أضيف في 10 دجنبر 2017 الساعة 13:37

حلكة الواقع ومأزق الشخصية في المجموعة القصصية ''خرافات تكاد تكون معاصرة'' للقاص محمد اشويكة ــ قصة ارتطام نموذجا - قراءة تداولية


نورالدين الطويليع

ملخص القصة


تحكي القصة عن حياة شاب اسمه حسن، ينحدر من أسرة فقيرة، فقد والده الذي كان يعمل في مطحنة، وانزلق يوما في دواليبها، فسحقته، ووزعت شظاياه على ثلاثة أكياس طحين.


تابع دراسته وأبلى فيها البلاء الحسن، لكنه اصطدم في الأخير بحاجز العطالة، ورغم تفشي الزبونية والمحسوبية لم يفقد الأمل في الحصول على عمل بسلك الوظيفة العمومية لثقته الكبيرة بمهاراته وتفوقه، قبل أن يصطدم بمصادقة الحكومة على قرار إلغاء التوظيف العمومي، مما أصابه بخيبة أمل كبيرة عطلت بصره، ليصطدم بجدار ضوء ويسقط مغشيا عليه.


دلالات العنوان


بداية لا بد من الإشارة إلى أن العنوان فعل كلامي بامتياز، لذلك سنتوقف عنده قليلا، لنستنطقه، عسى أن يسلمنا مفاتيحه التي من شأنها أن تعيننا على التقاط إشارات سبر أغوار النص.


فكلمة "ارتطام" مصدر صريح على وزن "افتعال"، ومعلوم أن المصدر يدل على حدث مجرد عن الزمان، فكأن الارتطام غير مرتبط بلحظة معينة، ومفتوح على كل الأزمنة.


الارتطام في دلالته السطحية البسيطة يعني الاصطدام، وقد ورد فعله دالا على هذا المعنى في النص، يقول الراوي متحدثا عن بطل القصة حسن: "لا زال يواصل مشيه...يخطو...يسير...ارتطم بجدار الضوء وسقط فاقد وعيه"[1]، لكن وبالرجوع إلى المعاجم وربطها بالواقع النصي، يبدو ههنا أن دلالة الكلمة أكبر من ذلك، ففي معجم مقاييس اللغة يقول ابن فارس عن الجذر اللغوي لهذه الكلمة: الراء والطاء والميم كلمة تدل على ارتباك واحتباس، يقولون: ارتطم على الرجل أمره، إذا سدت عليه مذاهبه[2]، وفي لسان العرب: رطمه، يرْطُمُهُ رَطْمًا، فارتطم، أوحله في أمر لا يخرج منه[3]، وفي القاموس المحيط: ارتطم عليه الأمر: لم يقدر على الخروج منه[4].


هذه الدلالة اللغوية تعضدها الصيغة الصرفية لفعل "ارتطم"، فهو على وزن افتعل الذي يدل على المطاوعة، وتتساوق دلالته هذه مع معنى الكلمة، نقول: طاوعه في الأمر: انقاد وأطاعه فيه، والمطاوِع: المطيع الموافق، فالفاعل بهذه الصيغة (صيغة الافتعال) هو المفعول في الصيغة المجردة، وثمة ما يشير في النص إلى واقع الارتطام والاحتباس والإحساس بالفقد والشعور بالوصول إلى النفق المسدود، يقول الراوي: "استقر بصره (حسن) على عنوان باهت:الحكومة تناقش قرار توقيف التوظيف العمومي، وتصادق عليه بالأغلبية، انسجاما مع سياسة التقشف العام وإعادة الهيكلة الاقتصادية ومحاربة الجفاف و...و...، تكلست مآقيه ولم تعدجفونه قادرة على الحركة، أحس بقشعريرة جعلت أسنانه تصطك ببعضها، مع عجزه التام عن التحكم في حركتها"[5].


إن الدلالتين اللغوية والصرفية تسيران جنبا إلى جنب لتجسدا واقع شخصية بطل القصة "حسن" الذي ارتطم بواقع بئيس فقد فيه الأمل في الحصول على الوظيفة، فَعَيَّ فيه، وسُدَّ عليه أمره، ولم يجد مخرجا يخلصه من شرنقته القاتلة، كشخصية منفعلة فقدت كل مقومات الفاعلية التي بَأَّرَها الراوي، وهو يصور اضطرابها الشديد، بقوله: "البصر قد تعطل"، وهي عبارة لها مدلولها الخاص الذي يتعالق مع كلمة "ارتطام"، ويفضي وإياها إلى معنى واحد قاسمه المشترك هو العجز والوصول إلى النفق المسدود.


يتبين إذ أن لعنوان هذا النص وظائف متعددة تتوزع بين التمويه والإغراء والإثارة، ففهم القارئ البسيط لكلمة ارتطام قد يفضي به إلى التسليم بالمعنى السطحي الذي وظفه الراوي وهو ينقل العنوان إلى ثنايا النص (ارتطم بجدار الضوء)، ليمارس الكاتب بذلك فعل التمويه على القارئ، ويستفزه للبحث عن دلالة الكلمة في معناها العميق، وعدم الاقتصار على ما تنطق به في الظاهر، وهذا يحيلنا على الوظيفة الإغرائية للعنوان، فهو يراود القارئ عن نفسه، ويستدرجه إلى شَرَكِ المتن النصي، ليبحث عن صلة ما بين العنوان والنص، صلة احتفظ بها الراوي وظل يراوغ، وينتقل بالقارئ من فقرة إلى أخرى، ولم يسلمه إياها إلا في نهاية النص، وجاء التسليم في صورة لعبة خادعة تتطلب فطنة وذكاء لفك شفراتها وتجاوز معناها الظاهر.


هذا إضافة إلى أن صيغة العنوان الفضفاضة أكسبته وظيفة إيحائية تقلق أكثر مما تطمئن، لأن القارئ لن يبرحه حتى يطرح على نفسه وابلا من الأسئلة من قبيل: من ارتطم؟ وبماذا ارتطم؟ وكيف ارتطم؟ ومتى كان ذلك وأين؟، وماذا حصل نتيجة الارتطام؟، إلى غير ذلك من الأسئلة التي تستفز القارئ، وتلقي به في خضم النص الحامل للعنوان، عله يجد مبتغاه، ويتمكن من التخلص من علامات الاستفهام، والعثور على الأجوبة التي من شأنها إخراجه من دائرة حيرته وقلقه.


دلالة أسماء الشخصيات


تسمية الشخصية يأتي كتعبير عن رؤى موضوعية للنص، تخدم مساره السردي، و تساهم في تبليغ رؤية الكاتب، يقول المصطفى اجماهري: "للاسم غنى في دلالاته، فقد يكون مبعث ذكرى، أورمزا عند الكاتب بالذات، ثم هو يفصح عن جنس الشخصية،ومواطنها، ومعتقدها الديني، إلى غير ذلك من دلالات غير محصورة"[6].


سنحاول بهذا الصدد أن نربط بين الدلالة الشخصية لأسماء الشخصيات، والأدوار التي أدتها في النص، باعتبارها مؤشرا من مؤشراته.


شخصية بطل القصة حسن: اسمه مشتق من الحسن، وهو "كل مبهج مرغوب فيه"[7]، وحسن علامة جزائية تمنح للمتفوقين، وتؤكد تميزهم، وثمة ما يشير في النص إلى هذا المعنى، فحسن كان متميزا في دراسته، وأبلى فيها البلاء الحسن، يقول الراوي: "لم يثنه تفشي الزبونية والمحسوبية عن الإيمان المطلق بمهاراته التطبيقية وتفوقه على المستوى التطبيقي، فحسن هنا يقدمه الكاتب كضحية لواقع سمته الزبونية والمحسوبية، ولسياسة حكومية تتأسس على التقشف، وعطالته ناتجة عن ذلك، ولا يتحمل فيها أي مسؤولية، وهو مثال للمواطن البسيط المهضوم الحقوق.


شخصية رحال: رحال هو والد حسن، وقد توفي بعدما سحقته آلة الطحين، جاء في معجم مقاييس اللغة أن الراء والحاء واللام أصل واحد يدل على مضي في سفر[8]، وهذا المعنى يحيل مباشرة على سفر رحال ورحيله من الدنيا، لكن هذا المعنى البسيط، قد يصبح غير ذي أهمية إذا ربطناه بدلالات مشتقات هذه الكلمة، فرحال صيغة مبالغة لاسم الفاعل راحل، ومعلوم أن هذه الصيغة لا تطلق إلا على من قام بالفعل بكثرة، فرحال، غير راحل، تدل على شخص دائم التنقل، كثير الترحال، لا يستقر في مكان واحد، بما يحيل على شخصية لم تعرف الاستقرار النفسي والاقتصادي والاجتماعي، وعانت كثيرا من وضع هذه سمته باعتبارها يدا عاملة مقهورة ومغلوبة على أمرها، وجاء الرحيل الأخير إلى الآخرة ليخلصها من عذاب الحياة الأليم، جاء في معجم مفردات ألفاظ القرآن الكريم: " أرحلت البعير: وضعت عنه الرحل"، فالموت كرحيل أخير وضع أعباء الحياة الثقيلة عن كاهل رحال، وأراحه من قيدها، وفي هذا إدانة لمجتمع صار المواطن فيه لا يستريح من رَحْلِ الحياة إلا بالموت.


شخصية بوعلام: نقول علاَّمٌ وعلاَّمةٌ لشخص إذا بالغنا في وصفه بالعلم، وفي لسان العرب: العلامِيُّ: الرجل الخفيف الذكي (مأخوذ من العلام)، هذه الشخصية حضرت في النص في سياق الإخبار عن وفاة رحال، فقد كان رفيقه في العمل، ويعلم عنه الكثير، من ذلك علمه بالخلاف الجذري الذي كان له مع إدارة مجلس الطاحونة باعتباره مناضلا ونقابيا يمثل العمال، وعلمه بحبه لابنه الذي تجلى في الإخبار عن حديثه المتكرر عنه، وعلمه بثبات السرير لمدة خمس وثلاثين سنة قبل أن ينزلق برحال، بالإضافة إلى علمه برغبة رحال تسليم ابنه حسن بلغته.


مقارنة بين الاسم والصفة يبدو أن شخصية بوعلام وظفت في سياق المفارقة الساخرة، فهو يمثل المواطن الذي يعلم كل شيء، ولا يعلم شيئا، ويكتفي بكثرة الكلام، دون أن يبلور أقواله إلى أفعال.


يتبين، إذن أن الكاتب ابتعث شخصياته من مخدع الذاكرة والتخييل، ليكون اسم علم كل منها دالا يحيل على مدلول، ويخدم مقصديته، فحسن رمز للمواطن المثقف الذي عطلت قواه سياسة حكومية فاشلة، ورحال يشير إلى المواطن المغلوب على أمره، الذي لا توضع عن ظهره أعباء الحياة إلا حينما يسلم روحه إلى بارئها، وبوعلام رمز للمواطن الذي لا يجيد سوى التنظير، ولا يكف عن الكلام، دون أن يبدر منه فعل يجسد أقواله ويفعلها.


معينات النص


"المعينات هي مجموعة من المرجعيات الإحالية المبنية على شروط التلفظ الخاصة وظروفه...،وبتعبير آخر، فالمعينات هي مجموعة من العناصر اللسانية التي تحيل على السياق المكاني لعملية التلفظ... ويقصد بالمعينات أسماء الإشارة والضمائر المتصلة والمنفصلة، وظروف الزمان والمكان...كما يمكن الحديث عن ألفاظ القرابة (أبي ـ أمي ـ خالي...) وصيغ الانفعال والتعجب، وآليات الحكم والتقويم الذاتي"[9].


تكمن أهمية المعينات في كونها قرائن ترتبط بالسياق المرجعي والمعنى الدلالي، وتُلتقط كمؤشرات لفهم مقصدية النص الأدبي الذي لا يمكن أن ينطق بكل شيء، ويعتمد في كثير من الأحيان على الغموض، متخذا من معيناته مفاتيح لاستكناه النص وفتح مغاليقه، ومن المعينات الواضحة والبارزة في هذا النص نجد:


أمكنة النص: يرى حسن بحراوي أن المكان ليس عنصرا زائدا في العمل التخييلي، بل قد يكون في بعض الأحيان الهدف الذي وُجِدَ من أجله ذلك العمل، كما أنه يعبر عن مقاصد المؤلف[10]، فالمكان إذن ليس مجرد ديكور أو خشبة ينحصر دورها في احتضان الممثلين، بل يتجاوز ذلك بكثير ليساهم في إنتاج المعنى ، وخدمة مقاصد الكاتب، فحينما يأتي الراوي على ذكر "درب الفقراء"، ففي هذا استعارة مكانية تحيل على شخصيات النص، وعلى واقعها الاجتماعي إحالة مباشرة، فرحال كان فقيرا، لم يورث ابنه غير بلغته، وابنه حسن معطل، لم يجد عملا، فالمكان هنا (درب الفقراء) امتداد للشخصية، يحمل سماتها بحمولته الشعبية التي تتخذ في كثير من الأحيان طابعا قدحيا، بتحوله إلى لقب يطلق على أحياء الهامش التي تعاني من الهشاشة والفقر والحرمان.


والحديقة العمومية كمكان كان من المفترض أن يتخذ صفة الإيجابية، لكنه تحول بدوره إلى مكان سلبي بعدما تلقى فيه "حسن" خبر توقيف الدولة التوظيف العمومي، بما يؤشر على تبرم الذات الكاتبة من المكان الذي يتسع ليشمل الوطن، ففي كتاب "المفارقة القصصية يؤكد الكاتب محمد اشويكة نفسه أن الكتابة في القصة تعني لديه كتابة قصة البلد[11].


وما قيل عن الحديقة العمومية ينطبق على المطحنة التي تحولت من مكان إيجابي يحتضن آلة طحن الحبوب، إلى مكان سلبي، بعدما سحقت الآلة جسم رحال، ووزعت لحمه على أكياس الدقيق.


الإشارات الزمنية في النص: تكررت لفظة الصباح في النص مرتين: "تبادل تحية الصباح" ـ "في صباح اليوم الموالي"، ولم ترد أي كلمة تدل على المساء أو الليل، مع أن السياق العام للنص الذي يؤثثه الحداد، وتدثره المأساة يقتضي ذلك، لتحقيق الانسجام بين الحدث والزمان والمكان، لكن الكاتب اختار أن يعوج نحو دائرة التفاؤل، رغم أنه لا يثق في الحاضر وما أسبغه على المكان من سلبية، إلا أنه، وفي غمرة الإحساس بالمأساة، يؤمن بغد أفضل (اليوم الموالي)، فالصباح رمز لغد جديد يتبدد فيه الظلام، وتبزغ فيه شمس الحياة، وكأننا بالكاتب يريد أن يقول: إن هذا الواقع المتسم بالزبونية والمحسوبية وقلة فرص الشغل، وما إلى ذلك، آيل لا محالة إلى زوال، وأن عهدا جديدا قادم بلا شك.


ألفاظ القرابة: في النص عبارات اشتملت على ألفاظ قرابة من قبيل: "كلما انتعلها يتذكر مأساة أبيه رحال الذي مات ميتة غير عادية" ـ "قبل جبين أمه" ـ "ترى هل لازالت أمه نائمة؟ وهل احتفظ ببلغة أبيه؟"، نلاحظ هنا أن لفظي القرابة (الأب والأم) ارتبطا بشخصية حسن، وارتبط حضورهما، بالإضافة إلى لفظة "الابن"، بقيم الحب والوفاء، بما يشي برسالة تقول بأن هؤلاء الفقراء لم تنل مأساة الفقر من دفئهم الاجتماعي شيئا، وكأن الأمر يتخذ سمة المباهاة والمفاخرة التي تصل حد الإيحاء بأن الطرف الآخر لا يعيش هذه الحياة، من مبدإ أن إثبات صفة لجهة معينة، قد يقتضي نفيها عن الجهة المقابلة.


التقويم الذاتي: يقدم النص شخصية حسن في صورة شخصية قوية، قاومت الفقر والحرمان، واستطاعت أن تتفوق في دراستها، ولم يأخذ من نفسيتها شيئا واقع المحسوبية والزبونية، وظلت مؤمنة بالصبر والعمل الجاد، كما لو تقمصت شخصية سيزيف وأصرت على الصعود بالصخرة إلى قمة الجبل، وحسن هنا يمثل المواطن، ويريد الكاتب أن يقول من خلاله بأن هذا المواطن يبقى عصيا على الاستسلام، ولا يمكن أن تكسر عزيمته نكبات السياسة الحكومية.


المؤشرات اللغوية: حفلت القصة بمجموعة من المؤشرات التي تحيل على رؤية الكاتب، وسنقوم ههنا بجرد بعضها والتعليق عليه:


ــ "لقد تعود على وضعها (البلغة) جنب سريره لكثرة تبوله ليلا": كثرة التبول ليلا تعني واحد من شيئين، فإما أن الشخص مصاب بداء السكري، أو أنه يعاني من التوتر الشديد، والأمران كلاهما مرتبطان ببعضهما البعض، أو يفضي بعضها بعضهما إلى بعض، ويريد الكاتب من وراء هذا إدانة حكومة جعلت شبابها يعيشون الضغط النفسي، ويعانون من الأمراض بسبب ضمور مقاربتها الاجتماعية.


ــ "لم يترك سوى تلك البلغة": إحالة على الفقر المدقع الذي لا يمكن صاحبة من توريث شيء ذي قيمة لأبنائه، وفي هذا إشارة إلى أن عمله لم يكن يذر عليه مدخولا كبيرا، وأن الطبقة العاملة تعاني من تدني الأجور.


ـ "إلى حين انتهاء مراسيم دفن الأكياس، عفوا رحال": الفقراء يموتون كما لو كانوا مجرد شيء، لا يهتم لموتهم علية القوم، كما يعيشون نكرات يموتون كذلك.


ــ "أخذ (حسن) ثمن الجريدة وهبط": رغم إنهائه دراسته يستمر حسن، وهو يمثل الفئة الشابة، في الاعتماد على أسرته، ولا يستطيع توفير مصروفه اليومي، لأن فرص الشغل غير موجودة.


ــ "أما بلغته فلا يتحملها إلا إنسان صبور ومنا...ضل...": تتخذ كلمة البلغة هنا دلالة استعارية، وهي تبتعد كثيرا عن دلالتها المعروفة، فهي تشير إلى بثقلها إلى ثقل الحياة وصعوبتها اللذين ورثهما حسن عن أبيه بعد موته.


ــ "إن سقطت الأمطار أغرقت القرى والحواضر كاشفة عورة البنية التحتية المترهلة، وإن شحت تغرق دموع التعساء الدنيا": يبقى المواطن ضحية بامتياز في كل الأحوال والظروف، فقساوة الظروف الطبيعية هو من يؤدي ثمنها، لا يجد سندا من الجهات الرسمية التي لم توفر له بنية تحتية قوية لتقيه عواقب الأمطار الغزيرة، ولم تقف بجانبه لمساعدته على التغلب على آثار الجفاف.


ولكل هذا يرى حسين الواد أن لغة النص الأدبي "لا توظف بشكل فوضوي وعشوائي، بل تزخر بمجموعة من الدلالات السياقية والتداولية والحجاجية إقناعا وتأثيرا، فكل ما في النص يدل ويحيل ويحمل وظائف سياقية متنوعة"[12]


الأفعال الكلامية في النص:


سنعتمد على تصنيف "سيرل" للأفعال الكلامية" الذي حصرها، معتمدا في ذلك عمل أوستين، إلى أربعة أنواع، هي الإخباريات، والوعديات، والتوجيهيات، والتعبيريات (البوحيات)، وسنمثل لكل نوع بما ورد في القصة، لنقف عما إذا كانت بدورها خادمة للمعنى، أم واقفة ضده.


نلاحظ طغيان الإخباريات التي يبقى غرضها الإنجازي مرتبطا بنقل الوقائع، وكأننا أمام قصة روبورطاج، مهووس صاحبها بنقل الواقع إلى المتلقي في صورته الكالحة، وإن كان هذا لا يمنع من ورود أنواع أخرى من أفعال الكلام مثل التوجيهيات أو الطلبيات، وقد حضرت بصيغة الاستفهام بكثرة: "إنك حيرتني، أنت الزبون الوحيد الذي لم أعرف جريدته المفضلة؟" ـ "إلى أين هو ذاهب؟" ـ "هل يقرأ الجريدة أم أن الجريدة ستحمل غدا ما سيقع له"؟ "هل سيتمكن جسمه السائر من تفادي ما يعترضه رغم أن البصر قد تعطل"؟، تكرار السؤال ووروده بشكل متواتر يكشف عن دهشة الكاتب وعجزه عن استيعاب مفارقات الواقع وتناقضاته.


أما الوعديات فيبرز غرضها الإنجازي في النص من خلال التزام رحال بتوفير بلغة لابنه غير بلغته الثقيلة، وهو الأمر الذي لم يفلح فيه، ومات دونه، لتنتقل بلغته إلى ابنه حسن، بما يؤشر على رغبة الوالد في أن يرى ابنه في حال أحسن يتخلص فيه من عبء الحياة، دون أن يتمكن من تحقيق رغبته هذه، ليسير الابن في ذات المسار، وينتعل بدوره الحياة في شقها المأساوي الثقيل.


وتحضر البوحيات من خلال تعزية بوعلام لأسرة رفيقه رحال، وكأن الكاتب يريد أن يقول بألا عزاء للطبقة الفقيرة إلا أن تواسي بعضها البعض، وتعاضد بعضها البعض اجتماعيا.


ولا ننسى توظيف الكاتب للاستعارة في النص، والتي يمكننا أن نصنفها كفعل كلامي لكثافتها ودلالتها في النص، ومن أمثلتها: "إلى حين انتهاء مراسيم دفن الأكياس" ـ "أما بلغته فلا يتحملها إلا إنسان صبور ومنا...ضل..."، وورودها في النص هنا هو بغاية التأثير في القارئ.


خلاصة: تأتي هذه القصة لتتساوق مع مقصدية الكاتب وتصوره لماهية الأدب ككاتب ملتزم يكتب عن الهامش،وينخرط في سياق قضاياه الشائكة، يقول الكاتب بهذا الصدد:"اخترت الاشتغال على هوامش ثقافية في القصة... في السينما... في الفلسفة....أن تكون هامشيا، معناه أن تكون ابن البلد... ـ لا تريد الخروج منه ولو وجدت البديل، ـ لا تتنكر له ولو قهرك أهله ـ لا تتعالى عن أبنائه ولو أظهروا العجز"[13]


 


[1] ـ محمد اشويكة ـ خرافات تكاد تكون معاصرة ـ منشورات زاوية ـ الطبعة الأولى 2007 ـ ص 74


[2] ـ ابن فارس ـ معجم مقاييس اللغة ـ مادة رطم


[3] ـ ابن منظور ـ لسان العرب مادة رطم


[4] ـ الفيروزابادي ، القاموس المحيط ـ باب الراء ـ فصل الميم


[5] ـ المجموعة القصصية ـ ص 74


[6] ـ المصطفى اجماهري، الشخصية في القصة القصيرة، ص 121.


[7] ـ الراغب الأصفهاني ـ مفردات ألفاظ القرآن الكريم


[8] ـ القاموس المحيط ـ مادة رحل


[9] ـ جميل حمداوي ـ التداوليات وتحليل الخطاب ـ ص 17 ـ 20 بتصرف


[10] ـ حسن بحراوي ـ بنية الشكل الروائي ، المركز الثقافي العربي 1990 ـ ص 32 ـ 33 بتصرف


[11] ـ محمد اشويكة ـ المفارقة القصصية ـ المطبعة والوراقة الوطنية مراكش ـ ط الأولى 2007 ـ ص 240 بتصرف


[12] ـ حسين الواد ـ في مناهج الدراسات الأدبية ـ منشورات الجامعة ـ ط 2 ـ 1985 ـ ص 75


[13] ـ محمد اشويكة ـ المفارقات القصصية ـ ص 240 ـ 241


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب