أضيف في 21 نونبر 2017 الساعة 11:47

عجبا لغرور الإنسان السلطان!


أحمد حسيسو

إن الذي يبعث على الحيرة والعجب ليس هو اغترار الكفار والملحدين وتهافتهم على متاع الدنيا وتنافسهم وتنازعهم عليها، فهذا أمر طبيعي منسجم مع عقلية من يرى نفسه كائنا شأنه شأن باقي الكائنات الحية، أتى إلى الوجود ليعمر فترة ثم يفنى وتصير ذرات جسده ترابا كما تكونت من قبل من تراب، ومن هذا المنطلق يسعى وسعه لتحصيل أقصى ما يستطيع من ملذاته ورغد عيشه بكل ما أتيح له من الفرص والإمكانيات، فإنما هي عنده حياة واحدة ثم موت وفناء.

لكن المدهش هو حال المؤمن الموقن بكون الحياة الدنيا لا تعدو دار امتحان وبلاء وابتلاء، تعقبها الحياة الحقيقية في دار البقاء، يفضي امتحان الدنيا بالعبد فيها إلى نعيم أو شقاء. ومع يقين هذا المؤمن بتفاهة الحياة الزائلة مقارنة بالحياة الدائمة تراه يطمئن إليها ساهيا لاهيا ويركن إليها ركون الملحدين الجاحدين أو أشد !

يحكم السلطان فلان بن فلان آل فلان سنوات أو عقودا مساحة من أرض الدنيا يستحل ثروتها ويستعبد أهلها، حتى تصم أخبار سطوته الآذان، وحتى لا يكاد الناس يصدقون إمكانية رحيله، ثم يفنى وترتج لدوي رحيله الآفاق. ثم يخلفه ويعقبه أخوه أو ولده أو قريبه فلان آخر، تجدد له مفاخر الأسماء والألقاب، فيبدأ نجم جبروته في الصعود حتى يتجاوز خلفه، حتى إذا غلب وطغى جاءه ملك الموت عليه السلام على حين غرة وغفلة من أمره فيخرجه من لذاته وقصوره ونعيمه "المقيم"، وهكذا تستمر السلسلة إلى ما شاء الله رب العالمين ملك الأرض والسماوات، وملك العباد، ابتلاء للعباد.

قلما يتعظ الخلف بما مضى قبله من آثار السابقين ولا بما تجريه القدرة الإلهية أمام ناظريه على السلف المقربين، بل قليلا ما يتعظ المرء بالتحولات التي تجري في ذاته التي تلخصها المراحل الثلاث، ضعف ثم قوة يليها ضعف، فأية قوة هاته أيها الإنسان، وهي محاطة بضعفين !

ما أشد سطوة النفس الأمارة بالسوء، ما أشد غرورها وشهواتها على بني الإنسان. من آكد شهواتها شهوة البطن وشهوة الفرج وشهوة الحكم، وفي هذه الأخيرة يقول الصالحون السالكون المجربون بأن آخر ما يغادر قلوب الأولياء وَهُمْ في طريق مجاهدة النفوس وترويضها هو حب الرئاسة، حب الشفوف على الناس والأقران، حب المحمدة بين الأنام، وغير ذلك مما يتيحه مقام ذوي السلطان من عظمة ومال و جاه.

شهوات، ما أسرع زوالها تُعمي البصيرة الآدمية عن إبصار النعيم الحق المقيم وعن الحذر من الجحيم الأليم، عياذاً بالله تبارك وتعالى. شهوات لأجلها تتم شرعنة مختلف أنواع الطغيان على ظهر هذه النقطة الصغيرة جدا في ملكوت الله، المسماة بالكرة الأرضية، وتشرعن كل ألوان الظلم من قتل وحبس وتضييق وتخريب للمتلكات، وسلب للكرامة والعدالة والحقوق والحريات.

حقيقة هذه الحياة الدنيا وملخصها قول الباري جل في علاه في الآية6 من سورة الإنشقاق: "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه".

ألا فتنبه يا أخي يا أيها الإنسان، ويا ذا الجاه والمال والسلطان، استيقظ من غفلتك وغرورك وانظر إلى مآلك ومصيرك، فأنت لست مخلوقا عبثا تصير ترابا بلا عنوان.

أنتِ يا نفسي المغرورة الغافلة الأمارة بالسوء أولى من السلطان بوعظ القرآن، وببليغ القول والتقريع، غفر الله لي ولعباد الله، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى الآل الأطهار والصحب الأبرار وعلى الإخوان الأخيار.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب