أضيف في 12 دجنبر 2017 الساعة 17:19

أفكار حول نظام التعليم بالمغرب


نورالدين البودلالي

 

       1-جل الدراسات والتقارير، إن لم نقل كلها، تؤكد أن المستعمر حين غزا الدول العربية والإسلامية، التي تدخل ضمن الدول المشكلة للعالم الثالث، سارع إلى إحداث نظام تربوي تعليمي ينعت بالحديث، الغرض منه استنبات قيم الليبرالية والعلمانية والحداثة المعارضة، آنذاك، لقيم دول ذلك العالم الثالثي. قرر الغزو تدشين الممر السالك والآمن لتسريب قيم الحداثة وغرسها، طوعا أوكرها، بتلك المجتمعات التي كانت تُعتبر مغلقة بحكم ثقافتها وتقاليدها. في المقابل كان على هذه الدول الثالثية أن ت"تسامح" بقبول منظومة المستعمر الفكرية باعتباره الحامل لمشعل التقدم. فكان. أصبحت المدرسة العربية الإسلامية، في ظاهرها على الأقل، حديثة: أُنشئت المؤسسات التعليمية، وقسمت الدراسة إلى أسلاك، وأُحدثت طرق ومناهج الغيت معها الطرق التقليدية... لقد اتخذت دول الاستعمار قوة السلاح والحديد للسيطرة على الأرض، لكن أيضا لغزو ثقافي جعلت قاطرته التربية والتعليم. وكان من الطبيعي أن تهب تلك الدول الثالثية إلى المقاومة، إن على المستوى العسكري أو الفكري. فكان من دعا إلى العودة إلى الأصول والتشبث بالمقومات الثقافية الأصيلة والقيم الروحية، وكان من دعا إلى مقومات الثقافة الحديثة وقيم الفكر المتمدن.

     2-في كتابه "أضواء على مشكل التعليم بالمغرب" أكد محمد عابد الجابري سنة 1975 ان التعليم بالمغرب في أزمة حقيقية، وقدم تصورا قابلا أن يبنى عليه توجه ميداني لربط التعليم بالواقع المغربي. في الوضع الحالي لاتزال كل التصريحات الرسمية (المحلية والدولية) أو البحوث الأكاديمية تؤكد انخفاض المستوى التعليمي وتخبطه في كثير من المشاكل اللوجستيكية والبيداغوجية التي تعيق تحقيقه للنتائج المرجوة. الأصابيع تشير إلى اتهام التلميذ الذي يرفض التمدرس؛ و/أو الأستاذ الذي يمتنع عن أداء واجبه المهني، بل والوطني؛ و/أو الآباء الذين تخلوا عن دورهم، وصولا إلى موادٍ اعتبرت عائقا أبستمولوجيا يوقف عربة تقدم التعليم، انتهاء بالتقدم المجتمعي (الجدال المفتعل حول مادتي التربية الإسلامية والفلسفة) ... في حين تتجه كل هذه الفعاليات إلى اتهام الإرادة السياسية للدولة نفسها بكل مراتبها.

لا أخال أن هناك من يفكر في إعادة النظر في شرعية المدرسة الحديثة، والجميع لا يجادل في كونها المؤسسة التي تكفل تعميم التعليم على الأفراد وترفع عنهم الأمية. الحقيقة أن التعميم والتوحيد والمغربة قد تحققت بالمغرب بنسبة ملفتة، بينما ظل التعريب يعرف تذبذبا ملحوظا لاتزال تدحرجاته معاشة إلى يومنا هذا. غير أن تلك النسب الملفتة لم تستطع أن تخفي الحقيقة السطعاء: غياب الجودة والفعالية المتمثلة في ضعف اكتساب التلميذ المغربي لعدد من التقنيات البيداغوجية والمحصلات المعرفية إن على المستوى الكيفي أو الكمي، أو هذا على الأقل ما اعترفت به الوزارة مؤخرا. هذا استدعى ويستدعي القيام بإصلاح المنظومة التربوية والتعليمية. لهذا الغرض وُضعت سياسات وكُونت لجن لتنفيذ بنوده، منذ1957 إلى2017 لكن كان مصير الجميع الفشل، بل تم توقيف بعضها بعد أن صرفت فيها ميزانيات ضخمة.

         3-لا مراء في كون المدرسة الحديثة منتوج رأسمالي ليبيرالي. وقد عملت، كمؤسسة ضمن أخريات، على تحويل المجتمعات الأوربية من نمط الإنتاج الفيودالي إلى البورجوازي. وقد كلفت بتسريع ومراقبة التغير الاجتماعي والحفاظ على الوضع الصائر، مع جعل التنافس بين الأفراد القيمة العليا لتحقيق المرامي المرسومة . ومع تطور الأوضاع مالت هذه المدرسة للدفاع عن قيمة العلمانية، في خطوة نحو فك الصلة بالكنيسة، وفصل العلاقة بين الدين والسياسة. القيمتان، العلمانية والتنافسية، فرضت على المدرسة، على المستوى النظري، تحقيق أدنى شروط تساوي فرص اكتساب المعرفة والنجاح والترقي الاجتماعي. عمليا كان ذلك عسير التحقق لِمَ يعتري المجتمعات من شرخ طبقي. اكتساب اللغة، مثلا باعتباره النموذج الشائع، لا يمكن أن يكون متساويا بين جميع الفئات المجتمعية، إذ يجد أطفال الفئات الدنيا صعوبات أكبر في سرعة اكتساب تقنيات القراءة والكتابة بالمقارنة مع أبناء الفئات الميسورة، مما يؤثر على التحصيل الدراسي.

أعتقد أن مكمن التعارض بين المدرستين، الغربية والمغربية، يبرز في هذه المتبوتات. فعلى خلاف الغرب، الدولة المغربية يتحكم فيها المخزن، بمساعدة لا مشروطة من قبل القبيلة، والأعيان. في نفس الاتجاه، تعطي الدولة الريادة للدين الإسلامي وقيمه، وتجعل للغة العربية اللغة الرسمية، مع إقرار بالتنوع الثقافي والاثني. أعتقد أن التمسك بالواقعية والموضوعية، وعدم انتهاج الطوباوية، تفرضان علينا أن نعالج قضايا تربوية وبيداغوجية انطلاقا من المعطى المعرفي والسياسي اللذان يشكلان كنه الكينونة المغربية. لذا أرى أن المدرسة المغربية ليست علمانية بالمعنى الذي تتعرّف به المدرسة الغربية، وتعمل على الحفاظ على الوضع القائم، المتمثل في شكل السلطة التي تشرف على النظام التربوي وتوجهه، مستخدمة كل ممكناتها للحفاظ على وجودها. قيمة العلمانية غير مثبتة بالنسبة للنظام التربوي المغربي، وذلك لأن الشرعية السياسية للدولة قائمة بالأساس على الشرعية الدينية، باعتبار أن الملك يمتلك صفة أمير المؤمنين، وأن الدستور، كما سبق قوله، يبوئ الدين الإسلامي مكانة الصدارة، ويعرف الدولة المغربية بكونها بلدا عربيا مسلما.

 

 

---------------------------------------------------------

1-انظر الخمار العلام: المعرفة والسلطة: دراسات في التربية والطفولة والجنس؛ نشر تانسفيت؛ الطبعة الأولى 1995؛ ص: 13


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق