أضيف في 5 دجنبر 2017 الساعة 20:20

الغابة السعيدة


المصطفى سالمي

أخيرا خرج حيوانات الغابة باجتماع تاريخي أكدوا من خلاله أنهم تحولوا إلى مجتمع ديمقراطي حقيقي، فالحكم سيكون متداولا بينهم بأسلوب التناوب، لقد آمن الأسد أخيرا بضرورة إشراك باقي الحيوانات في حكم فعال، سيصبح النمر حاكما في التجربة الجديدة، يليه الذئب ثم الثعلب ثم القنفذ والحمار الوحشي وباقي الحيوانات تباعا، وكل ولاية ستمتد لأسبوع كامل قابل للتمديد لأسبوع إضافي في حالة رضى الأسد وإجماع باقي الحيوانات، أما في حالة الفشل فهو أسبوع واحد ولا شيء سواه، ويبقى الأسد طبعا هو حامي الغابة في حالة حدوث حالة طارئة كقدوم غرباء ومحاولتهم الاستيلاء على السلطة واستغلال الوضع الديمقراطي الوليد، ستكون دون شك تجربة جديدة فريدة..

وها هو النمر يتولى الأمور، وساعده في مهمته أبناء عمومته من الفهود وباقي السنوريات على استتباب الأمن، فنجح نجاحا باهرا ومدد حكمه لأسبوع آخر مادامت الطرائد متوفرة للأسد وزمرته، وحصل مثل هذا النجاح مع الذئب ثم مع الثعلب، وقد ساعدهما في ولايتيهما الكلاب وبنات آوى، وتم تقديم عديد القرابين للأسود والفهود لنيل رضاها، وكانت الهدايا عبارة عن خراف ونعاج ودواجن ملأت بطون الأسياد، ثم جاء دور القنفذ الحكيم، وساعده أبناء عمومته من قندس ونيص وباقي القوارض الشوكية، وكل هذا من أجل إنجاح التجربة التناوبية، ولم يكن للقنافذ ما تقدمه لأسيادها سوى أن تدلها على أماكن الطرائد والفرائس وعرقلة هروبها بأن تتمدد في طريقها أثناء هجوم ذوات الناب والمخلب، المهم إرضاء الكبار الذين سيسمحون بمساحات من العشب الطري، رضاهم هو الأهم، أما رضى الآخرين من صغار الغابة فلن يقدم أو يؤخر، وجاء دور الحمار أخيرا، فاحتار هو نفسه في أول الأمر في كيفية التصرف، رغم أنه وجد السند في أبناء عمومته من الحمر الوحشية، وجلس على العرش بعد أن أطاح الأسد بذيله، ووُضِعَ له التاج بعد أن أطاح أيضا الأسد بأذنيه، لقد وجد له كبار الغابة من مستشارين ووزراء المهمة الناجحة، سيكون نِعمَ المطية للأسياد خلال مرحة حكمه، حتى لو بدا محكوما أكثر منه حاكما، سيجعل الحمار من نفسه مركوبا ذلولا للأسود والنمور وحتى القردة.. إنه مبتهج بذلك كل البهجة، المهم نجاح التجربة الديمقراطية، سيوصلهم الحمار "الحاكم" إلى أي مكان به الماء والكلأ والقطعان التي تتم مطاردتها، لن تتعب الزمرة المتحكمة في تنقلاتها، وسيبتهج الحمار بأنه "السلطان" والمطية في نفس الآن، هو لا يهمه سوى أن يسمى الحاكم الأكبر، المهم الوصف، أما مضمونه فلا يهم! لقد فاجأ الحمار الحيوانات خلال فترة ولايته بمواهبه المتعددة، فقد لعب أدوارا لم تكن في البال، إذ أصبح المهرج الذي يضحك الأسد ومستشاريه في لحظات البهجة، كما أصبح الأمين المؤتمن على أسرار الغابة، لكل هذا اجتمع كبار الغابة من أجل أمر طارئ وعاجل، وخرجوا بأمر عجيب وهو تمديد ولاية الحمار لمدة زمنية إضافية أخرى، وردد الجميع بصوت واحد:

ـ أبشر أيها الحمار السعيد..!

هكذا تسامعت الحيوانات في الغابات المجاورة بنبأ الحكم التناوبي في الغابة السعيدة، كانوا معجبين تمام الإعجاب بهذه التجربة الفريدة، حقا لم يُسمح لبعض الحيوانات بأن تنال شرف وحُظوة الحُكم الصُّورِي، كالأرانب والضفادع والغربان، إلا أنها وُعِدَتْ بأن المستقبل سيحمل لها بشرى تحقيق مثل هذه الأحلام، الأهم أن تُقدَّمَ القرابين بشكل سخي للسادة، فرضاهم وإشباع رغباتهم هو سر نجاح الديمقراطية التناوبية "الحقيقية" في أبهى صورها.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق