أضيف في 24 نونبر 2017 الساعة 12:21

مجتمع الفواجع يجلد الضحية من جديد


المصطفى سالمي

تتوالى على المغرب نكبات وفواجع اجتماعية يلاحق بعضها بعضا، فما نكاد نستفيق من كارثة حتى تطل برأسها أخرى وكأنما هي وحش (تايفون) ـ في الميتولوجيا الإغريقية ـ متعدد الرؤوس، إذ ما كدنا نغادر قليلا الآثار النفسية الرهيبة التي خلفتها فينا حادثة (محسن فكري) وحادثة (أمي فتيحة) و (أمي عائشة) حتى استفقنا على حادثة نساء إقليم الصويرة، هؤلاء البدويات الفقيرات اللواتي سحقتهن السياسات التفقيرية لمسؤولينا اللامسؤولين، وهنا كانت الردود كما هي العادة تسير في اتجاهين متعاكسين:

ـ أ ـ اتجاه وجّه جام غضبه على المسؤولين ـ كبر شأنهم أم صغر ـ باعتبارهم ـ قصدا أو جهلا وتقاعسا ـ ساهموا في إنتاج وتكريس ظاهرة الفقر والحرمان، من حكومات وبرلمانيين وصناع قرار، ولم يتورع هؤلاء المنتقدون في توجيه أصابع الاتهام للمسؤول عن توزيع المساعدات المباشر (رئيس الجمعية) باعتباره كان ـ في رأيهم ـ من المتاجرين في فقر هؤلاء البئيسات، وحرص على أخذ الصور على "إحسانه هذا" أكثر من حرصه على سلامة الناس المستفيدين، مع أن من أخلاقيات البر والإحسان السرية في العطاء وأن لا تعلم يسراك ما أعطت يمناك.

ـ ب ـ اتجاه آخر حاول أن يجلد الضحية ويحملها وزر ما وقع لها، فالنساء ضحايا الفاجعة في نظر هؤلاء المرجفين تحركهن ـ وهن الجاهلات الأميات ـ ثقافة "المجانية" و"الطمع"، وأنهن لا يعانين الجوع والحرمان بشكل فعلي وحقيقي، ويستدل هؤلاء بأن المواشي في البوادي المغربية تُطعم بأعلاف الخبز اليابس، وأن الرغيف في بلدنا يسير شراؤُه، ويستشهد هؤلاء ـ من بين ما يستندون إليه ـ بأن الضحايا وباقي المستفيدات انتقلن ليلة تسبق توزيع العطايا بسيارات أجرة أو حافلات باتجاه منطقة (بوعلام)، فإذن لديهن مال كان يمكن به شراء نصيب من الدقيق، ويذهب البعض أبعد من ذلك حين تشتد (ساديته) فينبه إلى ضرورة مشاهدة تصريحات النساء المتدافعات في وسائل الإعلام، لقد كانت كثيرات منهن يزينن أياديهن بنقش الحناء، وهذا النقش لمن لا يعرف يكلف مقابلا يماثل أو يضاهي ثمن الدقيق سبب الكارثة، ثم أليس حمل هذا الدقيق بعد تلقيه في وسائل النقل يتطلب مقابلا ماديا؟! من أين لهن إذن بهذا المقابل إن كن فقيرات تماما ـ حسب هؤلاء المرجفين دائما ـ ؟؟

هكذا يحرص أصحاب هذا التوجه إلى أمر أساسي وهو أن بلدنا بمثابة جنة فيحاء، الفقر فيها غير موجود، إنما هو الطمع والجشع لما هو مجاني، وبالتالي تبرئة المسؤولين، وتحميل الضحية وزر ما وقع لها، إنها تستحق ما جنت يداها..

هكذا تتحرك الأذرع الإلكترونية المرجفة للترويج لمثل هذه الآراء وبثها حتى تعم قناعة عند الناس أن المسؤولين في بلدنا الآمن أبرياء من كل تهمة بتجويع الخلق براءة الذئب من دم ابن يعقوب، رغم أن ألف دليل ودليل يقوم على ضرب مزاعم المرجفين، فالأحذية البلاستيكية الممزقة المتناثرة في مكان الحادث لهؤلاء الضحايا وحدها تمثل صرخة مدوية تنوب عن الصرخات المكتومة لمن أتين في منتصف الليل من الأصقاع البعيدة، وبقين طوال ساعات الظلام يفترشن الأرض في العراء في انتظار مساعدة هي عبارة عن حفنة دقيق لإسكات الأمعاء الفارغة، وبقين لساعات الصباح إلى منتصف النهار في تدافع على أرض ترابية اختلط غبارها بروث البهائم في سوق أسبوعية، وتصببن عرقا غزيرا، وتمايلن في زحام شديد يسرة ويمنة وهن بين حواجز حديدة من الأمام، وأمواج بشرية من الخلف ومن اليمين والشمال، وتهافتن صرعى على الأرض طريحات التعب والإرهاق وضيق التنفس، فهل هؤلاء كن سيطمعن ـ لولا الفقر اللعين ـ في مساعدة بمثل هذه المواصفات؟! هذا إن صح أن نستعمل مصطلح "الطمع" الذي يصر على استعماله المرجفون بمعاني مقصودة وملغومة ومشحونة بالدلالات السلبية، هؤلاء الذين لا يستطيعون أن يرفعوا عقيرتهم لمطالبة نواب الأمة ووزرائها للتخلي عن معاشاتهم السمينة لفائدة جياع الشعب، يكفي أن نتأمل البطون المنتفخة لقلة من الشعب، ونقارنها ببطون أخرى هزيلة في أجساد متعبة منهكة لكي نحدد من هو "الطّماع" الحقيقي الذي طمع في غلات أمة بأكملها ولم يكتف بكل ذلك، بل راح يتهم المهزول المكدود بأنه سبب كل بلاء، وأنه نكبة على نفسه ووبـال على ذاته، عجبي..!!!

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : المصطفى سالمي

أستاذ   / سيدي بنور , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق