أضيف في 9 دجنبر 2017 الساعة 17:41

فقيه هذا الزمان


المصطفى سالمي

تعالى الصوت من خلفه بحدة: (كيف الحال أيها الفقيه المبجل؟)، اقترب الصوت حتى تغلغل في طبلة أذنه وهو ينادي: (يا سيد خالد! كيف حالك يا فقيه البلدة؟) التفت صاحبنا بعد أن تأكد أنه المقصود، كانوا في هذه البلدة الصغيرة ينادون على المدرس بهذا الوصف المعتاد بينهم، كان المنادي هو أحد معارفه، مدرس متقاعد، سلم عليه الأستاذ (خالد) ببرود، فأدرك الأخير أن الوصف ربما لم يعجبه، فاستدرك قائلا:

ـ أردت أن أقول: كيف حالك يا أستاذ؟ إن وصف "الفقيه" ملتصق بلساني ككل أهل البلدة كما تعرف، وهذا لا يراد به التنقيص هنا، بل نفاخر به ونبجل من نصفه بهذا الوصف.

ـ لا بأس، قل ما تشاء، فأنا أيضا أدرس اللغة العربية لتلاميذي وأجعلهم يحفظون نصوصا دينية كما كان يفعل فقهاء الزمن البعيد.

ـ دعك من فقهاء ذاك الزمن ممن كانوا يُدرسون مختلف العلوم والمعارف، وقل لي هل لديك تصور حقيقي عن حياة فقهاء هذا الزمان ببلادنا وفي بلدتنا هذه؟ وأقصد فقهاء الدين الذين تبرمتَ حين وُصفتَ ونعتتَ بوصفهم ولقبهم.

ـ تقصد هؤلاء الذين يقرأون القرآن في المناسبات وعلى القبور؟!

ـ أنت لا تبصر سوى صورة القبور والموت يا عزيزي!

ـ وماذا تريدني أن أبصر غير هذه الصورة التقليدية لهؤلاء الطفيليين؟!

ـ اليوم أنا مدعو لوليمة عند جارنا (المهدي)، وهو بالمناسبة صديق عزيز عليك.

ـ لقد وجه لي دعوة للحضور منذ يومين.

ـ إذن نلتقي عنده حتى نرى أصدقاءنا "الفقهاء".

كانت القاعة فسيحة تتعالى فيها سحب الدخان المنبعث من العود الحجازي المحترق في (المبخرة) النحاسية، بينما صُفّت أصناف من الحلويات الشهية وكؤوس الشاي التي يشرف على توزيعها شبان من أقارب أهل البيت، فجأة ارتفعت ترانيم "الفقهاء" يشدون بأمداح نبوية تتخللها وقفات يتم خلالها تمرير الكؤوس الذهبية اللون على الضيوف مع صحون لأصناف وأشكال أخرى من الحلويات توضع في مجسمات ورقية أمام المدعوين، ثم تنطلق حناجر "الفقهاء" بآيات الذكر الحكيم مرتلا بشكل جماعي، يتبارى خلالها هؤلاء من خلال الضغط على مخارج الحروف، فتنتفخ أوداجهم بأصوات غاية في القوة والجبروت، ثم ينطلق الترتيل الفردي هادئا متسللا لأعماق النفوس، محركا ذبذباتها، وفي لحظات الاستراحة يتم فتح قنينات الماء المعدني، والتي تتحول بعد شربها إلى عرق متصبب على جباه المقرئين... بينما يقوم السيد (المهدي) صاحب الوليمة ليرش بنفسه الفقهاء وباقي المدعوين بـ (مرشات) تحتوي أزكى العطور، وكلما توقف المنشدون عن الإنشاد والترتيل لهنيهات إلا وتعالت الدعوات الصالحات في حقهم من طرف الحاضرين..

وأخيرا صُفت قطع بلاستيكية فوق الموائد المستديرة، ووُضعت الأرغفة، ثم صحون مليئة بما لذ وطاب من دجاج محمر بالزيتون وقطع البطاطس المقلية، ثم صحون أخرى من صنف لحوم الضأن مع قطع الفاكهة الجافة التي تزينها من فوقها.. كانت الأفواه والأيدي تفتك بشراهة بهذه المأكولات الطيبة الشهية، وبعدها وضعت الفواكه الطازجة من برتقال وتفاح وموز...

كان الأستاذ (خالد) وقتها يقارن بين وضعية "فقهاء" عصره ووضعيته في فصله الكئيب حيث غبار الطبشورة ممزوجا بأجوبة صاخبة من هنا، وصيحات مشاغبة من هناك، وعرقه يتصبب وهو يشرح ويصحح، ويعود في نهاية كل أسبوع بأكوام من أوراق التلاميذ لتصحيحها في البيت، وها هو (المهدي) صاحب هذه الوليمة يقدم رزمة أوراق نقدية لضيوفه من الفقهاء ليقتسموها بينهم بعد قراءة الفاتحة وتلاوة الأدعية الصالحة لأهل بيته.. حقا شتان بين "فقهاء" يقضون الأمسيات المشرقة البهية بين روائح زكية وأطعمة شهية وحوارات ممتعة ضاحكة، وبين فقيه/ مدرس سجين في فصل دراسي مكتظ يعج بالضجيج، إن كفة هؤلاء الذين سماهم ظلما وبهتانا بالفضوليين راجحة دون شك، إنه هو الفضولي المتطفل على الزمان والمكان، هكذا خاطب المدرس (خالد) نفسه وهو يرى كيف أصبحت مهنته مرادفا للمعاناة المادية والمعنوية، بدءا بالتعيين في أقاصي البلاد، وبعد الحركة الانتقالية يجد الواحد نفسه يتنقل عبر سيارات الأجرة نحو مقر عمله في القرى والبلدات النائية، إنه مجرد "فقيه" من الدرجة الثانية، مكانته دون هؤلاء الذين تصدح أصواتهم بالترتيل والإنشاد، ليته كان مثل هؤلاء الفقهاء الذين يذهبون في الأمسيات للولائم، أما أن يحلم أن يكون من فقهاء العصور الذهبية الموغلة في القِدم فذاك من المحال، حسبه أنه فقيه/ مدرس من فقهاء أشد عصور الانحطاط قتامة..

التفت الأستاذ (خالد) وهو يهم بالخروج من الوليمة على يد تسحبه إليها، وبلغة هامسة قال له مخاطبه بعيدا عن المدعوين المنسحبين إلى الخارج:

ـ ما رأيك في حياة "الفقهاء" أصحاب النعيم؟!

رد الأستاذ (خالد) بلغة متحدية:

ـ أظن أنني أقوم بتأدية رسالة سامية لصالح تلاميذي، فأنا أنقل لهم أحدث المعارف وبأرقى المنهجيات، وهذا يعوضني عن كل شيء.

ـ هؤلاء الفقهاء هم أيضا يقومون بتحفيظ القرآن لتلاميذهم، وأضيف هنا شيئا مهما، هل سبق أن سمعت أن فقيها من فقهاء الكتاتيب القرآنية عنّفه طلبته رغم أساليب العقاب التي يتلقوها وأبسطها (الفقلة) التي لا ترحم، وأنت تعرف معاناة مدرسي المدارس العصرية في زمن الجحود والتنكر والتعنيف الذي يطالهم من كثير من تلاميذهم، كما أنك تعرف أنني مدرس سابق، فأنا لا أشمت في مهنتي..!

كانت كلمات الرجل كالسهام تنفذ في عقل ومخيلة وإحساس المدرس (خالد)، كان يعرف أنها الحقيقة المجلجلة، وأن مخاطبه الصادق قد أفحمه ولم يترك له مزيدا من كلام يرد به عليه، ولكن الذي لم يعرفه هو إن كان العيب في المُدرس أم في هؤلاء الناس المحيطين به، أم في ثنائية هذا الزمان والمكان!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب

مواضيع أخرى قد تعجبك أيضا :


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق