، الذي لا حجة بعده ، تطبيل بمصطلحات دون معناها ، و احتفال بالمصالحة و الاستكانة ، و ترويع الناس بمفاتن السلطة ، و هذه بعض من سمات الفكر الخائن .

ويخون الفقيه حين يتحول الدين عنده إلى مجال حيوي لمصالحه ، يشرع متى شاء و يحرم حين تهدد حرمات مصالح ، و يقنن ما بدا لها متماشيا مع النظام العام ، و إن كان هذا النظام رمزا من رموز التخلف و الاستبداد و تضييع الحدود و الحقوق ، و حين يطالعنا بفتاواه الهامشية التي لا ترنو ببصرها نحو القضايا الإنسانية ، و قضايا العدالة في أبهى تجلياتها ، يجانب الصواب و المهمة الحضارية حين يغالي من مفهوم " الأمن " على حساب القضايا الراهنة و المستعجلة ، و التي من ضمنه قيم الحضارة في أبعادها التنموية .

يخون حين يحصر اهتمامه في قضايا الهامش الإنساني ، ولا يستطيع بحكم طبيعته أن يناقش أو يجتهد في التأصيل المفاهيمي و السياسي و العلمي ، و يبز ما استجد بالقيم المضافة و النوعية ، يحاصر بها الدلالات الثراتية و الهواجس الميتافيزيقية التي أعاقت المسير و أردته ردهات من الغيبوبة و التنويم و الاستكانة و غياب التمكين و الأخذ بالأسباب العقلية منها و النفسية ، و أن يناقش السلطة في الهدر الحضاري المتأتي من الشوكة و الحكم باسم القبيلة و صحة النسب و تعاليه ، أي أن يناقش سلطة أصلها فتنة ، و إن كان من " فائدة " منها فهي لا تعبر عن العصر .

لقد أضحى الاجتهاد عن الفقيه الخائن ـ الخيانة بالمعنى العلمي و ليس السلوكي طبعا ـ خطب جمعة لا تحرض على العقل ، بل تستبلده بتفاهات و آراء و تصورات لو سمعها الكافر لأمعن في غيه و كفره . يخون حين يجلد الإنسان ـ المواطن ، و لا ينبس بكلمة حق تجاه من أبد الأزمة و قتل الشعوب جوعا و علما و فنا و إنسانية في سبيل " أوهام " فتنة لم تعشش إلا في لا وعي فقه متواطئ في المبدأ و الوسيلة و الغاية ، فقيه لا يجرؤ على نظام سلطة ، و يتحول إلى أسد حيال فتاة " متبرجة " ، أ قضية عابرة .

و يخون حين يغرق في ثقافة التودد من أجل الاستسقاء ، و لا يصلي من أجل التمكين العلمي و الثقافي ، يرتبط و يربط الناس بالله في أوقات ، و ينسيهم حقوقهم في الله في أحايين كثيرة .

يخون القاضي حين لا يكف عن تصدير و تدبيج القانون بالحق و الشرع و المواثيق ، و هو يعلم علم اليقين أن ما سطره أداة للظلم المنظم .

يحكم بناء على أقلام تقطر منها رائحة الدعم و الاعتقال التعسفي و التعذيب ، من أجل حقيقة ضاعت أصلا في ردهات النيات و الأقلام المسطرة ، يأمر و ينهي بناء على حقائق منسوجة يراد بها أمر دبر بليل ، تلفح حروفها نار الرشوة و المحسوبية و الزبونية ، و نادرا ما يحكم بناء على يقظة ضمير و حس إنساني .

يبني حكمه على أقلام خطت قانونا مشوبا بثغرات يموت فيها الإنسان يوميا من غياب العدالة ، فصول بنود خطت و رائحة " الهوى " يقطنها و يعشش فيها إلى درجة الثمالة ، و نادرا ما تجود بمضمونها ، نصوص فيها من اللعب و المخاتلة و المكايسة أكثر مما فيها لامن الحق و العدل و الفضيلة .

و يخون و يخون و يخون الأستاذ حين يخون بوعي ، بتجهيل الأجيال ، و تربيتها على أساليب الممانعة ضد الحس النقدي و الابتكار و الفعالية في إسقاط سلطة الشيخ ، و إعلاء كلمة قانون التغير و التغيير بعيدا عن القوالب الجاهزة و الأستاذية المفرطة ، فحينها تكون الخيانة مزدوجة بقتل حيوية و حركية الإنسان ، و إقبار إمكانات الفعل بناء على الاختلاف في زوايا النظر

يخون حين يتعالى على الزهور بالأستاذية ، ظنا منه أن مبلغه من العلم و غاية مناه أن يصبح صاحب وزرة و راتب شهري ، تنتهي عنده المعرفة و تتكامل عنده الثقافة ، لا يجيد و لا يبتكر ولا يجتهد و لا يحفر في الصخر من أجل أن يصنع يوما ما أبطال حضارة إنسانية .

يخون حين يستقيل من المسؤولية ، لينتقم من عملية تنظيمية و إدارية دون حس أو نزوع نحو الإنسان ، و يخون حين يرني على الغش و التدليس و التغاضي عنه بدعوى روح العصر ، يعاند كل مبررات وجوده من أجل الانتقام من أجيال ، قد يكون فيها من يحمل المشعل و يسعى نحو التغيير و البناء .

إنه يخون حين يموت فيه حلم العلم و أنفة الرجولة و عظمة الفكرة ، ، لصالح أوهام هي من وحي ضعفه و هوانه ، مهما كانت العقبات ، فحري به أنه ابن لمن مات من أجل فكرة ، و أبدع من أجل الإنسانية .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :