أضيف في 5 دجنبر 2017 الساعة 19:39

أطماع كبرى وانحرافات خطيرة وطعنات عميقة نافذة - الحلقة الأولى : انقلاب السقيفة و التداعيات الكارثية


nassar jarada

 

( مقدمه )

 

انحرافات خطيرة وطعنات عميقة نافذة مبعثها طمع بشري بالأساس طالت جل مناحي حياتنا الدينية والدنيوية تباعا ، منذ اليوم الأول لوفاة الرسول العربي الخاتم وصولا لعصرنا الحالي ، يدرك مداها وخطرها وحجم تأثيرها السلبي والتدميري العابر للقرون قلة فقط من البشر ممن انعم الله عليهم بنعمة العقل والتفكير والقدرة على سبر أغوار أحداث التاريخ العربي - في شقه الإسلامي - وتمحيصها ونقدها ومحاكمتها بأقصى درجات المنطق والحيادية ، وكذا كل من تسنى لهم الإحاطة بمحددات العقل السياسي العربي ومعرفة العوامل المؤثرة فيه ، وقراءة معطيات الواقع العربي البائس الراهن قراءة فاحصة متأنية ، وإدراك مدى ارتباطها بماضينا المأساوي الدموي الحافل بالسلبيات والانحرافات والمؤامرات والانقلابات والاقتتال والاحتراب والغزو والسطو والسبي .... الخ ، وهي أطماع و انحرافات ذات جذور وامتدادات جاهلية لم يستطع الدين الجديد وأدها أو القضاء عليها قضاء مبرما ، وقد بقيت جذور تلك الأطماع والانحرافات كامنة في اللاوعي العربي وعند قطاع كبير من سادات العرب وأشرافهم - الذين اسلموا طوعا أو كرها – تنتظر الفرصة المواتية للظهور والتمدد والانقضاض والسيطرة ، وأعني بذلك وفاة الرسول ، ولم تكن تلك الأطماع والانحرافات جلية واضحة لكثير من بسطاء الناس وعوامهم المبتهجين بالتغيير النسبي الذي طرأ على حياتهم بفعل الدين الفتيً الجديد الذي ساوى نظريا فقط بين السادة وعوام الخلق والعبيد ، خصوصا في مطلع تلك الحقبة التاريخية التي اصطلح المؤرخون على تسميتها بحقبة الخلافة الراشدة ، وهي حقبة ذات بريق وجمال نسبي خادع ، فهي لم تخل من المثالب الكبرى والانحرافات السياسية المصيرية والابتعاد عن المنهج القويم في الحكم والإدارة ، كان هذا هو الموجز والمقدمة واليك صديقي القارئ بيان لما نزعم ونعتقد بالأدلة والتفاصيل على حلقات متتابعة ، كل حلقة تسلط الضوء على حدث مفصلي خطير ومؤثر بدءا من الأقدم وتأتي بمقال مستقل يتضمن قراءة جديدة متميزة وغير نمطية ستكون صادمة لعشاق الركود الفكري والتصورات الجاهزة المعلبة والمألوف .

 

 

الحلقة الأولى : انقلاب السقيفة و التداعيات الكارثية

كبسولة 1: ( منذ قرون وئدت روحي ) مظفر النواب

كبسولة 2: ( الفكر هو انبثاق تصور جديد للأشياء أو انهيار تصور سابق أو سقوط مرحلة و بداية مرحلة ، وهو مخاطرة كبرى لا يجرؤ عليها إلا أولئك الذين فقدوا كل شيء تقريبا ، أولئك الذين وصلوا حافة الهاوية ، والسؤال مطموس منذ زمن بعيد ، إلى حد انه لم يعد يبدو سؤالا ، لقد تحول إلى مسلمة بديهية لا تحتاج إلى نقاش ، لقد فقد تاريخيته وغاص في أعماق الزمن السحيق وخلع عليه الزمن المتطاول حلة التقديس ، وهو محروس ، هناك قوى كاملة بعددها وعدتها مستعدة في كل لحظة للانقضاض على من تسول له نفسه أن يقترب ولو مجرد اقتراب من منطقة السؤال ، هناك جيوش كاملة من المراقبين والشيوخ والحراس والموظفين ، هناك أمة بأسرها كانت قد بنت مشروعيتها على طمس السؤال ، على تقييد السؤال بالأغلال ، وعلى تحويل السؤال إلى جواب !! ) د. هاشم صالح

نقص أو خلل جوهري في النظرية ، أي نظرية ، أو خطأ إجرائي جسيم في التطبيق ، سيؤدي حتما و بلا شك إلى وقوع كوارث بعد حين ، شئنا أم أبينا ، طال الزمن أم قصر ، هذا ما نعتقد بحدوثه ونحن نتأمل تجربة الحكم الإسلامي منذ النشأة الأولى ، فبمجرد وفاة الرسول الخاتم وقبل أن يجهز الجثمان الطاهر أو أن يوارى الثرى تداعى الطامعون في ملء الفراغ السياسي الحاصل إلى سقيفة بني ساعده ، ولست بصدد تقييم أي منهم أو تقدير مدي صلاحه أو صلاحيته للحكم ، فكل ما يعنيني - كخلف - بعد أربعة عشر قرنا من الزمان هو تقييم التجربة الأولى في شقها الإجرائي ، لمعرفة وقياس مدي شرعية اعتلاء سدة الحكم بتلك الطريقة السريعة الفجة غير الناضجة ، والتي هي اقرب ما يكون إلى الخطف والاستيلاء !! ، والتي أنتجت فيما بعد كوارث لا زلنا نعيش تداعياتها السلبية العابرة للقرون وسنظل إلى زمن يعلمه الله ، وثمة من يقول إن ما حصل بالسقيفة كان لا بد منه ، ولم يكن بالإمكان أبدع مما كان ، لأن بعض كبار الصحابة خشي وقوع الفتنة ، وهي قولة حق يراد بها باطل ، ولنتخيل أن حاكما من حكام زماننا احتج بمصادرة حق الناس في اختيار من يسوسهم اختيار حرا نزيها رائقا وفي سلب إرادتهم بقوله : لقد رشحت نفسي بمبادرة كريمة سخية من ذاتي وتصديت لأمر حكمكم بدافع من خوفي وإشفاقي عليكم وحتى لا تقع فيكم فتنة لا تبقي ولا تذر ، فأذعنوا وأطيعوا يرحمكم الله !! .

 

ويمكن لكل ذي لب وبصيرة اعتبار ما حصل بالسقيفة انقلابا من نوع خاص ، انقلابا لأن الاستيلاء على الحكم تم بسرعة خيالية – ساعة أو بعض ساعة !! - وفي جلسة خاطفة واحدة بمعرفة وتخطيط وتدبير وتنفيذ قلة فقط من كبار الصحابة المهاجرين هم أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ورهط من عوام المهاجرين ، وبحضور زعيم الخزرج سعد بن عبادة وسيد من ساداتهم هو الحباب بن المنذر و سادات الأوس أسيد بن حضير وبشير بن سعد وهما من المؤيدين لتولي أبي بكر وحزبه حسدا لسعد بن عبادة سيد الخزرج وحتى لا يتولاها !! ، والصحابي الجليل زيد بن ثابت وبعض عوام الأنصار فقط ، وهؤلاء مهما عظم شأنهم وقدرهم لا يحق لهم أن يغتصبوا سلطان الأمة أو أن يصادروا إرادتها وحقها الحصري في اختيار قائدها و رئيسها اختيارا حرا طائعا نزيها رائقا طبيعيا من قبل أعيانها وعلمائها و وجهائها وشيوخها الكبار الآخرين ، وخاصا لأن الانقلاب لم يحصل لإزاحة حاكم سابق جبرا أو اغتيالا ، فالحاكم السابق كان النبي صلى الله عليه وسلم وقد توفى وفاة طبيعية بسبب المرض ، و كذا لأن النص الديني - بغض النظر عن صحته أو موافقته للعقل والمنطق - استخدم لأول مرة على نحو احتيالي لاستدرار رضا الناس والحصول على مباركتهم ولجم معارضتهم ، وعندما يحصل ذلك في أي مجتمع من المجتمعات المتدينة ، يسلم في الغالب جل عوام الناس قيادهم طائعين دون تفكير حتى لا يبوؤا بغضب الرب وسخطه !! .

وقد رفض على بن أبي طالب وعمه العباس - كبيرا بني هاشم وقتها - الاعتراف بصحة وشرعية ما حصل بالسقيفة ولم يبايعا وكذا فاطمة رضي الله عنها ومثلهم قوم آخرون افتقدهم أبو بكر فقيل له هم عند على وفي داره فبعث إليهم عمر فناداهم ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا هذا الأخير بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها ، فقيل له يا أبا حفص إن فيها فاطمة ، فقال وإن !! ، فخرج الرجال وبايعوا مرغمين ( بيعة الحطب !! ) إلا عليا .

وللإحاطة بأبعاد ما حصل جيدا ولفهم أعمق أدعوك صديقي القارئ أن تتمعن الرواية التالية لابن قتيبة الدينوري في مؤلفه القيم الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء الجزء الأول صفحة 32 ، فقد سيق على بن أبي طالب مكرها إلى أبي بكر بعد تهديد عمر له بإحراق داره على من فيها بأيام ليبايع فقال : ( أنا عبد الله وأخو رسوله ، فقيل له بايع أبا بكر ، فقال أنا أحق بهذا الأمر منكم ، لا أبايعكم و أنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار ، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وسلم ، وتأخذونه من أهل البيت غصبا ، ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم ، فأعطوكم المقادة ، وسلموا لكم بالإمارة ، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار ، نحن أولى برسول الله حيا وميتا فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون ، فقال له عمر : إنك لست متروكا حتى تبايع ، فقال له عليا : احلب حلبا لك شطره ، وأشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا ، ثم قال : والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه ، فقال له أبو بكر : فإن لم تبايع فلا أكرهك ) .

وقد روى المسعودي في مؤلفه القيم مروج الذهب ومعادن الجوهر – الجزء الثاني صفحة 237 - أن أحدا من بني هاشم لم يبايع أبا بكر حتى ماتت فاطمة ، وقد اختلف الرواة في ميعاد موتها رضي الله عنها فمن قائل بعد وفاة أبيها بخمسة وتسعين يوما إلى قائل بعد وفاة أبيها بستة أشهر أو ثمانية ، وهي ابنة تسع وعشرين سنة أو نحوها ، و المؤكد بحسب روايات كثيرة أن فاطمة لم تبايع أبا بكر مطلقا ، وأن سعدا بن عبادة الأنصاري زعيم الخزرج والصحابي الجليل لم يبايع أبا بكر طيلة حياته ومن بعده عمر حتى قتل بالشام التي اختارها طوعا كمنفى له !! ، وتأخر في إعطاء البيعة كذلك جمع من كبار الصحابة والمسلمين كالعباس عم النبي والزبير بن العوام والحباب بن المنذر وقيس بن سعد وخالد بن سعيد الأموي ومثلهم كثير من وجوه القوم ، فقد كانوا مستائين ولهم رأي مغاير في كل ما جري ويجري !! .

وقد بدأت إرهاصات ( حروب الردة !! ) بعد ذلك مباشرة ، وهي اسم على غير مسمى وحروب طاحنة شنت لتحول دون انفصال كثير من القبائل والأقاليم عن الحكم المركزي الذي أقامه الرسول بالمدينة وقمع الاحتجاجات السياسية التي بدأت بالتشكل والتي هدفت إلى منافسة قريش على زعامة العرب ، ولم تكن الغاية من تلك الحروب إجبار الممتنعين على دفع الزكاة فقط كما روج دهاقنة السياسة وتجار الدين ورواتهم الدجاجلة المغرضين ، فالممتنعين عن دفع الزكاة فعليا كانوا قلة في الحقيقة ، وامتناعهم لم يكن من باب الإنكار لركن من أركان الإسلام الخمسة بل احتجاجا وسخطا وعدم رضا عما حصل بالسقيفة ، فقد كانوا يؤدون الزكاة طائعين راغبين بمحض إرادتهم للنبي في حياته ، وقد جرى التدليس علينا بهذا الخصوص قرونا طويلة ولا زال !!، وبإمكان صديقي القارئ الفطن ملاحظة حجم الاتساع الجغرافي لخارطة التمرد ليدرك بسهولة ودون عناء حجم السخط السياسي المتشكل وأن الشورى المحدودة جدا والصورية والبيعة الخاصة المسلوقة التي وقعت في السقيفة لا تعكس إرادة الأمة أو جل الأمة بأي حال من الأحوال ، وقد تمرد معظم العرب في كافة أنحاء شبه الجزيرة باستثناء المدينة المنورة ومكة المكرمة والطائف المجاورة لها بسبب ذلك !! .

وعود على بدء ، فقد شد بعض كبار الصحابة الطامعين بالخلافة الخطى باتجاه سقيفة بني ساعده لما علموا باجتماع رؤساء الأنصار و وجوههم هناك بنية تنصيب أحدهم خليفة ، واحتج هؤلاء على الأنصار هناك بحديث ضعيف مفاده وجوب أن يكون الأئمة من قريش ، ليمهدوا لأنفسهم سبيل الوصول للخلافة وليمنعوا غيرهم من قبائل العرب الأخرى من اعتلاء سدة الإمامة العظمى مستقبلا ، وهو حديث فاسد لا يصح عقلا ومنطقا ، وإن صلح نسبيا أو بالكاد أو بمحض الصدفة لذاك الزمان ، أعني في صدر الإسلام ، لمرة أو مرتين ، كما يزعم و يعتقد البعض ، فلا يصلح بتاتا بكل تأكيد للأزمنة اللاحقة ، فالشعوب ليست متاعا خاصا يورث لرجالات قريش وصبيانهم بنص ديني مهما عظم ، ولا يمكن أن يقبل به جل مسلمي عصرنا الحالي لو كانت الخلافة لا زالت قائمة وهو يتناقض صراحة وكليا مع حديث النبي في خطبة الوداع الذي يفيد بأنه ( لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى ) !! ، وقد أثار الاحتجاج بحديث الأئمة من قريش جدلا فكريا واسعا على مدار العصور وتساؤلات جمة منها : كيف يكتفي النبي بتعيين القبيلة التي ستتولى أمر المسلمين بعد رحيله دون أن يضيف لذلك أيه تفصيلات تمنع الشقاق بين القريشيين أنفسهم ؟ ، ثم كيف يوجه النبي توجيها كهذا ثم يجهله الأنصار وهو مقيم بين ظهرانيهم ؟ ، وهل كان هؤلاء سيقدمون على عقد اجتماع السقيفة لو أن هذا التوجيه كان معلوما لديهم ؟؟؟ .

و بإمكان صديقي القارئ تبين وإدراك مقدار وفاء بعض كبار الصحابة لنبيهم الراحل منذ سويعات فقط ، حين يعلم أنهم انشغلوا بتهديد بعضهم وبالتلاسن والسباب والشجار - الذي كاد أن يتحول إلى اقتتال دام بالسيوف - عن المشاركة في تجهيز النبي ودفنه ، أو على الأقل إظهار الحزن العميق علي رحيله وكما ينبغي لرجل عظيم مثله ، وقد دلس علينا رواة التاريخ والمحدثون عندما خلعوا علي كثير من هؤلاء النفر أثواب القداسة والطهارة والتبجيل دون حساب !! .

وبدلا من أن يقوم الخليفة الأول بمحاورة المتمردين على امتداد شبه الجزيرة وتفهم دوافعهم وإرضائهم والبحث عن وسيلة ما لحقن دمائهم - وهم يشكلون جل أبناء شعبه في ذلك الوقت - عمد إلى كل ما يعمد إليه الجبابرة في كل العصور ، حاربهم بكل ضراوة واستأصل شأفتهم ، كما لو أنهم لم يشهدوا يوما بالشهادتين أو يصوموا أو يصلوا لذات القبلة التي صلى لها ، واستولى على أموالهم وقتل وأسر فيضا من رجالهم وسبى نسائهم و ذراريهم ، وقد خلق ذلك أحقادا وعداوات – أهمل ذكرها الرواة عامدا - دامت عقودا وظلت كامنة في النفوس كالنار تحت الرماد .

 

ومن التداعيات الكارثية غير المباشرة التي نتجت عن ما حدث بالسقيفة الاحتجاج بوصية الخليفة الأول ( دام حكمه سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام ومات مسموما ) للخليفة الثاني ( دام حكمه عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال ومات مقتولا ) ، من قبل من تتابعوا على حكم المسلمين في العهود اللاحقة لتبرير الاستمرار في وأد الشورى الحقيقية وسلب إرادة الأمة في تنصيب حكامها !! ، وهي وصية فاسدة مخالفة لسنة النبي الخاتم الذي لم يترك وصية أو عهدا بالخلافة لأحد من المسلمين ، وقد كان أولى به أن يفعل لو كان ذلك جائزا لأحد من بعده حقا !! .

وبعد : لست سنيا ولست شيعيا ولا ينبغي لي أن أكون ، ولم اكتب في هذا الموضوع لأتحامل على قوم قد مضوا إلى غير رجعة ، فهم أسلافي على كل حال وربي الذي هو ربهم أيضا حسيبي وحسيبهم ، ولكن لأنير الدرب وأنبه الغافلين من أبناء أمتي ، وحتى يتوقف السذج عن تبجيل السلف بالجملة وتقديسهم بلا مبرر أو داع ، فبعضهم كان صالحا تقيا ورعا ولا ريب وجلهم كان على غير ذلك تتنازعه الأهواء والمطامع البشرية ، يعيش حاضره لذاته ، غير قادر على استشراف المستقبل ، ولا يعنيه ما سيحصل لغيره في مقبل الأيام .

و أستطيع الجزم بعد أربعة عشر قرنا من الزمان أن خللا جسيما خطيرا عظيما قد وقع بالسقيفة ، وأنه كان بالإمكان دفعه ومنعه لو تريث الطامحون وكبحوا جماح طمعهم وانتظروا فروغ كبار بني هاشم كالعباس وعلي من تجهيز النبي ودفنه واجتماع بقية كبار الصحابة والعلماء ورؤساء القبائل ووجوه الناس وتشاوروا مليا في أمر خلافة النبي بما يليق بأمة فتية ناهضة يفترض أنها خير أمة أخرجت للناس ، وقد كان بإمكان ذلك لو حصل واقترن بتشكيل مجلس شورى موسع من هؤلاء يأخذ قراراته ويبلورها بالتوافق والرضا أو بالأغلبية أن يصبح عرفا حضاريا يأخذ قوة الدستور ويمنع لاحقا تسلط كل من استباحوا حياض شعوبنا وامتنا باستبدادهم وتوريثهم الحكم لصبيانهم أو محاسيبهم على مدار تاريخنا المخزي ولربما كان سيتغير بسبب ذلك واقع أسلافنا ومن ثم واقعنا المعاصر وتاريخ منطقتنا وربما تاريخ العالم بأسرة !!

وفي ما يشبه صحوة ضمير روى الرواة أن الخليفة الأول صرح في آخر عهده قائلا : ( وددت لو أني سألت رسول الله عن ثلاث ) ومن هذه الثلاث قال : ( وددت لو أني كنت سألته في من هذا الأمر فلا ينازع الأمر أهله ) !! مروج الذهب - الجزء الثاني ص 238 ، ولم يحل غياب جواب واضح على ذاك التساؤل الخطير الذي خطر ببال الخليفة الأول دون تحقق نبوءة علي بن أي طالب التي كان موضوعها الخليفة الثاني فقد قال له : (احلب حلبا لك شطره ، وأشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا !! .

وقد قال الخليفة الأول في أول خطبة له بالمسجد النبوي في استغفال واضح مقصود لجمهور المسلمين : ( أيها الناس، إني قد وليت عليكم ولست بخيركم !! ) ، وكأنما الخلافة هي من سعت إليه وتشبثت به رغما عن أنفه وهو جالس في داره بالسنح أعالي المدينة المنورة !! .

وقد ماتت فاطمة رضي الله عنها غاضبة حزينة متذمرة وليس في عنقها بيعة لأحد ، فهل ماتت ميتة جاهلية ونحن لا ندري ؟؟ ، كما جاء في نص الحديث الشريف الذي رواه مسلم ، ومثلها أولئك المعارضون المقتولون من الصحابة وعوام المسلمين الذين كرهوا ما حصل بالسقيفة ولم يستسيغوه وتفاعلوا مع تلك اللحظة التاريخية الفاصلة بذات الكيفية أو بالتمرد والرفض !! .

وقد جاء في زماننا هذا من يدافع عن الغلطة الكبرى التي سماها الخليفة الثاني في إحدى خطبه بفلتة وقى الله المسلمين شرها !! ، بزعم متهاو ساقط مفاده أن الصحابة المهاجرين بفلتتهم بالسقيفة - اعني تعيين أبي بكر خليفة دون شورى حقيقة - كانوا قد أجهضوا مساعي المنافقين الذين كانوا يتربصون بالمسلمين الدوائر ويسعون لتعطيل مشروع المجتمع الإسلامي الوليد والقضاء عليه ، وهو تبرير لا نقره ولا نقبله ولا نعتقد أبدا بصحته أو بملائمته للواقع ، و إذا كانت تلك فلتة وقي الله المسلمين شرها فكيف قبل من وصفها بهذا الوصف ، تكرارها بصورة اشد و أبكى ، واعني بذلك قبول تعيينه خليفة ثان بوصية فقط دون أدنى شورى ؟؟!! .

وختاما لا ادري لم حفل ديننا بكل تلك الأحكام والتفصيلات المملة المتعلقة بالطهارة والاستنجاء والوطء والزواج والطلاق والتركات والمواريث ... الخ ، وغفل عن تحديد أي قواعد واضحة أو تفصيلية ضامنة لحسن سير الشورى والبيعة وكذا لعزل الحاكم ومحاسبته إن بغى وجار وتجبر وصادر حق الأمة الحصري في تنصيبه أو عزله أو تنصيب وعزل من يليه ، أتكون تلك الأحكام والتفصيلات الخاصة أكثر ديمومة وأهمية ونفعا للأمة من غيرها ونحن لا ندري ؟؟؟ .

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : nassar jarada

كاتب و باحث   / غزة , فلسطين المحتلة


تعليقاتكم

1- تعليق

موحي موحي

اولا انت تنقل هن المسعودي وهو شيعي ولايؤخذ بكلامه في الصحابة الكرام...ثانيا كتاب الامامة والسياسة لايصح ان ينسب لابن قتيبة وبحسب الدكتور دوزي (.1.أن كثيرين ممن ترجموا لابن قتيبة لم ينسب إليه واحد منهم كتابا أو مؤلفا له بهذا العنوان. إلا القاضي أبو عبد الله التوزي المعروف بابن الشباط في كتابه " صلة السمط ".
2.أن مؤلف الكتاب الإمامة والسياسة يذكر أنه استمد معارفه من أناس حضروا فتح الأندلس في سنة 92 ه‍، وأن موسى بن نصير غزا مدينة مراكش في زمن هارون الرشيد، مع أن ابن قتيبة، ولد في سنة 213 ومات في سنة 276. ولم تبن مدينة مراكش إلا في سنة 454 في عهد سلطان المرابطين يوسف بن تاشفين.
3.أسلوب الكتاب يختلف كثيرا عن أسلوب ابن قتيبة المعروف في كتبه.
4.لم يرد ذكر في الكتاب لاي من شيوخ ابن قتيبة.
 )..اذا كنت تبحث عن الحقيقة فعندك كتب الصحاح وليس كتب الاخبار وكتابات الحاقدين الروافض...

في 05 دجنبر 2017 الساعة 38 : 23

أبلغ عن تعليق غير لائق


2- الى السيد المعلق موحي بعد التحية

نصار جرادة

كنت اتمنى ان يكون تعليقك في غير هذا الاتجاه ، فكل فكرة لا تعجبنا أو تفحمنا نلصق بصاحبها تهمة التشيع وهو والله ليس بتهمة ابدا و لا ينتقص من قيمة صاحبة ابدا ، خاصة عندما يكون قامة كبيرة و عالم جليل كالمسعودي ،  ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون  )  ! ! ، لا زلنا كعرب نترك لب الموضوع و نتمسك بالشكل والقشور ولا ندحض الفكرة بفكرة ، لهذا يبقى الداء ويضيع الدواء  ! !
هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فالشكوك بخصوص نسبة كتاب الامامة والسياسة لابن قتيبة صحيح قائمة ولكنها قليلة ولا ترقي لدرجة اليقين والى أن يصبح الشك يقينا سيبقى الكتاب منسوبا اليه وهذا لا يقلل من قيمته العلمية كأحد اهم المراجع التاريخية ولا عيب في الاستناد اليه ابدا اللهم اذا كنا مغرضين و نحب الاصطياد في المياه العكرة .

في 09 دجنبر 2017 الساعة 00 : 14

أبلغ عن تعليق غير لائق


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق