أضيف في 11 دجنبر 2017 الساعة 16:01

الحاجة إلى رؤية اجتماعية (1)


العربي الرودالي

 

الحاجة إلى رؤية اجتماعية (1)

( بين الاجتماع والتجمع ) *الجزء الأول

+المفارقة بين المجتمع والتجمع

- كل العلوم الإنسانية بطبعها تؤكد أن المجتمع ظاهرة فوق التجمع، سواء منها ما يدور في فلك السوسيولوجيا وعلوم العصور والآثار واللسانيات والآداب والفنون وغيرها...فالأمر إذن إنساني منذ البدء..وهي بهذا أيضا تؤكد ضمنيا وبحثيا، أن المجتمع بنزوعه التنشيئي والتواصلي وتقاسم المشترك، حيث تفرض الثقافة نفسها بدوافع طبع متجذر ونزوع تطوري إبداعي،هو دينامية مركبة تتحرك في اتجاه ظاهرة الاجتماع والألفة والتكامل...ودون ذلك فهو ليس بمجتمع، بل فقط تجمعا كما يكون عليه أي حشد بشري هجين ومعزول...أو اصطناعي ، بمزاجية منمطة، كما هو عليه في ملاعب"كرة القدم" مثلا.. أو "تكنولوجي" استهلاكي غير منتج، كما هو منتشر، خاصة في البيوت والمقاهي، تقوده الهواتف الذكية بهيمنتها الإدمانية دون وعي...إن هذا التجمع عموما، والذي لا يمتلك بصيرة نيرة تقوده، هو عبارة عن ظاهرة شبه"قطيعية" محكومة فقط بالأهواء اللاهثة.

+هشاشة التجمع

- فهذا التجمع المجرد شموليا من التكامل والتواصل، والذي يتمثل في عدة شرائح أو طبقات أحادية النهج وممتنعة الاندماج، ليس خاصية بشرية/إنسانية، كمفهوم سوي... فهو يتجمع على نمط ، إذا ما حصل افتراضا، شبيه بحبات عقد، تبقى متجاورة، دون رابط كينوني يصوغها، لتنفرط حتما، بسبب خيطها الواهن..أما مفهوم المجتمع، فهو اجتماع ينبني بوعي مكتسب ومتأصل على قاعدة مشروعه قبلا، وعلى إعداد هدفية له بعدا، في جدلية وجودية، وبتفاعل متحرك نحو التضافر، رغبة في حياة إنسية كريمة ومعطاء، من خلال تراكم ثقافة الذات الكلية..فلا يمكن تجريد المجتمع من مقوماته، لأن ذلك سيفضي إلى جمود يشله ويجعل منه تجمعا، يتأبد فيه الانتكاس وتوقف الصيرورة... حيث ستبرز فقط سلوكات استنفاعية لحظية نهمة، من استهلاك وانتهاز وتربص...إضافة إلى التنازع بشراسة على الموجود،استجابة لكل ما هو غريزي واندفاعي، دون وازع أفقي واع بنفسه... فما هي عوامل بروز هذه الظاهرة في كل كيان بشري؟

 

 

+وحشية التنافر:

-من الطبيعي،أن مع ظاهرة"التجمع" كهذا تتفاقم آفة"أنا/أعلى"منحرفة بفردانيتها السيكولوجية، نتيجة تضخيم الذات وميلا إلى استقواء الطغيان المتوحش وفوضوية الطبع الماقبل/ثقافي،في وضع مجمد لا يلين...إنه غياب الوجدان التساكني لحمة المجتمع، وغياب ومسؤولية التساند والتضافر المشترك، وكأن الحياة لا تقوم إلا على قضاء الحوائج والمطالب والأهواء الخاصة... وبهذا سيلغى، ترتبا عن ذلك، الوعي بكل الأبعاد المستقلة في تميزها، كالزمان والمكان، والتاريخ والتطور... فيكون التوجه بذلك سلبا نحو اللامجتع..فتلك المدركات الجوهرية السابقة الذكر، والتي يعود إليها الفضل في تسييد النوع البشري على الكائنات الأخرى، يلزم بالضرورة أن يدخل معها الأفراد في علاقة اندماجية، حتى يعيشوا وسطهم الزمني والبيئي، وبالتالي الثقافي متكاملين، وبعيدا عن كل وضع "ستاتيكي"منعدم الحركة في بنية "سانكرونية مركزة على ذات مغلقة... ولذا يستدعى شكل من التضامن الفعال، لتحقيق الأمن الاجتماعي رغبة في اطمؤنان الذات الكلية، وكذا النظام رغبة في التوازن المادي والنفسي، والبذل رغبة في الانتماء الجامع...إنها كلها هي الأكثر إلحاحا لكسب مناعة اجتماعية تحمي الحياة لاستمرارها...فالمجتمع، بكل المقاييس، كيان له ديناميته المتميزة، إذ ينتج ثقافته كما تنتجه هي أيضا.. فلا يعقل أن يحصل التفرج والطلب والانتظار، وغيرها من سلوكات الاستنفاع دون جهود وتفاعل وتقاسم...فالأخذ دون عطاء والإشباع دون قناعة،والانتماء دون وفاء...هي كلها مسببات لسقوط القيم الاجتماعية..إنها الوضعية الكارثية التي تميت من داخل الكيان مجتمعها.

العربي الرودالي

*ملحوظة: هذا العمل هو أصلا عبارة عن دراسة سوسيولوجية مطولة، اختصرت إلى هذه المقاطع التالية، لمساعدة القارئ على التركيز...(يتبع)

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : العربي الرودالي

باحث في علم الاجتماع   / تمارة , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق