أضيف في 5 دجنبر 2017 الساعة 15:15

''رقية'' بنت الأعالي 1/2


الحبيب عكي

        ولدت "رقية" في قرية آمنة مطمئنة بين الواحات والأعالي،وكان يأتيها رزقها رغدا من عند الله،وكأنها سيد من أسيادها وعرف من أعرافها،بدأت اليوم تتجاوز بحكم اتساع القرية وكثرة أهاليها الذين لم يجدوا حرجا في تغيير عاداتهم وتقاليدهم كما تغير الطقس والمناخ،تربعت في القرية إدارة مخزنية اسمنتية حديدية فسيحة عريضة شاهقة تكاد تكون هي المعلم والمسير الوحيد لكل شؤون القرية؟؟.كانت الإدارة عبارة عن بناية فارغة وجدران غامقة وكي تتحرك دواليبها وتنتج بعض خدماتها،زودها القوم بالموارد البشرية والوسائل التقنية وكل شيء غير دقة التنظيم وفلسفة العمل وتخليق التعامل فكانت المطبة الأولى في أسسها وفروعها؟؟.

 

       وككل ابنة أسرة ممتدة بدأ يدب فيها وهن الفرقة وعجز الشيخوخة،فقد تناسل في القرية عدد آخر من الإدارات تدعي استقلالها وتجديد عزمها وقضاء أغراض مواطنيها وقدرتها على المنافسة في ذلك بكل عزم الاستقلالية وعنفوان الشباب والتخصص،لكن يبدو أن المظهر الذي كان في منطلقه غير سوي يصعب أن يكون في سيره كذلك أو حتى قريبا من ذلك؟؟.غرابة في الأعراف والتقاليد،في الاهتمام والتعاطي،في المهتمين والمتدخلين،فما عاد اليوم في القرية مكانة لشيخ القبيلة والفقيه العالم ولا المعلم الأستاذ ولا التاجر الصانع،بل لمقدم الحي وقائد الجماعة ومخبر الشرطة والمحبط المنتظر واليائس المهاجر،وما عادت في القرية فلاحة معاشية ولا تجارة تسويقية بل رياضة ترفيهية وسياحة موسمية وأفراح وأعراس بالقروض والمحاكم،وها هم أهل القرية في سيرهم ذلك لا يبالون باستبدال "تويزتهم"الجماعية التضامنية بما أصبحوا ينتظرونه من مساعدات واستثمارات بعض المنظمات الدولية التي كادت أعلامها فوق بناياتها تغطي على علم البلاد؟؟.

 

        اليوم سقطت خالة "رقية" مريضة في الأعالي،ومن هناك وبعد الوساطات والتدخلات،كانت محظوظة وأرسلوا لها الحوامة الجديدة للدولة تسعفها وتحملها من الأعالي إلى المستشفى الإقليمي قسم المستعجلات،ولأن المستشفى الإقليمي غير مجهز وليس فيها تخصصات ولا مستعجلات ولا صيانات،فقد وجهوها إلى مستشفى جهوي ومن حظها كذلك أنه جامعي،لكن هذه المرة على مثن السيارات والحافلات التي قطعت أمعائها قبل أن تقطع بها على مرضها المسافات والمسافات وكلفتها أعصابها قبل أن تكلفها من مصروفها الهزيل النفقات والنفقات،وفي الجامعي فرضوا عليها مقابل الدخول ضرورة التوفر على موعد مسبق،أخبرتهم بأن حالة خالتها لم تكن تسمح للبحث في ذلك،ردوا عليها بضرورة الأمر خاصة أن الموعد الآن في المستشفيات أصبح جد ميسر ويؤخذ فقد عبر الهاتف والانترنيت وهو أمر في متناول الجميع،.والآن ولأن الأسرة في الجامعي مملوءة عن آخرها والأيام ليس فيها واحد فارغ ولن يكون كذلك إلا بعد 06 أشهر،فقد نصحوا لها بمصحة خاصة ومنهم العشرات في المدينة يمكن أن تجد واحدة منها في كل عمارة،ولأنها لا تملك مصاريف المصحة فقد عادت بخالتها إلى بيتها على مثن الدواب وبالتناوب على الحمير والبغال يقطعون بها الوديان والفيافي،وربما ماتت على ظهرها وربما وصلت بيتها وماتت كمدا تبحث عن الهاتف والمصحات هناك في الواحات والأعالي؟؟.

 

         حرمت بنت الواحات والأعالي من متابعة دراستها العليا في جامعة بلدتها والتي سميت باسمها خدمة لأبنائها،ولأن ذلك كان من مجرد القيل والقال فقد اضطرت "رقية" إلى الانتقال إلى جامعة العاصمة الإسماعيلية على بعد 500 كلومتر كانت تقترض في كل نرة مصروفها؟؟،ورغم ذلك فقد حرموها أيضا من المنحة الجامعية رغم أن أباها كان من المعوزين المستحقين للمساعدة،وحجتهم في ذلك أن أخاها كان موظفا وعليه يقع واجب المساعدة الأخوية والاجتماعية ولو رغما عنه ونيابة عن الدولة؟؟،ناضلت المسكينة في الجامعة السنة والسنتين وسقطت السنة والأخرى،ورغم التقشف والحرمان و الاجترار والتكرار،فقد تزودت على الدوام بالإصرار والتحدي إلى أن حصلت على إجازتها في الحقوق والقانون،وكم كانت خيبتها انها بعد كل تعبها والشقاء لم يفتح أمامها من كل أبواب المجتمع غير باب العودة إلى بيتها فعادت إليه كما خرجت منه لا شغل ولا مشغلة؟؟،وكم أرسلت من طلبات البحث عن العمل وكم شاركت في الاحتجاجات من أجل ذلك،وكم خضعت لتكوينات تأهيلية رسمية وخاصة من أجل ذلك دون جدوى؟؟.وأخيرا استسلمت لحظها التعيس تتمعش في تربية الأرانب والدجاج وتتجول في أندية الطرز والخياطة بعد كل سنوات المطاردة والانتظار والضياع؟؟.

الحبيب عكي

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : الحبيب عكي

أستاذ/فاعل مدني/كاتب   / الرشيدية , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق