أضيف في 15 دجنبر 2017 الساعة 11:50

موجبات الصمت والانتظار


نورالدين البودلالي

صمت..

صمت..

يأكل المكان الفراغ الأجوف؛ وجه مجذور تكتمل دورته، ذاك بعينيك العالم رسم صغير، أيادي تتعانق دائرة..

وأنا.. وأنت..

صمت..

صمت..

هاهم الرجال بحت أصواتهم، وهبط سعرها بالسوق، لبسوا جلاليبهم الثانية ثم فارقونا في حر القيظ.

ها هي الخيول فقدت صهيلها، والتصقت قوائمها بمتاحف العالم: "خيول عربية !!"

ها هي شفتاك وحدها تحترق، تنشد ما الصمت: الغربة.. التيه.

ذا سرك القدسي: الصمت غربة.. الصمت تيه.

كالقمل نصير أقزاما، نشد على اللحظات فصائل زمنية، نقعدها بكل الحب.. ونترقب.

***********

والأطفال: أين الأطفال؟ سألت. تحركت غربة أجسادنا صقيعا، فتشنا عن لغة منا هجّرناها عن مدينتنا. أين الأطفال؟ سألت. وثديك يفيض حليبا نقيا. كان الرجال كمموا لهم أعينهم آذانهم، ثم كبلوهم أمام الغول ذا الصور. لا أذكر متى كان ذلك، لا أذكر: في غبش الصبح، في طنطنة الزوال، أم في عتمة الليل. كان ذلك في كل متى.. كان ذلك في كل متى. خنقوا سر الحياة بالورود الصغيرة هجّروا عنها الماء أخذوا قيلولتهم: «سياسة تقشفية!!»

ما تعنيه ابتسامتك الجانبية؟

ما تعنيه: لقد تلبد بنا الخجل

ما تعنيه: لقد سكننا النزق

ما تعنيه: لقد أصبحنا من الانتظار انتظارا؟

كلا.. كلا

لسنا في زمن البكاء

كلا، لا وقت لذلك

مزيدا من الهواء تجري عليه أصابعك المصبوغة بالحناء، تعزل عنه حشرجات الأصوات الميكانيكية، والأوقات المضبوطة..

وأنا وفصائل الزمن ننتظر.

*********

منذ دقائق تصاعد نحوي القرف والخوف والغثيان

ألم يخدش بالقلب والرأس ببطء: تنين رعى بالصحراء جوعا وعطشا، واشتعلت عيناه بكل الحقد والنار، ينتظر سقوط منديل أوزيس معطر بدماء أعرفها. أزرع يداي المعروقتين بالعالم، فتأتيني وقد نخرها التعب. وقيل: سُلّمٌ واصعده إن شئت. فضحكت. ضحكت.. حتى رأيت العالم طفلا يعدو ويلف نفسه حول نفسه كالدوامة،

رأيت الأم بيديها الخشنتين تمسح شحوبي،

رأيت أختي تنفخ على غراف شيح.

ورأيت أبي بركنه المظلل يغزل صوفا.

وحدك.. وحدك كنت الطفو، شمس سرمدية تسعفني كلسيوما وحديدا بأشعة بسمتك.

وكنت أوقت جسدك لحظتين

لسفر متعب وقاتل.

استوطننا الدفء.. استوطننا الدفء،

أنا وفصائل الزمن الدقيقة

نبحر باللحظة –فيك- الآتية،

ونقول بعد موت فصيل: الآتي حتما

الآتي حتما.

فتنفتح طبول آذاننا حتى فضاء الترقب.

وتعرقين.. تملئين صدرك بهواء الزمن الغائب عنا، هذاك الذي أتى/لم يأت.

**********

قالت أمي، والحكاية طويلة مدى الطفولة قبيل النوم، وآناء المرح، تحمل هناء قبيلة بسترة الله على ناس طيبين. والناس الطيبون حيارى، بكر عليهم غريب صباحهم: له لغة غير لغتهم، صلاة غير صلاتهم. ذبحوا النوق والخيول والشياه، وهجرت رائحة السمن مخابئهم. والحكاية طويلة. لأن بالليل انتعل الغريب حذاءه المطاطي الأسود، أسقط خيمة أفقر فقير القبيلة، واغتصب أجمل بناتها. عائشة: لون عينيك، تسريحة شعرك، قامة قدك، رنة صوتك. والحكاية طويلة حبيبتي. لأنها صاحبت الحقول والغابات، خمدت بالقرنفل والورد جرحها، غسلت بماء الوادي وعسل النحل البري صمتها، بالشمس والحقد توجت خصلتها، وزفت نفسها للبارود والنصل.

هل ننتظر؟

قونديشة، امبريكة، العفريتة، الغولة: أسماء لم تقعدنا. خرجنا أطفال القبيلة فراشات الحقل: منا المزغردات وأصحاب البارود، الناقرات على الدف والراقصون: عائشة تعود على ظهر أسد سيدي رحال، تزرع الربيع فصلا بكل الصحاري.

أبدا حبيبتي، أبدا لم نكن وحدنا.

رجال القبيلة كذلك منتظرون: بالخلف الفقراء عبيدا، وبالواجهة الشيوخ وذووا الأمر يوشوشون للغريب أن الجند مترقبون أمره: أرذال نابليون. كذلك حبيبتي

قال الغريب: سترى اللعينة.. نسحقها

قالت النساء: أطفالنا؟؟

قالت أمي والحكاية طويلة

نسجت الأحرف والكلمات، وضحت المعاني، لا التباس. النساء لسنين حكين صوتا لغما، صافيا قويا، أصيلا ريح شتوية مسحت عن السماء تلبدها، الأرض لمت غبارها، والشمس غير آسنة. وعائشة طفلة بقفطانها الأبيض الشفاف تأتي عبر الحقول كالحلم. ونحن، أطفال القبيلة، انتظرناها بسفح الوادي تحت قمتي الأطلس. لجزئيات من زمن الانتظار، سمعنا انفضاض الأمر: سقط السؤال: من؟.. رسم عالم، صهلت الخيل، فضت بكارات السماء. ماتت اللحظات الآسنة، وصفا الصبح.

الأطفال، لعبنا أشياء قديمة، وأخرى كثيرة ابتدعناها بعد.

لا وقت للراحة

نسجنا لعروساتنا الجميلات تيجانا من ورد المزارع الوحشية

لا وقت للراحة

عضضنا على أطراف فوقياتنا نعدو بالخيام، ننقل ذاك النبأ:

مات الغريب، بأغنية الربيع

صوت حكت النساء عنه سنينا، ثم انتسى. غاب السؤال عنا مرة أخرى. مرة أخرى أنتظر وفصائل الزمن دقيقة.

*********

نحذرك نفسك من مفاتن ترقد تحت الإبط وبين ربيع العانة

نحذرك نفسك من دلال مفتونتك

وقال ذوو العقول الراجحة بعد اجتماع: هذا العلم منزل.

تواطأت..

آه لقد تواطأت، والحملة تجيء حين تغيب المناعة. قدفناك إلى غياهب مجهولٍ، وعثينا بالبيداء تشردا. سرجت حماري وغادرت المدينة، بيدي اليمنى حربتي، وباليمنى قرطاسي، وتحت قدمي صحراء تعرفني. رحلت أفتش عن نشوة... غفوة. سقطت صورتك. تلك ملامحك، لا تخادعيني تلك ريحك. وحده الاسم يغيب/مغيب. أدركت في لحظة صوفية أن لا إسم لك، لأن لك كل الأسماء

لك أسماء المدن والبوادي،

الموانئ والبراري،

الألم والأمل،

لك أسماء نامت بعيون الأطفال،

بسنابل الحقل،

بمناجم الفحم،

بمعامل البتر،

بمتارس الجند،

بأرقام الاعتقال:

بكل ولادة جديدة.. بكل ولادة جديدة،

أنت.. أنت.

غربتك.. لا غربة لك،

تيهك.. لا تيه لك،

مقتك.. لا مقت لك.

سرك ذاك القدسي، نغتسل به حين نولد، نزفر به المغص الموجع، ننهي به الحلم المورق، نكتب به أمل الفجر.

قيل: ها العالم سعيد، فلما أنت شقي: أنت قطري وقومي ورجعي؛

وكيف تتغرب بالصحراء، وبالمدينة يحسن التغرب.

للحظات ذبت في صوفية المكان-الزمان الذاهل

رأيت الأم تحزم سفائف سنبل وتعض على الشفة السفلى

رأيت الأخت تنفخ على غراف شيح يسكن ألم البطن السفلي

رأيت الصحراء تبكي حبات الرمل

وحده أبي بظل الركن يغزل صوفا، وحده يدندن:

«نِينّي آمومّو..

حتى يطيب عشانا..»

ووحده مومّو يرفض أن ينام، حبيبتي. بعينيه سكنت نار فرن أختي، وبأليافه سكن وجع أمي. حزينا يقطر وردة حمراء للبيضاء وبيروت، حزينا يترقب لحظة انطلاقته السهمية، لحظة انطلاقة: ذا سرك القدسي

حين يشرخ سكتة المكان صيحة مواويل وحشية، لا أذكر إن كانت عربية أم شلحية، فالأمر سيان

تأتي شمس غير الشمس

وردة غير الورود

هواء غير الهواء

لم الترتيب؟

تختلط علينا الأشياء الجميلة، نعدو في كل الاتجاهات، ننقل للدور الفقيرة بفرح الطفولة:

مات التنين

أفرغ بنو عامر

عاد بنو طيء

لم الترتيب؟

نعدو ثانية بكل الاتجاهات

*************

ثانية القرف والخوف والغثيان ينهشونني

ثانية رفع السؤال وغابت الأسماء

ثانية ننتظر أنا وفصائل الزمن الدقيقة ربح صدرك لهواء ممكن..

ماذا تقولين فيها.. ماذا تقوينها؟ تنفجر الأشياء، ستطير النواقص أشلاء بعد جزيئات زمن.

لننتظر.. لننتظر أشياء أخرى أعيننا عليها: دمياتنا ترقص، قوائم خيولنا تصهل، رجالنا أياديهم تنخشن، والنعاج تلد. سيعود للمدينة خرفانها المهاجرة، وينفضّ عقم النعاج: ستلد النعاج. وأمي.. أمي ستلد، والرجال للحقل يدبون. الحقول ستلد، الشمس ستلد، الوردة الحمراء ستلد.

لا وقت للراحة، فصيحتك مقبلة

تقيء للآلام والجروح والسهام الملغومة، أنشودتك.

لا وقت للراحة.

فقط،

أزند فرن أختي وغضب أمي بجذور الكلمات.

نصائح ذوي العقول الراجحة

خطب السياسيين

وعظ أئمة الجمعة

دندنات أبي المنومة

وما أكرهه.. وما تكرهينه.

نخرس الصمت المغشوش، نجحض الأعين المفقوءة، نرعب القلوب الميتة.

نرعد القرف والخوف والغثيات،

نرعد الخيام والأزقة والمصابيح الصفراء،

نرعد الميكروفونات وأحرف الطباعة، وساحات التماثل.

لم الترتيب؟

الأشياء الجميلة ننتظر الآن

والآن غي الآن: لحظة ولادة مقبلة، ولادتنا الجديدة.

لا وقت للراحة.

فقط،

نعيد للعالم سكونه الجوهري.. صمته.

صمت.. صمت..

حبيبتي تلك البسمة وردة غجرية

صمت.. صمت..

كفاك جمعا

صمت.. صمت..

كفاك ريحا

واصدحي

سطات: 1986

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق