أضيف في 11 نونبر 2017 الساعة 16:37

القمر الاصطناعي و الوداد مفارقة ذهنية


رشيد اليملولي

القمر الاصطناعي و الوداد

مفارقة ذهنية .

يعد الفرح أو التعبير عنه سمة من سمات الإنسان ، يرنو من خلالها معانقة النفس البشرية في أبهى ساعات تألقها و عطاءها النفسي ، و لا شك أن هذا المعطى النفسي قمين بتوصيف القدرة على العطاء ، مادام الفرح خاصية بإمكانها تثوير نزعة العطاء في الإنسان ، يرجو عبرها تجاوز الأزمات الهامشية و الموضوعية الناتجة عن الاحتكاك غير الفعال بالمحيط ، أو التفاعل معه على ضوء قراءة لا تتسم بسعة الأفق ، و من هذا المنظار يشكل الفرح و الابتسامة عناوين علاجية لمصادر القلق الاجتماعي و النفسي ن الهادف إلى تقويض معالم الإنسية في الإنسان .

إلا أن هذا النزوع نحو الفرح ، يرتد إلى مسببات قهرية ، تلعب فيها الأوساط السلطوية دورا رئيسا في توجيه الفكاهة و الضحك و الفرح ؛ بحيث يتحول من قيمته النفسية و الاجتماعية ، إلى أسلوب سلطوي يرجى من خلاله تركيب نسق ذهني معين ، يغتال فلسفة الضحك لصالح الإضحاك ، باعتبارهما خاصية ملازمة لأي مشروع يدبر أمره بليل ، تأتي في هذا السياق كل المحاولات السلطوية الساعية إلى إقصاء و إهمال و تهميش الضحك الأسود ، الهادف إلى التربية و التوعية و بناء الذوات و الوعي المرتبط بها ، سواء عبر الحرمان من الحق في الممارسة ، أو في ممارسة التشويه و الإقصاء المادي و الرمزي ، و بالمقابل السهر على رعاية الإضحاك القهري و القسري ، بهدف تكوين جيش اجتماعي أو كتلة تاريخية ( على شاكلة ما أصبح يعرف في المغرب حاليا بالعياشة ) ، تحيد عن النقد ، و تحبذ الترفيه الذي يسوق الترقي الاجتماعي و النجومية و المواطنة الفارغة ، خارج دائرة الوعي الفلسفي و الحقوقي بالأمن و السعادة ، باعتبارهما من المؤشرات الدالة على التنمية في أي بلد ( حالة البلدان الالسكندنافية و مؤشراتها المرتفعة في السعادة ) .

إن سياق الحديث عن الضحك كقيمة إنسانية ، مرتبط بنوعية النظام الاجتماعي و القيم المتعلقة به ، حيث أن الفرح الناتج عن حدث أو قضية ما ، غالبا ما ينأى عن مرجعيته لصالح ترف عابر أو تعبير عن لحظة تغيب فيها " الرقابة " الخاصة بالوعي الهادف و البناء ، و تحضر الهامشية و الهشاشة و اللذة العابرة المكرسة للأزمة في أبعادها المختلفة .

تزامن انتصار الوداد البيضاوي على النادي الأهلي المصري في نهائي عصبة الأبطال الافريقية ، مع حدث أكبر و أكثر أهمية ، و هو إطلاق المغرب لقمر اصطناعي ، يعبر به عن رغبة في معانقة الصراع العلمي و الجيوسياسي المتعلق بالتوازنات الإقليمية و الدولية ، فعلى الرغم من التحفظات حول مكان إطلاق القمر ، و افتقار المغرب إلى أرضية تقنية و علمية تسعفه في إطلاق المبادرة اعتمادا على إمكاناته الذاتية في إطار مقوم التنمية الذاتية ( على سبيل المثال لا الحصر ) ، يظل الحدث ذو قيمة لا تنكر ، تعد فيه هذه الخطوة بداية الطريق نحو الدخول في نادي القوى التي بإمكانها الإعلان عن نفسها بشكل فيه فكرة معينة .

قد يعترض علينا البعض منهجيا ، أنه لا يجوز أن نقارن معطى رياضي ترفيهي ، مع مجال علمي ـ تقني يدرج ضمن التخصصات العلمية التقنية ، غير أن المسألة في تصورنا تعلو على هذا الاعتراض المنهجي ، إذ هي في فسفتها العامة مرهونة بنوع الذهنية التي تمظهرت في إطار التعبير عن الفرح ، و هي تمتد إلى أزمة عميقة ، تشي بإشكال بناء نسق الدولة عموما و الإنسان بشكل خاص ، و تدل على " نوعية " الإنسان و ردود فعله تجاه قضاياه و سلم أولوياته .

وقد ينص الاعتراض الثاني على إغماط حق الآخرين في مجال محكوم في بنيته بالفرح و الحزن ، و التعبير عن الأحاسيس الجياشة ، لكن الأمر في تصورنا ليس " محاكمة " مبدأ الفرح ، و لكن في منطلقاته الاجتماعية و آفاقه النفسية و التنموية ، حيث يعبر عن حالات قهر اجتماعي وفق النفسية التي تحدث عنها مصطفى حجازي ، تتوسل بهذا الإنجاز أو ذاك ، و تدوينه قسرا في مجال التاريخ باعتباره حدثا كبيرا ، كشأن معركة ، أو موت ملك ، أو وفاة شاعر ، و هنا يتحول الحدث غير المؤثر في النسق الحضاري العام إلى ظاهرة لها قوتها في ظل المخيال و التمثل الاجتماعي لقضاياه الآنية و المستعجلة ؛ ألم يعلن ثوار المبنى الحكومي في فيلم الإرهاب و الكباب عن تمردهم على الحكومة ، و كان الدافع الخفي لهذا العصيان في الأخير الرغبة في الكباب و الكفتة ؟!!!!!.

القمر الاصطناعي أيقونة علمية قد تحدد مسار البلد في مجال الصناعة العالية التكنولوجيا ، و هو رغم كل التحفظات عيد وطني ، الفرح فيه للفكرة و الرأي و التصور ، و مع ذلك مر إطلاقه في جو من الهدوء و السكينة ، و كأنه إنجاز عابر لا يستحق رفع الأعلام الوطنية و خروج المئات تعبيرا عن الوطنية الصادقة الكامنة في الفرح السيادي و العلمي . أما أن يخرج الوداديون و المغاربة لمجرد فوز في لعبة رياضية محكومة بالهزيمة و الانتصار ، فذاك تعبير عن فرح كسول ، و في أقصى الحالات تعبير عن الفرح المكبوت و محاولة الدفاع عن وهم وجودي في إطار الصراع القبلي ـ الرياضي ، الذي كان فعلا سيد الموقف ، في العديد من ردود الأفعال في الشبكة العنكبوتية ، يرتاد عوالم التنمية الوهمية و الاحتفاء الطاووسي للتموقع ليس إلا ، عادة ما يتخذ موقف الدفاع عن الفرح ، في مقابل أنساق اجتماعية مهترئة ، و مخيال عصبوي لا زال ساري المفعول ، و اللافت في كل ذلك ، الجو البارد الذي ميز هذا الفرح العلمي ، و كأننا نستكثر على أنفسنا الحق في التنمية الحضارية بالمقومات العلمية الصلبة و الدافعة للمنافسة ، و القادرة على تخطي العطالة في سلم الدول الناجحة تنمويا ، عوض الدول المارقة و الفاشلة ، و لا أدل على ذلك من احتلال الحدث المدوي مكان الحدث الظاهرة ، الذي قد يكرس لتلمس معالم الطريق نحو الأفق السيادي ، في ظل سياقات لا ترحم ، تؤمن بالقدرة على الصراع المتعدد الجوانب و المناحي بدل أن يكون صراعا رياضيا الأهم فيه الروح الرياضية .

إن تصويب بوصلة الفرح نحو الآني و الحدثي ، و قتل الفرح ـ الضحك المرتبط بالإحساس بالقوة و القدرة على المنافسة ، ليعد ارتكاسة مفارقة تكمن في السير على منوالين متوازيين ، يصعب أن يتقاطعا في ظل المؤشرات الموحية بذلك ؛ مسير داخلية تسير الهوينى و سير السلحفاة حقوقيا و اجتماعيا و تربويا و علميا، و مسيرة ـ صورة دولية فيها بعض الإشارات نحو التسابق المحموم ، عسكريا كان أو أمنيا ، و هذا ديدن المغرب في فلسفته السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية على الأقل في تاريخه الماضي القريب و لحظته الراهنة .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق