أضيف في 12 دجنبر 2017 الساعة 00:48

يتيمة المدائن: أحلام تصعد بنا إلى السماء, وواقع يردسنا بالأرض


نورالدين الطويليع

وأنت في يتيمة المدائن, عاهد نفسك بأن تجعل بينك وبين البسمة والابتسامة حجابا مستورا, احمل معك حزنك أينما ذهبت وارتحلت, وإياك ثم إياك أن تتركه قائما يبحث عنك في لحظة شرود, أو لحظة انفلات, فهو بعضك الذي لا ينبغي لك أن تتركه, مهما أوهموك بأن المستقبل أحسن, وأن الكلمة الفصل ستكون للفرح والسرور بالمشاريع الضخمة العملاقة, هي أضغاث أحلام ليس إلا, سايرها أنت كذلك في الحلم, تخيل اليتيمة وأنت تدثر جسمك بالأغطية، مدينة أنوار كاشفة، وطرق عابرة سالكة، ونافورات خرافية, ثم أسلم روحك لبارئها, ونم قرير العين, لكن وأنت تستيقظ في الصباح ابحث عن حزنك, ولا تخرج دون أن تجعله صاحبا وأخا ورفيقا، وإن لم تفعل، فانتظر الوبال والثبور، وتقريع الشجر والحجر والتراب ووجه ابن اليتيمة الكالح، فكل سيغني أغنية الحزب الشجية، إلا أنت، فلن تجد ما يعينك على إحياء إحساسك المتبلد ونفسك المفرطة في جنب الحزن، ولا يعلم حينئذ أي منقلب ستنقلب.


حتى عطاء السماء لا ينبغي لك بأي حال من الأحوال، وأنت في حضرة البقعة اليتيمة أن تعتبره غيثا, لأنهم، ونكاية بك، هيؤوا له جميع السبل، لا ليغيثك ويمسح عن وجهك ووجه أمك اليتيمة غبار اليأس والقنوط والحرمان والتشاؤم، ولكن ليكون مطر سوء يذكرك، والذكرى تنفع الغافلين أمثالك، أن عليك الحزن إلى يوم الدين، ستبقى أبد الدهر بين الحفر والأوحال، تنظر إليها نظر المغشي عليه من الحسرة المضنية...، حتى إذا بلعت الأرض ماءها وأقلعت السماء، تسلم اللواءَ النقعُ ليذيقك وبال أمرك، ويذكرك، إن كنت نسيت، أن قدرك مقدور، وألا حق لك في أن توهم نفسك بلحظة فرح كاذبة خاطئة، ويوصيك بألا تفرط في حزنك ما دمت حيا،إن كنت أصلا حيا، لأنك ربما لست سوى جسد يدب على الأرض بلا روح ولا إحساس، تعيش شقيا كاسف البال، ولسان حالك يقول: لم التعلل ولا أهل ولا وطن؟؟؟.


قدرك وقدري وقدر اليتيمة يا صاحبي شَخَّصَهُ القاص محمد اشويكة في مجموعته القصصية "خرافات تكاد تكون معاصرة": "إن سقطت الأمطارُ أغرقت القرى والحواضرَ, كاشفة عورة البنية التحتية المترهلة، وإن شحت تغرق دموعُ التعساء الدنيا", أنا وأنت ونحن هم التعساء الذين ينتظرون أن يأتي أحدهم من أقصى المدينة يسعى ليصارحهم ويصدقهم القول: إن القوم يأتمرون بكم، فاخرجوا منها، ولا يلتفت منكم أحد، حتى لا يصيبه طائف من العذاب الأليم، وانتشروا في أرض مغرب يفتح لكم الأحضان كشعب شتات مدحور مذموم.


قنطرتكم هذه ستبقى شاهدة على وهنكم عليهم، وعلى جريمتهم الشنعاء التي تملوا من خلالها اليوم بمنظر الأشلاء، لعقوا الدم بلهفة الولهان، وما زالت نفوسهم عطشى لشرب المزيد، أصيب تلميذ البكالوريا اليوم إصابات بليغة، لأن "النفق" الممتلئ بالماء لم يسمح له بالعبور, ودعاه بمكر وخبث لعبور السكة الحديدية, مع علمه المسبق بأن الموت ينتظره هناك, وأن عجلات القطار ستنفذ حكم الإعدام بقسوة, محاباة ومجاملة لحفاري القبور الذي دفنونا أحياء, وحان الحين ليوارونا الثرى، لأن صمتنا أزعجهم، وبعثهم من مرقدهم.


سلام عليك يا يتيمة المدائن يوم فارقت الحياة، وسلام علينا يوم سرنا على درب موتك، وغنينا لازمته الحزينة.


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب