أضيف في 27 نونبر 2017 الساعة 10:14

الكرامة بين الرمزية و المستنقع


رشيد اليملولي

الكرامة بين الرمزية و المستنقع .


إن مجال الرمزية مجبول بطبيعته على شطئان لا محدودة من الدلالات ، تجعل منه حياضا لا يتورع عن إنتاج المعاني و القيم ، التي لا تتوقف إلا عند رولان بارث في قوله الشهير :" من النص أستطيع أن أخرج ألف تأويل و دلالة " ، و ذلك حتى نستطيع أن نقول أن كل من عليها دال ، دلالة لا محدودة و لا متناهية ، يغدو الإنسان وفقها كائن رامز ، برمزيته هاته يجعل الأشياء مهما بدت بسيطة تعبير و عنوان على أن ألف زهرة تتفتح كما قال ماوتسي تونغ .


لعل مجال التربية من أكثر المجالات احتفاء بهذه القيمة ، تبدر فيها صيغ و أساليب الثقافة الرمزية ، النوعية منها و العملية ، تنمو عبرها المشاتل ، التي تؤطر المجتمع من أجل تجاوز الخواء و الرتابة ، يتساوى فيها الكل أمام رمزية القلم و سواد السبورة ، و التي يطير غرابها بطبشور حامل لقيم السلام و النور ، ينحني الكل إجلالا و إكراما للفكرة و الأسلوب ، الذي يرقى بالإنسان نحو سماوات الخلق و الإبداع ، و بعيدا عن غياهب الكهوف و الظلام ، لا يحمل الأستاذ فيها رمزية ما و تراتبية معينة ،إلا لكونه كائنا رامزا بكل مكوناته ، يرمز للمعنى و يتعلم منه ، و يضفي على صورته دلالة نفيسة ، تكون نبراسا للمتعلم كي يحذو حذو الفكرة النعل بالنعل .


لكن لا شيء من ذلك يكون دالا إذا تسربلت هذه الرمزية بالقراءات المجانية ، و انتحت مكانا قصيا في الرؤية باستحضار ثخمة الذات قبل الوعي بها ، تتلذذ في ذلك بنرجسيتها و شذوذها النابع من عمق أزمتها ، و الكامن في عدم قدرتها على استيعاب دورها و فلسفته المرجعية ، ألا و هي تكوين الإنسان ، قد ينتصب البعض مدافعا عن الحق الخاص و التأويل الفردي النابع من التنمية الذاتية الدالة على العبقرية ، و في أدنى الأحوال القراءة الواعية لهذا الاستثناء من خلال أن الإجماع لغة القطيع ، و في ذلك نبادر إلى القول أن الاستثناء إذا كان واعيا و ضامنا لوعي رمزي ، يمكن آنذاك أن يكون رافدا مرجعيا و ليس نشازا ، يدافع عن حق هو أشبه بباطل .


أثير مصطلح الكرامة في الرد المؤسساتي على العنف المسلط على المنظومة التربوية ، و في خضم التفاعلات المتعلقة بعنف الشارع ، الذي تربع على كرسي المدرسة ، و أصبح عرابها و مفتيها و سلطانها الأوحد ، و هو ـ أي مصطلح الكرامة ـ ذو خلفية رمزية و مادية و اجتماعية ، يتوافق في مبناه و معناه مع التحول الاحتجاجي المعروف سنة 2011 بحركة 20 فبراير ، و هو مصطلح الحكرة ، باعتباره مصطلحا سوسيولوجيا يختزل في مضمونه الوضعية الحقوقية و الاجتماعية و السياسية التي يعيش تحت نيرها غالبية الشباب المغربي .


يلتقي المصطلحان معا في العنف بمركبيه المادي و الرمزي ، الذي طال الشاب و الأستاذ ، و أفضى إلى مزيد من تهاوي الطابع الإنتاجي ( الاقتصاد النفسي ) ، في مكوني البلد ورأسماله الرمزي ؛ العنف المسلط على كليهما مرده كتلة العنف الجاثمة على صدرهما ، تؤشر بشكل واضح على مستويات التنمية المتدنية من جراء الاستثمار في البعد الأمني و تسويق أسطورة الاستثناء ، دون النظر إلى الإنسان في أبعاده الإنتاجية و القادرة طبعا على الحماية أكثر من السلاح ، و لنا في العديد من الدول مثالا يحتذى به و على رأسها سنغافورة و ماليزيا و اليابان و كوريا الجنوبية .


إذن أثير مصطلح الكرامة ليعبر عن تراكم الإخفاقات المرتبطة بمصطلح الحكرة ، و الدالة على نسق معين في بناء أولويات الدولة بمختلف مؤسساتها ؛ إذ إن تراجع الدولة عن مؤسساتها السيادية و من ضمنها المدرسة ، سيفضي إلى مزيد من الهدر الحضاري المميت .


نميل إلى الاعتقاد أن الكرامة في المنظور الحجاجي ، صرخة احتجاج ضد ما تبقى من أساليب المقاومة و الاحتجاج و الإضراب ، بعد أن تكالبت الهيئات السياسية و الأمنية المحافظة في الإجهاز على قواعد التنمية المستدامة و منها المدرسة ، التي تعد الرمز السيادي الأول بامتياز . لقد كان اختيار الكرامة عنوانا للاحتجاج صائبا في حجاجه ، إذا كانت تمثلات الفرقاء في مستوى نظرية التلقي ؛ حيث أصبح لزاما علينا التفكير بالإضافة إلى المخطط 2015 ـ 2030 في مدونة و مخطط للكرامة و استئصال العنف من جذوره ، و تحصين المدرسة من الروافد التي أصبحت مؤسسة لها ، و هي الشارع و الفن الهابط ، أو ما يسمى الانفتاح على المحيط ، الذي تيغنى أمام سلطة الدولة بالحشيش و الجعة و الأقراص المنومة و النهود المتراقصة و الأرداف المتمايلة ، و القبل الساخنة ، بالإضافة إلى الإعلام الذي أصبح يسخر كل طاقاته للترويج لقيم الأكل و الرياضة بشكل غير مقنع حضاريا و فلسفيا ، بالتركيز على الاستهلاك خارج الحفر المعرفي و النحت الهادئ في العلم .


غير أن وجه الرمزية هنا ؛ يصطدم بغلاة الفردانية و مؤسسي النزعات الاستثنائية ؛ إذ بادر البعض إلى تمريغ هذه الكرامة في تأويلات تجانب السياق ، و تقفز على أسباب النزول ، حيث لا تتردد في دعم السلوك العنيف بشكل رمزي و تقويه دون أن تعي ، من خلال رفض الاحتجاج حتى لا نقول الإضراب و كأنها تدق الأسافين في نعش ما تبقى من هذه الكرامة ، عبر سلسلة التراجعات التي مست القطاع التربوي .


قد يكون الاحتجاج ايديولوجيا ، و قد يكون وسيلة ضغط ، و قد يكون انتصارا وهميا ، و لكن الأكيد أنه رسالة رمزية تندر بأسلوب حضاري ، أن العنف مهما كانت طبيعته و مصدره فهو مرفوض ، و هذا هو الأهم ، رفض تحول المدرسة إلى مصب الأمراض بالمعنى الاجتماعي و السياسي و الثقافي ، أي أن المدرسة مرتبطة بالتربية و التكوين ، هي المرجع و القدوة . ألم تقم الدولة الدنيا و تقعدها و تمرر قانون الإرهاب في الهجمات المعروفة سنة 2003 ؟ أوليست المدرسة رأسمالها الأبدي بعد نفاذ احتياطي المواد و الموارد الأولية ؟ أليس حريا بها صياغة قانون للعنف ضد سيادتها المدرسية بدل إصدار البيانات الباردة و الخرجات الإعلامية و السياسية التي تنطوي على خبث دفين مظهره استكمال صورة و إظهار خطابة و تنطع ؟ .


إن تجاوز هذه الرمزية بعدم الاحتجاج قد يدل على سلبية موغلة في العدم ، و قد تنحل هذه الرمزية أيضا إلى مستنقع في الفهم ، و في تدبير القول و تدبيجه إذا كان الهاجس هو الخوف من الاقتطاع ، لدرجة قد تتحول ـ هذه الرمزية ـ إلى وهم و مسكن لا يقدم إلا معنى الشيص من الشيء و اليباب ، و يكفي أن الثقافة الاحتجاجية راكمت مكتسبات يرفل في نعيمها من يرفض رد الدين ؛ ساعات العمل المحددة ، التعويض عن العمل و المرض ، جدول الحصص ، رخص الولادة .


ألا يستحق هذا التاريخ و النعم السائرة في دربه أن نقف يوما واحدا احتراما لمنجزاته ؟ .


و هل اقتطاع مبلغ بخس يشفع للبعض أن يتجاوز غنائم التاريخ في غفلة منه ؟ .


مهما كانت الدفوعات الشكلية و الموضوعية ، الرفض يقتات على المستنقع ، و على أبعار الضباء ، لا قيمة له إلا لأنه سر دوام الاحتجاج الرمزي في صبغته الجدلية ، إذ إن الإيجابي لا يستمر إلا بوجود السلبي .


دامت لكم السلبية و دامت لنا الكرامة .


 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب