أضيف في 26 نونبر 2017 الساعة 23:42

أفق قاتم


المصطفى سالمي

هي عشقه وأمنيته وحلمه الكبير أن يصبح أستاذا يعلم الأجيال، لذلك يهيئ نفسه من الآن لمهمته المنتظرة، لقد تشرب حبها من مدرّسيه الذين لا ينفكون يتحدثون عن ورثة الأنبياء، عن المهنة النبيلة التي تبني الإنسان وتشكل العقول، حتى توجيهه كَيّفهُ مع حلمه، فاختار توجيها أدبيا رغم أن والده كان يفضل توجيها علميا أو تقنيا تماشيا مع آفاق المستقبل، ولكنه خضع إكراما لرغبة ابنه. هو نفسه لم يتدخل والده في توجيهه الأدبي، فلِم الإصرار في التحكم في اختيارات الآخرين. قال له والده:

ـ بينك وبين تحقيق الحلم سنوات الثانوي الثلاث، وسنتان تكوينيتان، وها أنت بعدها يُنادى عليك بـ "الأستاذ خالد"..

والحقيقة أنه كان يكفي أن يكون الطالب حاصلا على الباكالوريا حتى يضمن الاشتغال كمدرس بعد تلقي تكوين بأحد مراكز تكوين الأساتذة أو المعلمين، لكن الحظ العاثر شاء أن تقترن نتيجة النجاح والتوجيه الأدبي للفتى بخبر لا يبشر بقرب تحقق الحلم، فمهنة "أستاذ" أصبحت تشترط الحصول على الشهادة الجامعية، أي الدراسة بالجامعة لسنتين موفقتين، والحصول على شهادة السلك الأول.

ـ لا بأس (ردد خالد)، فلقد انتظرت سنوات طويلة للوصول للسلك الثانوي، ألا يجدر بي الانتظار سنتين إضافيتين للحصول على هذه الشهادة الجامعية؟!

ها هو الآن يجتاز الباكالوريا بنجاح، لكنه تلقى خبرا أذاب حلاوتها، فمهنة "أستاذ" أصبحت تشترط الحصول على شهادة الإجازة الجامعية.

ـ لا بأس (ردد الشاب) إني أفضل الدراسة واستكمال سنوات الجامعة غير منقوصة، ستكون دراستي الأكاديمية سبيلا للرفع من مستواي وأدائي في الفصل.

تمر سنتان جامعيتان كللتا بحصول (خالد) على شهادة السلك الأول، لكن الفرحة دائما لا تكتمل، لقد سمع الشاب خبرا وقع عليه كالصاعقة، إن الإجازة وحدها غير كافية، لابد من إجازة مهنية. إنهم يشترطون اجتياز مباراة وعملية فرز وفق كشوف النقط، وامتحانات كتابية وشفهية وامتحان تخرج..

ـ فليكن، لن يتم رفع الراية البيضاء ولن يكون هناك استسلام!

هكذا ردد (خالد) بتصميم أكبر، إنه التحدي بالنسبة إليه، سيلاحق المستحيل من أجل مهنة سيكرس لها كل حياته.

وأخيرا حصل (خالد) على الإجازة الجامعية، وسُجّل اسمه في لائحة استكمال الدراسات العليا، وكان والده معجبا بروح التحدي والتصميم التي أبان عنها ولده المتفوق، إنها روح مستمدة منه هو الذي فشل في أن يستكمل دراسته الأدبية، واشتغل موظفا بسيطا في إدارة جماعية بئيسة بعد ظروف اجتماعية صعبة، سيتمكن ابنه (خالد) من تحقيق الحلم الذي عجز هو عن تحقيقه. إنه يدعو ربّه باستمرار أن لا يفقد ولده روح الإصرار على تحقيق المبتغى، لذلك فقط تركه يختار توجيها كان مترددا في الموافقة عليه.

ـ فلتكن إرادة الله (ردد الوالد).

لكن الأقدار اختارت شيئا آخر، لقد ترامى خبر مشؤوم كاد يطير له صواب الابن ووالده، إذ أصبحت مهنة التدريس تتم بالتعاقد، لا يشفع إذن لا شهادات مهنية ولا هم يحزنون، مجرد صفقة محددة الزمان والمكان، مجردة من أية التزامات أو ضمانات، وكأنها مشروع من الرمل والإسمنت والحديد، ويتفرق البناؤون والحرفيون لشؤونهم، وكأنها ليست مهمة تكفل بناء كيان بشري. لكن هل يستسلم الابن والوالد وقد تكلفا تضحيات جساما مادية ونفسية..؟!

ـ سألاحق المستحيل (ردد خالد).

فجأة بدأت تتردد أخبار الاعتداءات على المدرسين بالسكاكين والشفرات الحادة وكأنهم أعداء الوطن المتربصون به، وممن؟ من تلاميذهم، كان الابن يكتفي بالوجوم المطبق وبدا أنه يخفي ردود فعله لأول مرة في حياته، بينما قال الوالد في أعماقه بأسى:

ـ تُرى، إلى أين تسير الأمور في هذا المسار الضبابي الذي لا يعلم آفاقه إلا الله والراسخون في الكواليس المعتمة؟!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق