أضيف في 23 نونبر 2017 الساعة 22:55

شهيدات الخبز الحافي بالمغرب ...


يوسف يوغنيمي

 يوسف بوغنيمي كاتب وصحفي مغربي.

شكلت حادثة الصويرة بالمغرب كارثة انسانية بماتحمله الكلمة من معنى, بالضبط بجماعة بولعلام على بعد 360 كيلو جنوب العاصمة الادارية الرباط,حيث تناقلت كبريات الجرائد والقنوات صور وسيناريوهات الفاجعة, وكانت الحصيلة جد ثقيلة هذه المرة ,أزيد من 15 أمرأة قضت نحبها جراء تدافع المئات من النساء, مما يشكل ناقوس خطر حقيقي دشن لثورة صامتة بطلاتها شهيدات الخبز الحافي بالمغرب ...

وهي اللحظة التي يعيد لنا من خلالها التاريخ انتاج نفسه , مذكرا إيانا ب"شهداء كوميرا" وهو المصطلح السياسي الذي أطلقه الرجل القوي ادريس البصري ,على أحداث العاصمة الاقتصادية البيضاء , بداية الثمانينات خلال الانتفاضة التي تزعمتها احدى المركزيات النقابية آنذاك, والتي جاءت كرد فعل على سياسة المخزن ,باللجوء الى الخيارات السهلة وهي الزيادة في تسعيرة مجموعة من المواد الغذائية الآساسية كالدقيق السكر و الزيت ,مما عجل باندلاع أحداث سنة 1981 التي لازالت تشكل محطة سوداء في تأريخ مغرب سنوات الرصاص , وما أشبه الأمس باليوم, بالرغم من اختلاف الزمان والمكان وتغيير الكومبارص, لكن الحصيلة واحدة وهي الموت الذي يحصد أرواح الأبرياء, نتيجة سياسات اجتماعية فاشلة لم تبرح مكانها ولم تطور ميكانيزماتها , ولم تنجح البثة في تأهيل البشر ولم تحقق تنمية الوطن ,بالرغم من سياسات تقشف مزمنة لم يكتب معها تعافي الاقتصاد الوطني , اللهم برامج رسمت على ورق مقوى, بالرغم من رصد الملايير وضخ الميزانيات على مخططات ظلت مجرد شعارات رنانة ,كالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية , وصناديق سوداء وبيضاء حمل اسم بعضها "صندوق التنمية القروية" و يشرف عليه وزير الفلاحة، عزيز أخنوش ,مهندس مخطط المغرب الأخضر, وسبق أن صدر بخصوص هذا الصندوق تقريرا، قال فيه إدريس جطو، رئيس المجلس الأعلى للحسابات بالمغرب، إن هناك صعوبات "تعترض تنفيذ مشاريع التنمية القروية التي رصدت لها ميزانية تصل إلى 50 مليار درهم (حوالى 5 مليار دولار) خلال ست سنوات فقط".ولم تستثمر فيه الا ميزانيات هزيلة .

لتنجلي على بعد أشهر للعالم صور مآسي, لم يتم تسجيلها حتى في مخيمات وملاجئ النزوح الجماعي لدول عاشت الويلات جراء الحروب والكوارث الطبيعية ...

ثورة جياع المغرب هاته أو شهيدات "كوميرا " بالصويرة ,تشكل بالنسبة للجميع اليوم لحظة مفصلية لمساءلة الذات حول من تقع عليهم مسؤولية موت أولئك النسوة اللائي خرجن لتحصيل قفة احسانية, لاتتجاوز قيمتها 15 دولارا ,ولاتتعدى محتوياتها كيس دقيق وقالبا من السكر...على بعد أيام فقط من دخول المغرب نادي الدول الفضائية, بإطلاقه لأول قمر تجسسي لتحصين محيطه الجيوسياسي...

لكن في الطرف الآخر من معادلة التنمية , عمل احساني يقلب الصورة بشكل معكوس ب180 درجة تحت غطاء جمعوي وبمباركة السلطة المحلية ,بطله ليس سوى الشيخ المقرئ "عبد الكبير الحديدي" الذي تجازو عمله هذا حدود النقد أوالثناء ,لكن يؤكد صدقية المثل الصيني القائل " لاتعطيني سمكة ولكن علمني كيف أصطادها" , ويدفعنا الى التساؤل حول من المستفيد من نشر ثقافة التسول والاحسان بين المستضعفين في مشاهد تدمي القلوب ,في مغرب الهشاشة الاجتماعية ,في بلد طالما طرحنا فيه سؤال أين الثروة وما مصير الثروة ؟؟؟

إن الحسنة الوحيدة التي حققها الحديدي ,وهو أن عرى واقعنا المرير وأخرج الفقر من جحره ليتجلى لنا وللعالم في صورته البشعة , لعلنا نجد له عمرا ليقاتله, عوض حكومات محكومة لاتملك زمام ناصيتها , واكتفى وزراؤها بالبكاء والنحيب,بعيدا عن شجاعة تحمل المسؤولية – الاستقالة - التي عبر عنها صحفي باحدى القنوات الفضائية " وهو يتساءل : لماذا لم يستقل رئيس حكومتكم " ؟؟؟

وبدورنا نتساءل لماذا لم تنكس حتى الأعلام الوطنية ويعم الحداد تراب أرض الوطن ...؟ ان قصة شهيدات الخبز الحافي ,يوحي الينا بقصة تراجيديا أول الخلق, وصراع أوائل أبناء آدم حينما قتل قابيل أخاه هابيل, وفشل الأول في مواراة سوءة أخيه ,ولكن رؤيته لمشهد دفن الغراب لآخر من بني جنسه , جعلته يلوم نفسه ويعض أصابعه تحسرا وندما , وهو الأمر ذاته الذي برع فيه وزارؤنا ومسؤولونا وهم ينعون شهيدات الخبز الحافي ,أوشهيدات " كوميرا بالصويرة "على جدران حيطانهم الفيسبوكية ...

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : يوسف يوغنيمي

كاتب وصحفي مغربي .   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق