أضيف في 8 دجنبر 2017 الساعة 21:05

زوايا قاتمة


المصطفى سالمي

غزا البياض شعر هامة (يوسف) وهو في منتصف عقده الخامس، لكن بريق الشباب والحماسة والعنفوان لم تغادر حياته طوال السنوات التي اشتغل فيها مدرسا، تعاقبت أجيال وأجيال على يديه، كانت جمالية الأداء مبدأه، ومقولة: "أكبر مردودية بأقل جهد ممكن" شعاره، لكن الزمن تغير، وتبدلت الوجوه والناس والأفكار، وظهرت مقولات وأفكار جديدة في مجال التعليم شكلت ما يشبه المعاول لهدم وتفتيت حماسة الأستاذ (يوسف)، وكان أول معول هو ما سمي بـ "الخريطة المدرسية"، ما جعل القسم مكتظا بالعملة الرديئة من الكسالى وضعاف المستوى من ضحايا البيداغوجيات المستوردة المجربة في تلاميذ أشبه بفئران المختبرات العلمية، إنه مصطلح جديد رائج اسمه: (مدرسة النجاح) يكفل لكل المتمدرسين الانتقال للفصل الموالي ولو بأدنى الدرجات بدعوى محاربة الهدر المدرسي. لقد تضاءل المميزون وأصبحوا في عداد أصابع اليد الواحدة، وها هو معول ثان ـ لهدم كتلة حماسة ونفسية (يوسف) ومقدرته على العطاء ـ ربما ترتب عما سبق، إنه الاكتظاظ الذي عم فصول المدرسة العمومية في هذه البلاد السعيدة، إنها آفة زادت الطين بلة، لكن هناك معاول عاتية أخرى لاحت أخيرا لتهدم الحصون التي كانت تبدو منيعة عند المدرس (يوسف) وتجعلها هباء منثورا، إنها موجة الاعتداءات المتتالية في حق المدرسين، والتي مثلت حالة من العقوق والتنكر والجحود غير المسبوق، والذي يشكل صدمة لمخيال (يوسف) الذي ما زال ينظر حتى هذه اللحظة بإجلال وتقديس لكل من تعاقب على تدريسه من مدرسين، لقد سالت دماء زكية من رؤوس ووجوه هذه الفئة النبيلة في بلده السعيد في السنتين الأخيرتين، ولو أنها كانت فقط على يد رجال الأمن الذين نفذوا أوامر المسؤولين في مراكز القرار لهان الأمر، لكن القسوة كانت هذه المرة من طرف من يحترق المدرس لأجله، فهل سعت جهة من جهات القرار وكان لها يد في ذلك، ليت الأمر كان كذلك، على الأقل لتبرئة أجيال صاعدة ربما يراد لها معاداة شموع تنير لها الطريق، فمن معاقل المدرسة وزواياها انطلقت في سبعينيات القرن الماضي المظاهرات في بلده السعيد ضد الغلاء والظروف المعيشية الصعبة، وكانت تلك المحطة الأليمة نقطة تحول في حياة زمرة المدرسين في هذا الوطن الأمين، وكأنما أقسم أصحاب القرار على جعل المدرس يدفع الفاتورة مرتفعة التكاليف على قراره أن يكون سندا للمجتمع، فجمدوا أجرته لعقود، ولم يرفعوها إلا بمقدار سير السلحفاة رغم القفزات الضوئية للمستويات المعيشية المنطلقة كالصاروخ، وها هم اليوم نجحوا في جعل هذا المجتمع نفسه ندا وخصما له، يمارس عدائيته عليه ويحتقره ويسخر من بخله وفقره المادي، فانكفأ المدرس على ذاته باحثا عن حلول يرقع بها وضعه المادي المزري، فكانت الساعات الإضافية التي بدأت تمتص عصارة المجتمع المنهك، وخاصة طائفة الفقراء والطبقة الوسطى، مما زاد من حجم التنكيت على المدرس ومعاداته، هكذا تضاءل حجم مهنة التدريس وتأثيرها المجتمعي، بينما ارتفعت أسهم باقي وظائف الدولة وخاصة في قطاعات الأمن والداخلية والجماعات المحلية، وأصبحت رمزا للاغتناء والصفقات المربحة، وأصبح العوز والحاجة ملاصقين لحالة المدرس في هذا البلد السعيد، فاستحكمت حالة العداء بين هذه المهنة ومحيطها القريب، بعد أن كانت العلاقة قائمة على المودة والتبجيل والقداسة، لقد وقفت معيقات كثيرة أمام "مدرس" ما عاد يطور كفاءته المهنية ـ بفعل عراقيل الإدارة ـ لاستكمال دراساته العليا، أو من أجل تكوين ذاتي أو مستمر.. انتبه الأستاذ (يوسف) لنفسه وقد أخرجته أسئلة تلاميذه المفاجئة من غفوة تأملاته، كانت أسئلة هذا الجيل الضائع لا تصب في أعماق الدرس، ولا يحركها الفضول المعرفي شأن الأجيال السابقة، بل كانت أسئلة جوفاء من قبيل: "هل أغير مكاني؟" ـ "هل أفتح النافذة؟" ـ "هل أكتب بالأحمر يا أستاذ؟" ـ "هل تسمح لي بالذهاب لدورة المياه؟" ـ "هل آخذ قلم الرصاص من زميلي؟" ـ "هل غدا عطلة يا أستاذ".....

هكذا أصبح القسم بالنسبة للمدرس (يوسف) مفرغا من أي عنصر مؤثر يمكنه أن يبث الحماسة في النفوس، وها هي إدارة هذه المؤسسة تنتزع من كل فصل دراسي عناصر الضوء المتبقية لإلحاقها بأقسام خاصة بتدريس المواد العلمية باللغة الأجنبية، وما عاد (يوسف) يجد من يكتب من تلاميذه على اللوح الأفكار والجمل بشكل سليم، وما عاد يجد من يستعيد القواعد اللغوية ويستذكرها، إنه الشلل التام، سيسأل ويجيب في نفس الآن كالمعتوه، وعليه أن يكتب كل شيء بنفسه دون إشراك المتعلم الذي لم يعد له وجود، ولتذهب مقولة: "أكبر مردودية بأقل جهد ممكن إلى الجحيم"، فلا مردودية بالمرة الآن، إنه التنكر والجحود في الفصل وفي المجتمع على السواء، ما عادت الأصابع تكاد ترتفع في فصول الدراسة، عليه أن يسعد أن تلاميذه يطرحون الأسئلة البليدة عن تواريخ العطل والمناسبات، كانت الأصوات تتعالى من الفصول الأخرى، بعضها تركها المدرسون منشغلين بأحاديث جانبية، وأخرى لم يحضر أصحابها، بينما تلاميذ يمرون أمام الأقسام جيئة وذهابا، ترى هل هي لحظات الاحتضار الأليمة؟ هل يقول صاحبنا هذه المرة: "عليك أيها التعليم أزكى تحية وسلام؟"، هل استبد بهذا القطاع زمرة اللئام؟، أم المدرسون صاروا كالأيتام؟ أم أن "يوسف" أصبح واهن العظام، وعليه أن يأخذ قسطا من الراحة، فهذا زمن آخر وأجيال أخرى، ولكل زمن رجاله وأفكاره ورؤاه؟؟! من يدري ومن يميز الحقيقة من الأوهام؟!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق