أضيف في 5 دجنبر 2017 الساعة 19:17

في القول بانتشار التدين بالمغرب


نورالدين البودلالي

     عبر موقعه في الفايسبوك نشر الأستاذ المكي ناشيد مقالا. ولأنه يؤمن بحرية الرأي وحق الاختلاف، وأني لا أميل للتهليل ولا للتهجم، وإنما لقول ما أفكر به، أدرج ما يلي من الملاحظات:

      1-إن نحن تبثنا أرجلنا على الأرض ولم نكن سابحين، قاصدا –بسابحين- التحدث في الكائن الذي أريده (كأنا لا ترى سواها) أن يكون، فإني لا أعتقد أن الموضوع المطروح يمثل، بالنسبة لواقعنا المغربي العربي الإسلامي، موضوعا موضوعيا في الصيغة التي طرح بها: «انتشار ظاهرة التدين بين الشباب المغربي: أسئلة قلقة». أعتقد أن الشباب المغربي ليس علمانيا ولا ملحدا ولا حتى غير متدين من حيث طبيعته، حتى نتحدث عن "انتشار ظاهرة التدين" بمثل ما قد نتحدث عن "انتشار التدين بالإسلام عوض المسيحية بين مواطني إيطاليا" مثلا، بل إن المجتمع المغربي برمته لم يكن يوما غير ما هو عليه: مجتمع متدين في أغلبه بالإسلام، وأقليات دينية وغير دينية أخرى تحتضنها الدولة ضمن التكوينة المتعددة للثقافة المغربية. من المفترض جدا أن صاحب الموضوع يفترض، كمقدمات خاصة به تيسر له البناء والاستنتاج، أن الدين والتدين بصفة عامة، والإسلامي بصفة خاصة، من مستجدات المجتمع المغربي أو من الظواهر الشاذة التي أحدثت خلخلة في النظام السائد، وهو يشهد غزوا دينيا غير مسبوق. فالباحث يعلم حق العلم أن التاريخ يثبت أن المغرب، قبل وبعد الفتوحات الإسلامية، إذا تحدثنا لغة التاريخ المدرسية، كان يدين بدينٍ، كما هو الحال بالنسبة لجميع شعوب المعمورة، سابقه وحاليه. وعليه، فتدين المجتمع المغربي أمر طبيعي لطبيعة مكوناته السوسيو-ثقافية والتنشئة الاجتماعية التي يكون الأفراد موضوعا لها. طبيعي أيضا أن تكون هناك حالات عدم إقامة الشعائر أو حتى الإلحاد لكنها لاتصل لدرجة أن نسم بها المجتمع برمته.

      2- الرقم الإحصائي المثبت الذي يقيس قيمة التدين، أعتقده، باعتماد الفقرة السابقة، طبيعي وموضوعي، على اعتبار أنه يعكس واقع الحال في مجتمع يفصح عن كينونته. أما الأرقام الأخرى فتقيس قيما اجتماعية أخرى قد تكون لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة، لكنها في مجال بحث الموضوع المدروس من طرف أستاذنا ليست ذات أثر في شرح "ظاهرة انتشار التدين"، إن اتفقنا مع الأستاذ حول موضوع بحثه.

في العلوم الإنسانية تقيس الدراسات الإحصائية ظاهرة ما لمعرفة واقع حالها، لكن الظاهرة التي ستطبق عليها الأرقام الإحصائية لا أراها توافق واقع المجتمع، بل زج بها زجا في تفسير "انتشار التدين" في مجتمع هو أصلا متدين. أضف إلى ذلك أن الأرقام قد شملت ظواهر أخرى كالمحسوبية والمظاهر الخارجية وغيرها. هنا سأحول دائرة النقاش بسؤال عام، وهو على هامش المناقش: ما نسبة تدخل المثقف المغربي في تغيير واقع الحال؟ باعتراف العديد منهم، كل الأوراش الإصلاحية نحو تحديث المجتمع فشلت. لماذا؟! من جديد سنجد أنفسنا أمام السؤال الذي يكرر نفسه كنسخ عن السؤال الأصل: لماذا تقدم الآخرون وتأخرنا نحن؟ .. هل أنا عدمي؟ هاكم مثال المثقف المغربي الذي ينعت عامة الناس ب"الأغبياء" لكونهم لا يفهمون لغته الأكاديمية فيغضب ويقذفهم بالأمية، وهم أصلا لم يدخلوا البتة المدرسة أو انقطعوا عنها أو فصلوا منها في سنوات تكوينهم، ولم يكمل منهم دراسته سوى نسب هزيلة. معه الحق، لكنه بقي هم منعزلا في برجه المخملي، وظلوا هم في حياتهم يعيشون تاريخها. الانفصام!

      3- أرى أن هناك تضخيما مفرطا في زيادة دور مادة التربية الإسلامية، في هذا المقال كما في غيره من قبل، بادعاء توجيهها ميول الفرد المغربي نحو التدين، بالإسلام خاصة. ليس في منهج التربية والتعليم المغربيين، حسب علمي، ما يفرض على المدرسين والمدرسات، التقيد باتخاذ أي مظهر من مظاهر التدين، بل كانت تلك المظاهر ولاتزال اختيارا شخصيا بالشخص، ومن عدم التسامح والتدخل في الحريات الشخصية للغير إجباره عدم ارتدائها (لنا في النقاش الواسع الذي عرفته فرنسا بين قيم الحداثة وقيم الجمهورية). للمقارنة، هل كان هناك من يفرض على الغربيين وشم الصليب على أجسادهم غير اختيارهم الشخصي الذي لا يناقش بحكم قيم التمدن والحداثة؟

هذا من جهة ومن جهة أخرى، لو أننا لم نعتمد أخذ كل مادة على حدة، وقمنا بتقسيمها قسمين: الدينية وغير الدينية، لوجدنا، في اعتقادي، أن من هذه المواد الكثير مما يُفترض ترسيخها لقيم العقل والمقارنة والنقد وغيرها من قيم الحداثة والعقلانية: التاريخ والجغرافية والفيزياء والكيمياء والعلوم والرياضيات والإعلاميات، إضافة اللغات وباقي المواد عدا التربية الإسلامية (إن وافقنا رأي الأستاذ). هذا فقط لأن المدرسة المغربية تضع ضمن مصوغاتها، إضافة إلى الحفاظ على المكتسبات الروحية والوطنية، الانفتاح على الثقافة الكونية والقيم الإنسانية ذات الطابع الحداثي. علاوة على ذلك، لا أرى أن تجزئ المواد المدرّسة لجلب الأثر لا يمكن أن يكون من العلمية في شيء. إن عزل مادة ما في الزاوية، وتوجيه سهام النقد لها للمساهمة في مشروع فكري دون مراعة لتاريخية المجتمع، إنما هو تعسف على المادة وامتداداتها الاجتماعية التي قد تحصل بحسب ظروف داخلية وخارجية تخص الفرد المربى

نعيد السؤال، كما سبق أن طرحناه، هل حقا وفعلا أن مادة التربية الإسلامية، وحدها وبقوتها الذاتية، هي التي تشكل السبب في «انتشار ظاهرة التدين بين الشباب المغربي»؟ هل المدرسة التي تدرس هذه المادة هي المفرّخة للإرهاب؟ ببساطة أقول: الفرد المغربي حين يفتح عينيه يجد نفسه يتنفس إنسانية موسومة بطابع المجتمع الذي هي فيه؛ و، بالمراعاة لموضوع النقاش، ينمو ويترعرع في مجتمع متدين؛ وحين يدخل المؤسسة التعليمية يكون قد تمثل مجتمعه باعتباره متعدد المشارب ، الدين واحد من مكوناته (ألا نقول أن الطفل حين يلج المدرسة يحمل معه تاريخه)؛ وحين يتخرج أو يغادر هذه المؤسسة يلفي نفسه كفاعل، إيجابي أو سلبي، مطبوع بتلك المكونات الثقافية والعادات الاجتماعية. أما القول ب «انتشار ظاهرة التدين بين الشباب المغربي» فهو قول، حسب اعتقادي، لاتاريخي.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق