أضيف في 3 دجنبر 2017 الساعة 15:53

أشياء بسيطة و معنى عميق


رشيد اليملولي

أشياء بسيطة و معنى عميق .

يعلمنا الدرس السيميولوجي أن الحدث أو الإشارة أو الإيماءة مهما كانت بسيطة ، فهي تحبل بمعاني لا حصر لها ، و علمنا علم النفس أن فلتات اللسان لا تعني فتاتا كلاميا أو نفسيا ، بقدر ما هو معين ينطوي على مكبوث اجتماعي و ثقافي ، الحصيلة أ ن " العبث" أو الفوضى أو البساطة ، تنتظم وحداتها الداخلية وفق نسق معين ، يوحي بمعنى بليغ و دلالة معينة ، تكشف عن مخبوء أو كبث ، و قد تكون معانيها ملقاة على جادة الطريق ، لا تحتاج ترسانة معرفية أو منهجية لتأويلها ، إذ قد تنطق من تلقاء نفسها بالألم الذي يسكنها .

أليست البعوضة في القرآنسرا علميا راقيا مثالا للتحدي رغم صغر حجمها ؟.

ألم يقل الشاعر : لا تحتقرن صغيرا في مخاصمة فأن البعوضة تدمي مقلة الأسد .

إن الحديث عن البساطة هو بالضرورة حديث عن التبسيط ، بمعنى أن لا شيء بسيط ، و مهما بدا كذلك فهو مبسط ، أي أن قوى خارجية ذات مرجعية سلطوية توجه هذا الحدث أو ذلك ، لأن يكون مبسطا حتى يبدو و كأنه يحيل على التفاهة و أحيانا كثيرة على تغييب المعنى .

قد لا نجد صعوبة في قراءة الأحداث التي تتقاطر علينا ، و إحالتها على مرجعيتها الاجتماعية و النفسية و الثقافية ، بشكل تدفعنا فيه إلى البحث فيما جعلته السلطة مبسطا .

نقول بصيغة أكثر دقة البسيط و المبسط هو تعبير عن ايديولوجيا و نسق منظم من الآليات الفاعلة في تنظيم طريقة التفكير و صياغة منطلقاتها .

الشيء المبسط الأول الذي تعشش فيه الايديولوجيا هو أثمنة المحروقات .

تحرير القطاع قد يعني انتماء للمدرسة الاقتصادية الليبرالية على وجد التحديد ، تنهجها الحكومة في إطار خطة اقتصادية ، و قد يكون في العملية توجه اقتصادي فرضته سياقات وطنية و دولية حتمت رفع اليد عن قطاع منهك ماليا ، هذا دون الحديث عن طبيعة الحكومة المتأسلمة التي من المفروض أخلاقيا و قيميا أن تدافع عن الكتلة التاريخية ، مرجعيتها في الدعم السياسي و معينها الانتخابي الذي لا ينضب ، لكن الايديولوجيا هنا أن تتحلل الدولة من مسؤوليتها الاجتماعية و دعم الفئات المستهلكة ، و إطلاق يد " تيار " معين في نهب و إفراغ جيوب المواطنين ، خارج أي تتبع أو محاسبة أو رصد حسب ما تقدمه المؤشرات الدولية و سوق المعاملات على الصعيد الدولي ، و جعل هذا " التيار " يرمح خارج حسابات قد تهدد السلم الاجتماعي من خلال الإمعان في سياسة التفقير التي أضحت فلسفة قائمة الذات ، و بشكل قد يجعل هذا " الفاعل " الاقتصادي غولا لا يحتكم إلى معايير التحرير كما اقتضتها العملية القانونية و السياسية .

الايديولوجيا التي تعشش في هذا التحرير و تفقس البيض ، الذي يصدح بصوته و هولا زال يقتات على مح بيضه ، هو سقوط قناع الحزب السياسي ذو المرجعية الدينية ، و انخراطه غير المشروط في قتل " الطبقة " الوسطى سنده الانتخابي ، و يتربع على كرسي إثقال كاهل الفئات الاجتماعية ، و تهاوي كل الفلسفة الداعمة لمنطق استمراره ، ليغدو الدين في عرف هذا الحزب أو ذاك فعلا أفيونا للشعب ، حين لا يتردد في مراجعة سياسته قبل أن يموت ماديا بعد أن مات رمزيا من خلال ارتماءه في النمطية الحزبية ، و التي جعلته لا يختلف في شيء سوى في الشال الديني فقط .

المبسط الثاني أن تصدر وزارة مذكرة تدين فيها العنف ، و هي تعلم أن سلوكها لا يعدو أن يكون رد فعل يفتقر إلى مشروع لمحاربة الظاهرة في الأمد القصير و المتوسط و البعيد .

الايديولوجيا في هذا المقام أن تقفز السلطة الوصية و الدولة عن تحديد مسؤولية إنتاج العنف ، و توجه النظر نحو الآلية القانونية و الإدارية ، و هي تعي أن ذيوع العنف مدين بالأساس إلى غياب أو تغييب المشروع العلمي و المعرفي الضامن لمكانة الدولة في أندية البلدان الناجحة تنمويا ، الأكثر من ذلك أن الايديولوجيا تبلغ الذروة حين تتغاضى عن توفير مستلزمات محاربة العنف بالطرق الكفيلة ، في مقدمتها إعادة بناء منظومة القيم المراد إرساءها في المدرسة ، و توفير المقومات المادية و الرمزية الداعمة لذلك .

هنا قد تبدو زيارة الأستاذ أو الأستاذة ، التلميذة أو التلميذ ، سلوكا لا يكتسي قيمة ، لكنه يعبر عن ثقافة الانتماء و الهوية التربوية ، لكن ما يضير لو زار وزير التربية الوطنية أو مدير الأكاديمية أو المدير الجهوي أو وزير العدل أو الداخلية المعنف سواء كان أستاذا أو تلميذا ؟

قد يعني الكثير ، و يفيد في الكثير ، لكن المعنى الخفي أن الإهمال في حدوده الدنيا ، يعني تهميشا و إقصاء ممأسسا ؛ أليست الزيارة سلوانا نفسيا و جبر ضرر و دعما بسيطا في مجال يؤمن بالقيم التربوية ؟

أليست الايديولوجيا أن تنداح الأستاذة في دمائها ؟ .

المبسط الثالث أن تتزامن صلاة الاستسقاء ـ الاستحرار مع نشرة جوية تنبئ بقدوم الأمطار .الايديولوجيا أن يتم ربط و مجيء المطر ببركة الإيمان و الصلاة ، و كل معالم الإيمان يعلمها الله و أولو العلم بعده .

التساؤل هنا لماذا لم تتم الصلاة في وقت مبكر أواخر أكتوبر أو بداية نونبر ؟

الايديولوجيا هنا هي التوقيت و دلالة الفعل ، بغض النظر عن أي إطار سوى تكريس ثقافة لا تحتكم لأي منطق أو وعي سليم ، سوى حاجة في نفس يعقوب يتم استثمارها سياسيا و ثقافيا .

الحق في التضرع مكفول ، شرط أن لا يكون تابعا ذيليا لمعطيات علمية ، بل أن يكون مسهما فيها ، إن قلت مظاهر الزور و الكذب و البهتان و كل القيم السلبية التي لا يرتضيها دين أو توصي بها عقيدة ، لصالح العدل و القيم الإنسانية ، آنذاك تكتمل الحقيقة الدينية و العلمية و يفضيان معا إلى فيضان في العدالة الاجتماعية و الإنسانية الرائعة .

المبسط الرابع أن تنكسر طريق جهوية ، و يعزى ذلك فقط للأمطار و حالة الطقس .

الايديولوجيا أن تدثر المسؤولية بغطاء جوي ، ويتم الدفاع عن الغش و السرقة و ربط المسؤولية بالمحاسبة بصعوبة توقع الخطورة المناخية .

الايديولوجيا أن يعم السكوت لجان تقصي الحقائق ، و سلطات الوصاية و كأن لسان حالها يقول لنا ما قاله نزار قباني لحبيبته :

قل لي و لو كذبا

كلاما ناعما

فلا وزير تفقد المكان ، و لا شيء من أحلامنا البسيطة تحقق ،لأن الحقيقة البسيطة التي نعرفها أن ثلاثة تلاميذ في أصيلا أبانوا عن أمانة نادرة انقشعت معها بادرة أمل أمامنا ، علمت ساستنا و مسؤولينا معنى البساطة العميقة و هي تقول ما قاله الشارع المصري الشاب هشام الجخ :

سيبقى الطفل في صدري

يعاديكم

لسبب بسيط هو سرقة المعنى من البساطة و جعلها مبسطة لقتل الأحلام و إعلاء علم السلطة .

دامت لنا أحلامنا البسيطة و لو كانت عبارة عن وطن عادل رمزيا

و بقيت لكم السلطة تحز رماحها عنفوان أحلامنا .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق