أضيف في 12 نونبر 2017 الساعة 23:51

الناقدة التشكيلية خيرة جليل : حين تسبح الألوان بحمد الله وترفع اللوحات الأذان بمؤذنتها ذلك أرقى حوار يمكن أن يكون بين التشكيل والدين بمختبر أجنحة للتشكيل السلام من خلال تجربة التشكيلي سعيد العلاوي


خيرة جليل

 

ناذرا ما تتاح للناقد التشكيلي إمكانية الوقوف عن قرب حين ينفذ الفنان أفكاره وينزلها بسلاسة على لوحته، وإن سعفه الحظ اليوم يوما وعاش هذه التجربة فالواجب يفرض عليه وصف وكتابة ما عاشه وعاينه في تجربته مع الفنان ليوثق لحظة مهمة جدا من مراحل تشكيل اللوحة لان هذه المراحل تؤهله لفك طلاسمها وألغازها.

سأتحدث عن تجربة التشكيلي سعيد العلاوي كما عايشتها في مختبر مرسمي لان تجربته لم تعد تنحصر على بلده الأصلي السعودية فقط بل انفتحت عن بلدان أخرى وهي السودان واسبانيا وفرنسا والهند وسوريا وأمريكا ....فهي تجربة في اطار القيم الكونية وهذا يذكرني بقولة سقراط ...لما كان سقراط يُسأل: من أنت ؟ فانه ما كان يجيب : من أثينا، وإنما كانت إجابته : مواطن من العالم...كما أشار لذلك صديقي السوسيولوجي جاك لوفرا ص9 في كتابه الحوار كما أن من يلاحظ شدة تدينه وانتمائه لدولة إسلامية ، يتسآل أسئلة بسيطة تعبر أحيانا عن عدم بعد رؤية فكرية ودينية وفنية ، حيث يقول هل الرسم حرام ولا حلال ..... ودون أن ننجرف في اتجاه قد يقود إلى طريق مغلق أقول : إن الفن حين يصل إلى أرقى تجلياته يقود حتما إلى الإيمان العميق والراسخ بالوحدة والعظمة الإلهية ، يصبح الإبداع التشكيلي تعبرا صريحا وواضحا على قوة إيمان الفنان ، فتمحى الحدود الفاصلة بين الإبداع كفعل إنساني فكري وجمالي وفلسفي والتدين كممارسة تدخل ضمن العلاقة بين الفنان والمعتقد الديني الجماعي الذي يمتح منه وينتمي إليه ، فيغيب التخصص ويتكامل الكل ليصب بهدف واحد ومرمى واحد و هو إدراك الجمال كقيمة إنسانية وجمالية فيكون الجمال المادي و الروحي معا بقيمه الراقية وفي أبهى انسجام وهذا يحيلنا على قولة هيراقليطس: ليس لليقظى من بني البشر سوى عالم واحد، ولكل غاف منهم عالم مخصوص.... و ليرسخ ما جاء في إحدى الأمثلة الإفريقية : بينما تتشاجر أشجار الغابة بأغصانها، تكون تتعانق بجذورها ... ....كما يقول السجيولوجي جاك لوفرا في كتابه الحوار... لينسجم الطاهر بالباطن وينصهر المادي بالروحي من خلال انصهار التشكيل بالعبادة لأنه في الوقت الذي يرى البعض أن الدين مختلف تماما عن الإبداع التشكيلي ظاهريا فقد عاينت تجربة العلاوي وأدركت العكس أن ممارسة الفن كإبداع ترسخ إيمان الفرد بالعظمة الإلهية وتمكنه من التعبد والتأمل في معتقده الديني وتساعده على ممارسة شعائره الدينية براحة نفسية وروحية مما يشكل لنا حوارا إبداعيا دينيا عميقا كيف ذلك ؟

منذ أن يشرع في تهيئ القماش بالمواد الأولى وهو يسبح الله ويستغفره و يردد كلماته براحة نفسية فيبدو لك كأنه يسبح خارج الزمان والمكان إلى درجة انك تكلمه ولا يجيبك وكأنه يفقد الاتصال بالعالم الخارجي والمحيط . يستمر في وضعه لمواده ويعرض اللوحة المهيأة لأشعة الشمس وينتظر جفافها وهو يخطط بداخله لشيء لا يستطيع التعبير عنه بالكلمات . بعد ذلك يأخذ لوحته ويضعها أمامه على الأرض وكأنه يريد أن يخضعها لسلطته الكاملة ، يبدأ في إنزال ألوانه بسلاسة وانسياب دون ان يخطط لشيء معين بواسطة قلم الرصاص كما يفعل الأغلبية الساحقة . يستمر في عمله وهو يسبح ويستغفر الله تارة جهرا وتارة سرا إلى أن تظهر الملامح الأولى للوحة وبذلك نرى أن الألوان تسبح بحمد الله . والشيء المثير للملاحظة هو عندما يشرع في التخطيط بأصبعه لمئذنة على لوحته ويبدأ الخطوط الأولى لها مباشرة أسمع الأذان قد يكون ظهرا أو عصرا أو مغربا وهذا ما جعلني أقول أن اللوحات ترفع الأذان بمؤذنتها وذلك أرقى حوار يمكن أن يكون بين التشكيل كإبداع وممارسة بشرية فردية أو جماعية والدين كمعتقد فردي ومرجعية جماعية . وقد تكررت المسألة عدة مرات طيلة إقامته بالمرسم مما جعلني استنتج انه حين يكون منهمكا في انجاز أعماله يكون في عالم روحاني تعبدي لا يدركه إلا من عاينه عن قرب بحيث حركاته وسكناته تصبح مبرمجة مع توقيت الصلاة بشكل لا إرادي وهنا ارقى التجليات الروحية.

وكما سبقت الإشارة سابقا حول أعماله لقد استطاع التحرر من ما هو جسدي تشخيصي ورسم نهجا يحمل بصمته في اطار المدرسة التجريدية التي تستمد رموزها من واقعه السعودي : رموز اتخذت من المتموجات والانعراجات الخطية أفقيا وعموديا يؤثثها بروز مآذن وقبب مساجد واضحة وظلال محتشمة لنساء ورجال عابرين لفضائه التشكيلي وهذا راجع لتربيته الإسلامية الدينية التي تحتفي بالفضاءات الدينية المقدسة وتنهى عن التجسيد والتجسيم البشري ..... مما جعل أعماله متفردة من حيث التجريد الفني الإبداعي الذي لا يدخل في التجسيد الواقعي ولا يخرج عن نطاق استنباطه من الواقع اليومي المعاش بكل تحولاته وإكراهاتها ليفتح أفاقا إبداعية كلها أمل في غذ أحسن بألوان مشرقة ومتدرجة غنية بالضوء المستمد من البيئة العربية في أعمق دلالاتها اللونية والرمزية ومن خلال أعماله هذه مارس الحوار في ارقى تجلياته ألا وهو حوار الدين والإبداع ، حوار الإيمان والألوان وحوار المعتقد والتشكيل .إن هذا الحوار....كما هو الشأن بالنسبة للديمقراطية ،ليس كما نتصور ، في الغالب الأعم ، ممارسة أكاديمية أو ترف يخص المجتمعات الغنية فقط، بل انه يعتبر فعلا شرطا ضروريا للمرور من مجتمع انصهاري إلى مجتمع علائقي أي شرطا لتطوير إبداعية الأشخاص والجماعات الاجتماعية على السواء .

عموما ان تجربة سعيد العلاوي من التجارب الرائدة التي يجب الوقوف عندها بتأني لان لها عمق فلسفي جمالي وفكري وديني صاغها في لوحات تعبر عن حوار تشكيلي ديني عميق في ابعد تجلياته الفكرية الروحية والجمالية ويجب تتبع مسارها لمعرفة عتباتها الفكرية والجمالية ....خيرة جليل

 

 

 

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : خيرة جليل

تشكيلية وكاتبة   / , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق