أضيف في 5 دجنبر 2017 الساعة 13:57

في العنف الممارس على المرأة ومنها.


الحبيب عكي

           لا تزال الحملات التحسيسية لمناهضة العنف الممارس ضد المرأة في توال مستمر وبكل الدعم المادي والمعنوي للأيام والمنظمات الدولية والمنابر الإعلامية والدوائر التشريعية والجمعيات النسوية والنسوانية..، ورغمها لا يلبث هذا العنف المقيت البغيض إلا في ازدياد فظيع يستحلي النهش في جسد المرأة الهش وهدر كرامتها وتنغيص حياتها بتلطيخ سمعتها وخدش حيائها وعفتها،وإن تكن أمه أو زوجته أو بنته أوأخته،فبالأحرى زميلته أو مستخدمته أو حتى قائدته وأستاذته؟؟.

 

         ولئن كانت الثقافة الذكورية وحب التملك وراء كل العنف الممارس على المرأة كما يقول الباحثون والمحللون،فإن نفس الثقافة النسوانية وحب التملك الطفولي والشهواني(Désir caprécieux) والانتقامي والعنصري(Vengence raciale) وراء العنف الممارس من المرأة على غيرها،وإن يكن زوجها أو ابنها أو أمها و ابنتها فبالأحرى حماتها وخادمتها ومستخدميها وكل محيطها وعالمها الداخلي والخارجي،وهو عنف رمزي ومادي لا يقل خطورة وفظاعة عن الذي تشكو منه وتقع له ضحية؟؟.

 

          فعندما يكون الرجل هو الكل في الكل،ويقرر من جهته وبمفرده معاشرة زوجته في إطار الزواج أو خارجه،وفي بيت الزوجية أو خارجها،وعلى معتقده ومذهبه أو غيره،وفي بلدته وموطنه دون غيره،ويقرر رغمها الإعلان عن العلاقة بينهما من عدمه،والإنجاب معها من عدمه،وعند الإنجاب يقرر تسمية المولود وتعريبه من عدمه،ويقرر الصرف على الأسرة من عدمه،بل واستمرار الأسرة أصلا من عدمه،بل وحتى عند الهجر والطلاق يقرر دفع النفقة من عدمه...؟؟،فهل هناك استضعاف و عنف ضد الشرائع السماوية والأعراف الدولية والفطرة الإنسانية أكثر من هذا؟؟.

 

          ولكن بالمقابل أيضا،عندما تكون المرأة هي مركز الكون،وتقرر من جهتها وبمفردها القبول والخضوع في كل ما سبق من عدمه،أو الوفاء والإخلاص لرفيق دربها أو مستخدمها من عدمه،أو التنغيص على الرجل المنصف وأهله وأبنائه الأبرياء من عدمه،بل عندما تمارس المرأة أكثر مما يمارس عليها على حماتها الكهلة المريضة،أو على خادمتها الأمية الغريبة الفقيرة المستضعفة،فتجبرها بكل فظاظة على ..وعلى..وعلى..وتفرض عليها دون وجه حق كذا..وكذا..وكذا..،بل قد تبيح لشيطانها حق نتف شعرها وحرق جسدها وإجبارها ربما على تقديم خدمات دنيئة لها ولفلانة وعلانة أو حتى لفلان وعلان من الأقرباء والغرباء؟؟،هل بعد هذا عنف من المرأة ضد المرأة؟؟.بل إن تلك الخادمة بدوها قد تمارس نفس العنف أو أكثر منه على ما قد يكون تحت سيطرتها من الأبناء الصغار أو الشيوخ الكبار،أو فقط تقتدي بسيدتها في تعذيب وتعنيف حتى نفسها؟؟.

 

         أصل البلاء إذن عند الرجال والنساء سواء،وكليهما أبطال العنف وضحاياه في نفس الوقت،أصل البلاء إذن هو حب التملك وشرنقة الفردانية التي لا ترى غيرها وهواجسها الأحادية المصدر والوجهة والكم والكيف،أصل البلاء هو أمزجة النفوس المريضة التي لا تشبع من إدمان شهواتها المدمرة ومتعها الشبقية المنهكة؟؟،وعليه فلا محاربة لكل أشكال العنف في الحقيقة إلا بثقافة الاعتراف بالآخر وباختلافه وحقه في ذلك،وبأن هذا الاختلاف بين الناس لا يمنع من نسج علاقة رحمة ومودة وأخوة وإنسانية ناجحة يتعايش فيها الجميع بثقافة "لا ضرر ولا ضرار" ومنهج "رابح رابح بين كل الأطراف"؟؟،وأطراف مثل هذه العلاقة ليسوا مسؤولين إلا على أنفسهم،وكثير هو ما يمكن تبادله بينهم دون ارتباط عضوي،ولا تابع ولا متبوع،ولا أعلى وأدنى وأقوى وأضعف وأحسن وأخشن؟؟.

 

        أريت كيف يكون المرء عندما يجد نفسه في المهجر بين قوم غرباء عنه لونا ودينا ولسانا ومعشرا وتصورات ومعتقدات وسلوك وعادات وعلاقات وارتباطات وأطعمة وأشربة وألبسة وأفراح وأتراح...،أيتعايش معهم بسلام أم يدع عنف التطابق والسيطرة والتحكم والاستدراج والترويض تسعر الجحيم بينهم؟؟.فلماذا يجتهد المرء في أن يتعايش مع الأغراب ولكنه يأبى إلا السيطرة على بني وبنات قومه وربما بنفس عقلية القسوة والعنف والاستتباع القهري،كأنما هو مباح للتلميذ ومن مجرد ومنطق واجب الاحترام أن يبقى خاضعا لسيطرة أستاذه الجامد ملفوفا في مزاجه الفاسد ناهجا نهجه العقيم،وليس مطلوبا منه بعد الوعي شيئا ما من الاستقلال والاجتهاد و لما لا التمايز والتجاوز إذا كان من الممكن إلى ما هو أجدى و أفضل؟؟.

 

        لا لكل عقلية وعلاقة ومزاج قد يلغي الآخر عقلا و جسدا ورأيا و وجدانا ومصالح ومطالب ورغبات وآلام وآمال وتوجهات واختيارات،لأن كل دساتير الدنيا ومواثيقها وتعاليمها وعلى رأسها تعاليمنا الإسلامية التوحيدية بما توجبه من الوحدة في إطار التعدد والاحترام بين الجنسين والقوامة بين الزوجين،تعترف باستقلالية وتحرر كل العباد إلا من الله سبحانه وتعالى،تعس عبد الدرهم والدينار والقطيفة والخميصة...،وتعترف بالاختلاف بين الجنسين وتحفظ لهما الخصوصيات وتجعل مدار الارتباط بينهما مبنيا على الحقوق والواجبات والميثاق الغليظ والمسؤولية المتبادلة المفعومة بالمودة والرحمة وفي الحديث:"لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها"رواه الترمذي// وبالمقابل"أيما رجل نظر إلى زوجته نظرة رحمة ونظرت إليه إلا نظر الله إليهما نظرة رحمة فإذا أخذ بكفها تساقطت ذنوبهما"عن أبي سعيد الخدري؟؟،

 

         إن الشريعة أقرت بحق المرء حتى في الإيمان و الكفر،وعليهما مدار قبول الأعمال ودخول الجنة أو العكس والعياذ بالله،وكذلك جعلت الشريعة مدار كل شيء في الحياة مجرد الدعوة؟؟و أقرت بين الجنسين بإبرام العقود أو فسخها و تقديم الخدمات بالمقابل أو رفضها،فما المعنى مثلا من قبول الزواج أو رفضه،ومن استدامته بالمعروف أو اللجوء ضررا إلى الخلع، وما المعنى من الإرضاع بالمقابل أو رفضه ومن قبول الصلح ذات البين والسعي إليه أو رفضه والإعراض عنه،ما المعنى من الملكية الخاصة وغيرها من الأحكام الفقهية كثيرة ومتميزة إلا عدم إجبار أي طرف على شيء أي شيء وبأي شكل من الأشكال،فلما كل هذا العنف من أي كان أو على أي كان،والله تعالى قد حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرما وأمرهم وجوبا لا مندوبا ولا استحبابا ألا يتظالموا،والحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول:"ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما نزع منه إلا شانه"رواه مسلم؟؟.

الحبيب عكي


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : الحبيب عكي

أستاذ/فاعل مدني/كاتب   / الرشيدية , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق