أضيف في 28 نونبر 2017 الساعة 11:56

التربية في روسيا (الحلقة الثانية)


نورالدين البودلالي

Irina Peaucelle, Natalia Kuznetsova

لأهمية الموضوع وطوله نقدم الموضوع في حلقات

 

2. القرن الحادي والعشرون- مجتمع قائم على المعارف أم على التنمية البشرية: مكانة التعليم

 

المعارف والتنمية

المعاريف هي المنتوجات الأثرية والعناصر الثقافية. وكما هو الحال بالنسبة لوسائل الانتاج (الابتكارات الإنسانية) في النظرية الماركسية، فإن المنتوجات الأثرية تحدث أثرا على الإنسان ونفسيته. إن المعاريف منتوج إنساني ووسائل للتطور الثقافي للأفراد. وبعكس الحيوان، يتم تنظيم سلسلة من الوظائف النفسية الإنسانية بارتباط مع مجموعة من العلامات المتمثلة في المنتوجات الأثرية. تستعمل هذه العلامات، أولا، من أجل ربط العلاقات بين الأفراد (البينعلائقية). وعليه، فإن أشكال أنشطة الطفل العقلية تحددها أولى علاقاته الاجتماعية وأولى اصطداماته مع النظام اللغوي. "إذا كان للغات خصائص كونية، تحيل على العقل الإنساني من حيث هو كذلك، فإن كل لغة تقدم "عالم فكر" ووجهة نظر فريدة من نوعها"، - كما قال ن. تشومسكي (1966، ص.43). هذا الإجراء سيصبح فيما بعد داخليا (عملية استدخالية)، وبفضله سيتم استبدال الوظائف الأولية والطفولية بوظائف سيكولوجية عليا. كل العوامل البيئية هي محددة للنمو السوسيو-تاريخي للوعي. فالنماذج المعقدة للممارسة الاجتماعية هي التي تبرز المسببات الجديدة للفعل. فتبرز، بالتالي، مشاكل جديدة، وسلوكات جديدة، وطرق جديدة لاستقبال المعلومات، وأنساق جديدة لعكس الواقع. هذه العملية هي ما نسميه نموا. إن تكوين الأشكال المعقدة لتمثل الواقع والنشاط عملية تتماشى والتغيرات الجدرية في العمليات الذهنية التي تؤثر في هذه الأشكال التّمثُلِيّة، فهي أصل كل نشاط. وقد سمى فيكوتسكي (1925) هذه الأطروحة بالبنية الدلالية والنسقية للوعي.

تشكل مجموع الأنشطة التي يقوم به الأفراد تطورا تشاركيا يغير به السلوك التكيفي للشخص محيطَه الأسري؛ إذ يسعى كل نشاط منها، من خلال التكيّف مع القدرات الخاصة، إلى تغيير المحيط الأقرب بحيث يمكن للنسق في شموليته أن يبلغ حالة نوعية محددة من التدبير الذاتي. خلال التطور الذي شهدته الحضارة (حالة الطفل الذي تتم لاحظه علماء النفس مثلا)، يمكن أن نميز فترات ذات دلالة من التحول في الوظائف النفسية الاجتماعية: استبدال الوظائف، تغيير الوظائف الطبيعية والعمليات التفاعلية الأساسية، ظهور أنظمة وظيفية جديدة، والتي تدعم البنية العامة للسلوك، المتحققة سابقا بفضل عمليات خاصة، غير منظمة. حينما يتحكم الانسان في عملية ردود أفعاله الخاصة، يدخل بالتأكيد في علاقة جديدة مع المحيط الخارجي، ويتوصل إلى استعمال وظيفي جديد لعناصر الوسط الخارجي، من منبهات وعلامات، التي بمساعدتها، وبالاستعانة على الوسائل الخارجية، يوجه وينظم -الإنسان- سلوكه الشخصي، ويتحكم فيما هو خارجي، من خلال اجبار المنبهات والعلامات على التأثير عليه وإثارة ردود أفعال مرغوب فيها بالنسبة إليه. هنا يتوقف الفعل الانعكاسي، الذي يثيره وينظمه الإنسان نفسه، أن يكون انعكاسيا فقط، ويصبح بالتالي مُوجّها. (فيكوتسكي)

كل الوظائف السيكولوجية العليا هي علاقات اجتماعية مستدخلة، وهي تشكل بنية الشخصية (فردانية أخلاقية، حرة وواعية). إن تركيبتها، بنيتها، وسيلتها في الفعل، وبعبارة أوضح طبيعتها هي اجتماعية؛ وعلى الرغم من أن الوظائف العليا تصير عمليةً سيكولوجيةً فإنها تبقى شبه اجتماعية. فالمعلومة الاجتماعية المقتبسة يتم تشفيرها في سلاسل من الأنظمة الثقافية، وتُنقل بواسطة أنشطة مختلف المؤسسات النوعية. وهكذا فللعلامات وجود خارج مجموع أعضاء البشرية وهي مستقلة عن الفرد، كما هو الحال بالنسبة لجميع الوسائل التي يبتكرها الإنسان. إن اللغة، والكتابة، والوسائل السمعية البصرية، وأنظمة القياس وغيرها، هي علامات. وبفضل العلامات تكتسب الوظائف السيكولوجية خاصيتين هامتين: طابعها الإرادي وشمولية الوعي. فالجانب النفسي، باعتباره مكوّنٌ من منظومة من العلامات، له شكل خارجاني، بمعنى استحالة استنباطه من خلال خصائص الأفراد حتى وإن أخذت بشكل منفصل.

أفكار فيكوتسكي "مهمة لا لكونها تصنف المعرفة الإنسانية كنتاج للتاريخ الاجتماعي وتشير إلى الطريقة التي يتم بها التحليل العلمي للتاريخ فقط، لكن لكونها تحدد كيفية توسيع حدود الوعي وطريقة خلق قواعد، التي تتسبب فيها الحياة الإنسان الاجتماعية". (لوريا (1974)).

 

اقتصاد مؤسس على المعرفة

سنقف في هذه الفقرة باختصار على التصورات التي طبعت النظرية الاقتصادية منذ عقود والتي ميزت الفكر ببعض المستجدات: «الاقتصاد في المعرفة»، «الاقتصاد المؤسس على المعرفة»، «الاقتصاد المعرفي»، «الرأسمال الثقافي»، «الرأسمال المعرفي»، «الرأسمال-الإطاراتي». إننا نسعى أن نكون موقفا لمجالنا في البحث يهم التعليم والتنمية الاجتماعية. بالمقابل سنقصي ما يروج حول دور التكوين والاتصال من رؤى نسجت حول الأفكار الاقتصادية. صحيح أن تقنية التعليم تتغير بتأثير من الوسائل السمعية البصرية، لكن، من وجهة نظرنا، لا تشكل هي نفسها جزءا حادثا مصطنعا بقدر ما تُشكّله التربية.

الأمر الأكثر بعدا عن تفكيرنا هنا هو "الاقتصاد المعرفي". فبرنامج هذا الأخير هو تحليل عمليات التفكير وعمليات التكيف التي تنتجها العوامل الاقتصادية خلال تفاعلاتها الداخلية (وَاليسير (2000)). وكما هو الحال بالنسبة لغيرها من المقاربات القائمة على الفردانية الممنهجة، فإن منهج دراسة تفاعلات الفاعلين، التي تعرض لها باحثوا هذا التيار الفكري، يتميز بكونه غير-تاريخي وغير اجتماعي. والواقع أن التاريخانية لا تتدخل إلا في حالة تحديد الآثار الجماعية التي تنتج عن الأفعال الفردية وعن المؤسسات التي حددت المعايير التي ميزت العصور. فاقتصاد المعرفة يسعى للتميز عن المدرسة السلوكية، التي إن رغبت في وصف السلوك تستخدم الاستعارة السيكولوجية من مستوى الاستجابة للمحفزات الفيسيولوجية. لتحقيق هذا الغرض فإنه يستعير بعض مفاتيح علم النفس المعرفي فيصيغ آلية الاستبطان والسلوك التكيفي. وما يجعلنا مرتبطين ب «الاقتصاد المعرفي» هو، من جهة، محاولة فهم كيفية بروز البنيات، و، من جهة ثانية، تفضيل النماذج التطورية (على الخصوص الخوارزميات الجينية) لصياغة عمليات النمو. وبذلك فإننا ننضوي إلى جانب الاقتصاديين المعرفيين في إطار الحركة الداعية إلى مراجعة الميكرو-اقتصاد التقليدي (بوسيل (2004)). إلا أن هذه البنيات تعني، بالنسبة إلينا، دلالات وتاريخ الوعي الجماعي، و، بالنسبة لأصحاب الاقتصاد المعرفي، اعتقادات فردية وتراتبية ذاتية.

ثمة طرق عديدة لتفسير «اقتصاد المعرفة». بالنسبة للبعض يختزل اقتصاد المعرفة في الأنشطة المنتجة للمعرفة. وعليه، ووفقا لهوويت (1996)، فإن مستجد الوضعية الحالية يكمن حصريا في تشكيل اقتصاد المعرفة، أي إقامة فرع من فروع علم الاقتصاد المتخصص معتمد في دراسة انتاج المعرفة وبجعله عاملا جديدا للإنتاج. أما الجزء الأول من التعريف الأول (تخصص الفرعي من...) فيتيح اعتبار اقتصاد التعليم كجزء من اقتصاد المعرفة، مادام النشاط التعليمي والتكويني يساهمان في انتاج المعرفة. بعض المؤلفين يؤكدون على الجانب الأخير (يريدون أن يجعلوا من المعرفة عاملا جديدا للإنتاج) من خلال جعل المعرفة تتسم ببعض خصائص السلع أو البضائع. وعليه، نجد في منشورات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية وفي النظريات التقليدية-الجديدة للنمو الداخلي نجد تمثل المعرفة كبضاعة أو سلعة جماعية. كما يتم أيضا تحليل المعرفة كعامل إنتاجي مستقل، مثلا، ضمن وظائف الإنتاج حيث يوجد جنبا إلى جنب مع الرأسمال والعمل.

من الضروري أن يعني «الاقتصاد المؤسس على المعرفة» أن المعرفة تشكل، في فترات خاصة، العامل الأساسي للنمو الاقتصادي. غير أن المعرفة هي مجموع المعاريف الأكثر أو الأقل انتظاما، المكتسبة عبر نشاط متتالي عقلي، بما في ذلك التعليم. وكما عرّفنا سابقا، متبعين في ذلك فيكوتسكي، فإن المعارف تحف من صنع الإنسان، لها وجود مستقل عنه، ولا تصبح بضائع إلا في أنظمة الإنتاج الخاصة، كالرأسمالية مثلا. إننا نتفق، مع بعض التحفظ، مع ر.هيريرا و ك.فيرشيلوني (2003) حين يقولا: «إن المعرفة والتربية ليستا سوى وسائل للتعبير وإبداع في العمل (إذا ما اعتبرنا المكتوب بالخط المائل كعلامات ثقافية أنتجها الإنسان)، والشروط الذاتية للإنتاج المميز لقيمة استعمال قوى العمل ( إذا كنا نتحدث عن الرأسمالية)».

 

الرأسمالية الجديدة

أحيت النقاشات الدائرة حول طبيعة الاقتصادات الحديثة إشكالية دور جودة قوى العمل في سيرورة ونتيجة الإنتاج وفي منهجية تقييم القوى العاملة في الاقتصاد، في حالة ما إذا بقي نظام الإنتاج من النمط الرأسمالي. إن قيمة القوة العاملة (أو قدرة الكائن الإنساني على العمل)، بالنسبة لكارل ماركس، تقاس بمقدار العمل الإنساني الضروري اجتماعيا لإعادة الإنتاج. يتعلق الأمر بمعايير تاريخية، وجغرافية وأخلاقية للنفقات المخصصة لإعادة إنتاج القدرة على العمل. قوة العمل المعقدة لها قيمة أكبر من قوة العمل البسيطة، وذلك لأن جزءا كبيرا من الوقت الضروري اجتماعيا يخصص لإنتاجها. بدورها تنتج قوة العمل المعقدة قيم إنتاجية أكثر خلال الوحدة الزمنية من قوة العمل البسيطة. بالتالي فإن تطور الاقتصاد يرتبط بشكل وثيق بتعقد قوى العمل، الشيء الذي يُتَرجم بالتوازي بزيادة رفاه العمال. وفق هذا المنطق العام للتطور لا يكون العامل الاقتصادي ولا الاجتماعي في تناقض. بل إن مصالح مالكي الرأسمال هي التي تكون أكثر فأكثر موزعة بين تيارين: السعي إلى الرفع من الإنتاجية، بالموافقة على الرفع من النفقات لصالح تكوين العمال، لتحقيق مصالح قصيرة المدى، ومن خلال الرفع من هذه النفقات النظر للبنيات العضوية للرأسمال وهو يتغير لصالح قوة العمل، بعبارة أخرى ضد مصلحة فوائد أرباح الرأسمال المستثمر، على الأمد الطويل. إن نظرية الضبط (أغلييطا، 1976، بوير وميسترال، 1978)، والنظريات الرأسمالية المعاصرة، ومن بينها "الرأسمالية الاحتكارية"، 1971، "المشاكل الحالية للاقتصاد السياسي الرأسمالي المعاصر" (تولبانوف و تشيينيس، 1973)، قد عملت منذ مدة طويلة على دراسة نتائج هذا التغير الحاصل في نظام التراكم الحاصل في هذين الجزأين من الرأسمال.

لدينا عدة اصطلاحات نضعها موضوع تفكير حول تطور الرأسمالية: «الرأسمالية الثقافية»، «الرأسمالية المعرفية»، «الرأس-إطارنية le capito-cadrisme».

بالنسبة لدومينيل وليفي (2003)، من الممكن أن تكون هناك علاقة اجتماعية جديدة مؤسسة على المعرفة والكفاءة (الرأسمال الثقافي)، يسمونه إطاراتية. وتؤكد العلاقة الإطاراتية ذاتها مشكلة خطرا على الخاصية الرأسمالية. في ظل هذه الوضعية يصبح من الضروري وجود توافق بين الطبقة الرأسمالية القديمة وطبقة الأطر الجديدة (صص: 96-97).

يتحدث ر. هيريرا وك. فيرشيلو (2003) عن « الرأسمالية المعرفية»، وذلك لأن الطفرة الرأسمالية تتحكم في الصراعات التي أدت إلى نشوء عقلانية منتشرة، وإلى رجحان نوعي لمعارف العمل التي تتقوى على حساب المعارف المندمجة بالرأسمال وتنظيم الشركات.

من وجهة نظرنا، لا تسمح الأفكار عن الرأسمالية الجديدة بالإجابة عن مسألتين أساسيتين. المسألة الأولى: هل يمكن للنظام الرأسمالي أن يستمر في الوجود حينما تنخفض نسبة الفائدة ومعها حصة الدخل الناتج عن رأسمال؟ (بيكوتي (2001)). المسألة الثانية هي: هل يمكن للنظام الرأسمالي أن يصبح «تقدميا» بعد التحولات الجارية؟5.

إننا نرى أن نظام التراكم الاجتماعي يتغير ولم يعد الأمر يتعلق بالرأسمالية. يتعلق الأمر بتراكم سريع لل«رأسمال»6 الاجتماعي، أي مزيج من مخزون أدوات العمل التي ابتدعها الإنسان و، على الخصوص، مخزون البنيات الدلالية والنسقية للوعي وللإبداع. هذا التراكم يسمح بنوع جديد من التطور، لا يتمثل في الموارد البشرية، وإنما في التطور البشري.

لم يكن لتطور التاريخ السريع أن يتحقق إلا بتحقق عاملين اثنين: انتشار سريع (في أقل من قرن) وتعميم (على مجموع العالم) للمعارف المكتسبة، بفضل التعليم والتكوين، التي سمحت من جهة باكتشافات علمية، ومن جهة أخرى بخلخلة شروط الإنتاج ونقل المعرفة والمعلومة الناتجة عن الانتشار المذهل لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. في الجانب الأخير نتفق تماما مع د. فوراي (2000).

----------------------------------------------------------

5-لفد كانت الرأسمالية نظاما تقدميا بالنظر إلى الإقطاعية، لكونها حملت للإنسان الحرية وللمجتمع التطور التقني.

6-نضع الرأسمال بين مزدوجتين حين نتحدث عن الرأسمال الاجتماعي لكون الأمر لا يتعلق بالغنى الخاص الذ يسمح بحق بامتلاك أرباح رأس المال. سنحتفظ بمصطلح رأسمال باعتبار أن هناك تراكم للدلالات الثقافية وأن الحوادث العرضية تتكاثر.

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق