أضيف في 8 نونبر 2017 الساعة 19:04

التربية في روسيا (الحلقة الأولى)


نورالدين البودلالي

Irina Peaucelle, Natalia Kuznetsova                      

لأهمية الموضوع وطوله نقدم الموضوع في حلقات

مقدمة

لفهم ما يجري بروسيا في المجال التعليمي كان من الضروري الرجوع إلى صفحات من تاريخ هذا البلد، وبشكل عام إلى ما تعلق منه بالتربية الوطنية، والقيام بدراسةٍ لكتب علم النفس والبيداغوجية. وعلى الرغم من هذا الرجوع بدا، في البداية، وكأنه خلاصة مستهلكة لحقائق وأرقام مرتبطة بما حدث قبل انفجار الاتحاد السوفياتي وبما بعده، إلا أن هذا العمل أثبت لنا، نحن الاقتصاديون، جاذبيته وبأنه واعد بالنسبة للنظرية الاقتصادية التي تحكمنا. في هذا النص تم طرح سلسة أسئلة، قُدمت لها بعض الأجوبة والشروحات وبَرزت سبل البحث.

على ضوء قيم عصرنا واقتصاداتنا القائمة على المعارف، صيغ السؤال الأول: لماذا أصبح التعليم معمما؟ زمنيا لم يتجاوز تعميم التعليم، على العموم، أكثر من قرن، رغم أننا لا نعتقد ذلك في كثير من الاحيان. صحيح أنه تحقق بفعالية كبيرة. فباعتبار أن هذه المؤسسة- التعليمية- تبقى حديثة العهد نسبيا، إلا أنها لاتزال في طور الإنبناء والتحول مسايرة أو سابقة غيرها من مؤسسات المجتمع الواحد. الأمر الذي يدعو إلى فهم هذه الحركة الزمانية. سيكون مهما جدا معرفة الثابت والمتحول في هذه التربية الوطنية، ولِما حدث هذا التغيير بالضبط حين وقعت الدولة في ازمة؟ إن فعالية الانتشار الذي عرفه التعليم عالميا تتجلى في التطور العالمي الغير المسبوق الذي عرفته التكنولوجيا، والاختراعات والابتكارات. فهل هذا هو هدفه؟

دراسة أعمال علماء النفس والبيداغوجيين الروس تدفعنا للتفكير في طبيعة والهدف من التربية. إنها مشكلة ابيستيمولوجية تخص علم النفس، لكنها أيضا مسألة سيميولوجية. إن كلمتا التربية éducation والتعليم enseignement غير مترادفتين في اللغة الفرنسية، ف enseigner تعني درﱠس، وéduquer تعني تحصيل المبادئ، والعادات وتكوين العقل. في روسيا كلمة واحدة تدل على ذين النشاطين، مع إعطاء الأولوية للتعليم. في حين، ولتحديد الفرق بين تفكيرهم وتفكير بياجي، مثلا، أدخل علماء النفس الروس مصطلح إنماء(الطفل). هذا التمديد «الصغير» لكلمة تكوين العقل، المتضمن في التربية، قد فتح المجال أمام البيداغوجية للتوجه نحو البحث في تطور الشخصية، التي، باعتبارها مُدمجا وراثيا (intégrons) بشكل اجتماعي، تساهم في عملية تطوره. إن المسألة التي يعالجها البيداغوجيون الروس تدور حول معرفة ما إذا كانت التربية تسرع النمو أم تسايره وتهذبه. في الحالة الأولى، يكون التلميذ موضوعا للتربية، ينطبق عليه التفكير البيداغوجي، باعتباره يعرف التلميذ حق المعرفة. في الحالة الثانية، إنه موضوع، وهدف وغاية التعليم، فهو المتعلم.

التربية الإنمائية لا تتحقق إلا في مجتمع لا يفكر في تكييف الفرد مع الحاجيات الاقتصادية المستقبلية، اعتمادا على تكوين محصور داخل نظام مدرسي. التصورات الليبرالية والاجتماعية المراعية لحاجة السوق، هي التي تقزم، في النظام الرأسمالي، دور التربية، تماما كما تفعل المقاربة التخطيطية داخل نظام التنشئة الاجتماعية الميكانيكية. ولايزال التعليم تحت تأثير مواقف من هذا النوع.

إن التعليم بروسيا موسوم بمنطقين: الإنماء والتعليم. في القسم الأول من هذ المبحث سنذكر بوقائع انبنائه والفلسفة التي تهذب هذا الإنبناء. في هذا الاطار علينا، بدءا، أن نكرم عالم النفس ذا الموهبة الفذة لييف فيكوتسكي. القسم الثاني سيخصص لدراسة للتطور الذي حصل، بشكل متزامن، للتعليم والمجتمع القائم على معارف نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين بغية فهم دور التعليم في تطور الاقتصاد. أما القسمان الأخيران فسيركزان على التحولات التي طرأت على النظام التعليمي الروسي خلال العشر سنوات الأخيرة. وعليه سيركز القسم الثالث على البنيات والموظفين، وعلى الأشكال الجديدة للتمويل، ويشير الأخير، في النهاية، إلى الإصلاحات الجارية وسبب حدوثها.

.1 التعليم في القرن العشرين

مستقبل نظام التكوين

قام مجلس الدوما الروسي بمحاولة لتطبيق تعميم الزامية التعليم الابتدائي سنة 1907، كان مآلها الفشل. ولم يتأتى لنظام التعليم الحكومي النجاح إلا بعد ثورة 1917 حيث تطلب انتشاره عقدين من الزمن، تبلورت خلالهما أفكار عن المدرسة السوفياتية الجديدة. سيتم الاهتمام بداية بتعليم الراشدين وبمحو أميتهم.

خلال سنوات العشرينات ظهرت الأعمال التي عرضت المواقف البيداغوجية العاكسة لروح ذلك العصر وأيديولوجيته. خصصت الكتب البيداغوجية السوفياتية الأولى للجدل حول مضمون وأساليب التكوين والتدريس. لقد ساير ورش إنشاء المنظومة التعليمية عملية فكرية استُهِلّت شهر أكتوبر 1918 بتقديم ورقة حملت اسم " الموقف من المدرسة الجماعية للبوليتكنيك والعمل " التي رسمت مبدأ المنظومة التي ربطت المدرسة بالحياة وبسياسة الدولة. في الثلاثينات سيمتد التأمل ليشمل تطور البيداغوجيا السوفياتية. ستولى مكانة الصدارة لكل من مسائل التكوين البوليتكنيتيكي، للمحتوى، لصيغ وطرق تكوين المهنيين بالمدارس، ولشكل العلاقة بين المدرسة والمجالات الإنتاجية. لهذا الغرض تم إنشاء مدارس للتعليم بالقرب من المعامل والمصانع، ومدارس لشبيبة الكولخوزات. فيما كان هناك نقاش آخر موضوعه الصلة بين الجوانب التطبيقية والمهنية للتعليم وتنظيم التعاونيات داخل المدارس وأشكال تسييرها الذاتي.

هكذا أصبح التعليم الابتدائي إجباريا سنة 1936 .

 علم النفس والبيداغوجيا

قام كل من أ.أكيرلوف و ر.كرانتون، سنة 2002، باستعراض الأدبيات غير اقتصادية المستخدمة من قبل الاقتصاديين الرياضيين، من خلال إدماج الجوانب الاجتماعية والاقتصادية للتعليم. وقد توقف المؤلفان بشدة على إسهامات وجهات نظرهم، المهيمنة والرئيسية، في علوم التربية، أي أنهما أخذا بعين الاعتبار الأدب الانكلوساكسوني. المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية اللاتي أثارت انتباه أ.أكيرلوف و ر.كرانتون هي: الهوية، والأصناف الاجتماعية والمُثُل المدرسية. وبالمعنى الواسع للكلمة، فالنماذج التي تمت دراستها في المقال قد اختيرت لكونها تؤسس لوجود تطابق بين الموارد (نوعية المدرسين، مثلا) وأهداف التدريس (التقليص من الفارق بين الصورة التي يكونها التلاميذ عن ذواتهم والشخصية المرجعية التي تقترحها عليهم المدرسة، مثلا). والواقع أن النموذج المرجعي الذي صاغه المؤلفان يُسنِد للمدرسة، في إطار النظرية الاقتصادية، دورا «تقليديا» ضيقا، يمكن تلخيصه في العبارات التالية: تضخيم القدرات التسويقية للطلاب. التقرير الذي أُعد تحت إشراف إلي كوهن بفرنسا (2004) يسير في نفس اتجاه مقال أ.أكيرلوف و ر.كرانتون لكونه ينص على أن:« المستفيد الأول من التعليم( العالي) هو الطالب لأنه سيستفيد خلال حياته من دخل شخصي مرتفع» (ص.14).

نلاحظ من المواقف التي سبق ذكرها جانبين مشكوك فيهما. أولا، لا يمكن اختزال التربية في تسويق قدرات الأفراد. ثانيا، فتراضُ وجود تناسب خطي بين مستوى أعلى شهادة يحصل عليها الفرد وبين دَخلِه افتراضٌ مناقض للتاريخ، ولهذا السبب فهو خاطئ على ضوء خلاصات العلوم الاجتماعية. سنتوقف طويلا عند نقطتي الاختلاف هذه، مستدلين بأعمال علماء النفس وعلماء الاجتماع الروس.

لا يمكن للإنسان العيش في هذا العالم دون وجود محفز. إنها بالذات مهمة المدرسة المتمثلة في أن «نحول أبسط أشكال الفرح إلى أشكال أكثر تعقيدا وغنى من حيث الدلالات الإنسانية»، على حد قول المربي الروسي ماكارنكو (1936) (ص: 289). حياة كل إنسان مرتبطة بالعمل، وثمة دوما «أعمال شاقة، مكروهة، لا جاذبية فيها، وأخرى كثيرة تتطلب معاناة أكبر وتعوّد الجسم على تحمل أحاسيس مضنية ومؤلمة؛ فكثير من الأعمال ليست ممكنة إلا لأن الإنسان قد تعلم تجرع الألم والاحتمال» (سابق، ص272). الأسباب التي أدت إلى هذه الوضعية ليست مقنعة في زمن حقوق الإنسان، من جهة، وزمن المكْنَنة والتطور التقني بشكل عام، من جهة أخرى. ولحل الصراع بين الضروري والممتع من الأعمال تم في مرحلة أولى ترسيخ قواعد جديدة لتحديد الأجور. إذ كانت الأجور في الاتحاد السوفياتي تصرف بحسب الأتعاب أو الرتابة أو الاهتمام الثقافي. فالأعمال الأكثر مقتا، وخطورة، وألما والتي تتطلب تأهيلا ضعيفا كانت الأفضل دخلا إذا قورنت بالفن والطب والبحث وغيرها من المهن ذات الاحتمال الكبير لأن تُقبل. والخطوة الثانية، التي تستغرق وقتا أطول بكثير، تتمثل في التثقيف واكتساب الدوافع الكبرى للمصالح الجماعية ووضعها في متناول المدرسة العمومية. البيداغوجية الحقيقية «هي التي تفكك آلية العمل الإنساني، تحدد المكانة الفعلية التي تستحقها الإرادة، والكرامة، الخجل، والاقتراح، والخوف، والمنافسة والطريقة التي يدمج بها كل هذا بالظواهر التي تثير الوعي الخالص، والإيمان والعقل» (ص.273).

تاريخيا يتم تقديم مسألة تقييم القدرات الأساسية، في الأدبيات البيداغوجية، من خلال وجهتي نظر مختلفتين. الأولى (علم البيولوجيا، الديكارتية) تؤكد على الطابع المحدد بشكل مسبق للنمو بواسطة العامل الوراثي أو القدري. الثانية (اجتماعانية، سلوكية) تنسب، على عكس سابقتها، كل نتائج النمو لتأثير الوسط.

لقد أثبت علم النفس الاجتماعي والتاريخي ان كل عملية نمو نفسي مرتبطة بردة فعل الدماغ تجاه المحيط الخارجي، لكن هناك أيضا تجربة امتلاك وتحصيل المعارف من خلال ما يتم القيام به من نشاط، أي من خلال التعلم (أو التدريس) والتربية (أو تكوين العقل). فنمو الشخصية يتم بحسب جدلية القوانين العامة. الخصائص (أو قواعد) المميزة لهذه العملية هي:

اللزومية: بمعنى أن القدرة على النمو هي معطى طبيعي لدى الشخص، إنها خاصية مندمجة في الشخصية.

النشوئية الإحيائية: النمو النفسي للشخصية يتحدد في كثير من نواحيه من خلال آلية الوراثة البيولوجية.

الوراثة الاجتماعية: المحيط الاجتماعي الذي يتم فيه نمو الشخصية يلعب دورا كبيرا في تكوين الشخصية.

النفس-التكويني: الفرد نظام من التنظيم والمراقبة الذاتيين، ونموه يتم الكشف عنه من خلال التنظيم والتسيير الذاتيين.

الفردانية: يشكل كل فرد حالة خاصة ومتميزة عن الآخرين من خلال الانتقاء الفرداني للخاصيات وبالمتغير الشخصي المتحكم في النمو.

النمو عبر مراحل: يتم نمو الشخصية وفقا للقانون العام ذي الطابع الدوري، أي على المراحل: ولادة، نماء، بلوغ الأوج، ازدهار فاندحار.

الخطّية: الفرد لا مثيل له، كل شخصية تنمو حسب إيقاعها، مجربة في نفس الوقت توزيعا عشوائيا للتسريع (التلقائية) ولتناقضات النمو (الأزمات).

إن السن البدني يحدد (القيود) القدرات النوعية والكمية (الجوانب الحسية) للنمو النفسي.

إن التربية شكل من أشكال النمو النفسي للفرد، وعنصر أساسي للتطور. كل تربية تعمل على تنمية وإغناء الذاكرة ومجال الفعل المنعكس الشرطي. ليست التربية والتعليم عمليتين منفصلتين، إنهما يتناسبان كشكل ومضمون لنفس عملية نمو الشخصية. غير أنه فيما يتعلق بهذه النقطة ثمة تصوران أساسيان مختلفان.

تصور يرى أن النمو يتم عن طريق التعلم (النمو المعرفي) (بياجي، فرويد)، وأن على الطفل المرور خلال نموه بمراحل يحددها سنه بشكل دقيق (البنيات الماقبل عملياتية- العمليات الرسمية- الذكاء الصوري) قبل أن يمارس عليه التعليم عملياته النوعية. النمو، بالنسبة لذوي هذا التصور، يسبق التربية، إلا أنها تهيمن عليه، لكونها تهذبه.

في الثلاثينيات من القرن العشرين اقترح عالم النفس الروسي لييف فيكوتسكي فكرة مؤداها أن من اللازم ان تسبق التربية نمو الطفل وتوجهه. ومع ذلك فالنمو يظل هو الأساسي في عملية التطور المشترك هذه. ليست المعرفة هي الهدف النهائي من التعليم، ولكنه وسيلة لنمو التلاميذ فقط. وتندرج أراء فيكوتسكي ضمن تصور عام عن الفعل (باختين (1917-1924)) وعن الفعل (أو النشاط) الاقتصادي على وجه الخصوص.

بعد مراجعة الأفكار التقليدية حول النمو وعلاقته بالتعليم، أعطى علماء النفس الروس الأولوية لمصير الطفل كموضوع لمختلف مظاهر وأشكال النشاط الإنساني. ل. زانكوف قام بأولى محاولات تجسيد هذه الأفكار، حيث بلور سنوات 1950-1960 بيداغوجية إنمائية موجهة للمدرسة الابتدائية، وصفها ب «المنسجمة والمكثفة». توجه آخر، متمثل في «التربية الإنمائية»، اقترحه كل من د. إلكونين El’Konin و ف. دافيدو Davydov في الستينات وتم تطبيقه بالمدارس التطبيقية. التربية الإنمائية نوع من التربية النشيطة والجريئة التي كان عليها أن تحل محل النوع الذي يعتمد الشرح والتوضيح. على التربية أن تكون سابقة، إلى أقصى حد ممكن، عن النمو من خلال استعمال الوظائف الوراثية الخاصة بكل سن، وتقوم بإجراء التعديلات الضرورية عليها -الوظائف-. التأثيرات البيداغوجية تسبق، وتحفز، وتوجه وتسرّع نمو شخصية معينة. ذلك أن المجتمع وأن كل فرد على حدة لهما المصلحة في أن يتم تكوين العقل بالشكل الذي يمكّن من الحصول على نتائج عليا من النمو في وقت وجيز.

يُنظر إلى نمو الشخصية، في المنظومة التعليمية «التقليدية»، كعملية لتكوين الفرد الاجتماعي وذلك من خلال عملية تنشئته الاجتماعية وتربيته. فكرة نمو الشخصية تتغير بحسب تكيف هذه الأخيرة والحاجيات الجديدة للمجتمع. في الوثيقة الأخيرة (كوهن، 2004) شُبهت أزمة التربية بفرنسا وكأنها «تشويش، أو ربما انهيار آليات التوجيه والتنظيم التي تسمح بتكييف النظام مع ضغوط وطلبات اجتماعية غير مسبوقة» (ص10). ف «تعزيز الاستثمار في مجال تكوين الأطر والموظفين المؤهلين لمن شأنه أن يستجيب لحاجة ملحة، ...، تشكل عاملا أساسيا للنمو المدعم وللتنافسية في الاقتصاد المعاصر» (ص. 12). «تعزيز النظام التعليمي وذلك لكسب هامش من النمو» (ص.13). «ينمي التعليم القدرة على النشاط المهني التي تتيح الحصول على أجر فردي أفضل» (ص.14). تستقبل التخصصات «ربع الطلبة الوافدين على التعليم العالي دون أن تمكنهم من الحصول على شهادة وتساعدهم على تحسين آفاقهم المستقبلية في سوق الشغل» (ص:53). «في مجال الدراسة تتحمل الجماعة تكلفة كبيرة جدا، كما يتحملها الطلبة لكن دون أن يجنوا أي مكسب» (ص.54).

من الواضح أن مظاهر التكيف تهيمن على التربية «التقليدية»، في حين أن مظاهر النمو توجد في قلب اهتمام علم النفس التاريخي والاجتماعي. بروسيا، حيث تعطى الأولوية لظاهرة النمو، تعتبر التربية بمثابة الحل الأنسب لضمان: الحريات الدستورية، وحقوق والمصالح العادلة للإنسان؛ حماية صحة المواطنين، والنهوض ب، والحفاظ على وتنمية الثقافات الوطنية؛ ازدهار روسيا على الساحة الثقافية الدولية؛ تحديث المكون العام لتعليم الأطفال؛ الوقاية من الانحراف الاجتماعي وسط الأطفال الصغار؛ رعاية الأسرة؛ الإعداد للنشاط المهني، والدفاع عن الوطن؛ إنجاز الوظائف الاجتماعية. (منتدى «عولمة المدرسة الروسية: عامل للتطور الاجتماعي للمجتمع»، 21-24 أبريل 2004، موسكو).

 

تنعكس خاصية التكوين الإنمائي للشخصية من خلال المكانة التي توليها لأشكال التقييم الذاتي للنشاط، وللطموحات الشخصية الحازمة والانفعالية حين تحصيل المعارف. فالشخصية، حسب كون (1967)، مفهوم دينامي. إنها تتعرض، على مدى حياة الفرد، لتغيرات تترجم من خلال النمو الإيجابي أو السلبي. فاصطلاح 'بناء الشخصية' يستعمل كمرادف:' للنمو'، أي لعملية التغير الداخلي للشخصية؛ وأيضا كمرادف 'للتربية'، 'للتنشئة الاجتماعية'، أي خلق وتحقيق للشروط الخارجية الكفيلة بنمو الشخصية.

 

الطفل-موضوع نمو

يُنمي النظام التعليمي التقليدي لدى تلاميذ المستوى الأول الذكاء الإمبريقي. فالعمليات العقلية في هذا النوع من التعليم تختزل في المقارنة، وتعريف الخصائص العامة وتصنيف المفاهيم. وعلى العكس من ذلك، يتأسس مضمون التربية الإنمائية على أنظمة مفاهيمية علمية التي تحدد المبادئ النظرية للبناء في مجال محدد. فالمهمة التربوية تشكل دورة صغرى microcycle للصعود من المجرد إلى الواقعي باعتبارها طريقة لاكتساب معارف نظرية، وبالتالي للفكر النظري. يتم التعليم بواسطة المعرفة النظرية، والتي لا تشكل قاعدة ولا تعريفا، ولكنها فهمٌ الأساسي في الموضوع أو الظاهرة، بهدف الاستعداد لاكتساب وخلق معارف جديدة.

تتضمن التربية الإنمائية مراحل الأنشطة التالية: تحديد الأهداف (المرامي)، والخطيط والتنظيم، وتحقيق الأهداف وتحليل نتائج النشاط. كل مرحلة من هذه المراحل تؤثر بشكل نوعي على نمو الشخصية. فنشاط تحديد الأهداف يعمل على تنمية معنى الحرية، وبذل جهد متواصل من أجل تحقيق الأهداف، والشعور بالاعتزاز وبالاستقلالية. نشاط الخطاطة يعزز الاستقلالية، والارادة، والابتكار وأخذ المبادرة. في مرحلة تحقيق الأهداف يتم اكتساب القدرة على التنفيذ، والإتقان، والدقة والانضباط. وفي مرحلة التحليل تتكون القدرات العلائقية، والصدق، ومعيار الحكم، والوعي، والمسؤولية، والواجب تجاه الآخرين. بالمقابل، فأن يكون الطفل موضوعا للتربية، من وجهة نظر بيداغوجية التربية الإنمائية، فذاك يعني تكليف وسطه الأسري بتنمية بعضٌ من قدراته إما جزئيا أو كليا، وبالخصوص القدرة على تحديد الأهداف، ووضع خطاطة للفعل وتحليل نتائج أفعاله. وبناء عليه، فإن الهدف الذي تصبو إليه التربية الإنمائية هو تكوين المستهدف بالتعليم، أي الفرد الذي يتعلم. بمعنى آخر، ليس الهدف هو نمو العمليات النفسية وسمات الشخصية النوعية فحسب، بل بالأحرى نمو الطفل باعتباره موضوعا للتربية، أي باعتباره الفرد الذي يمارس تأثيرا على ذاته.

عادة ما يتم بناء سبعين في المائة من هذه المؤهلات والقدرات خلال سنوات تمدرس الطفل بالمدرسة الابتدائية. لذا من الواجب أن تكون وظيفة التربية بالمدرسة تكوين شخصية الطفل أكثر من تركيزها على تلقين القواعد والقيم، من قبيل القراءة والكتابة مثلا. إن التربية الإنمائية تأخذ بعين الاعتبار وتوظف اطراد النمو، وهي تتكيف مع كل مستوى ومع كل خاصية من خاصيات الفرد. وعادة ما كان الأطفال يذهبون إلى المدرسة في روسيا بعد السنة السابعة. اليوم أصبح السن الإجباري للتمدرس هو السادسة، وفي حالة ما إذا كان الآباء غير راضين عن المدرسة فبإمكانهم تدريس أبنائهم بالمنزل أو بحسب ما يشتهون . إذا كان الأمر على هذا الحال فلماذا تأخر التمدرس بشكل كبير في روسيا بالمقارنة مع باقي الدول الأخرى؟

لابد من الأخذ بعين الاعتبار، أولا، ضعف الكثافة السكانية في جزء كبير من هذا البلد الشاسع. وقد شكّل هذا دوما صعوبة في تمدرس صغار الأطفال في المناطق الريفية.

ثانيا، لم يتم إحداث مؤسسات الطفولة المبكرة ولا طرق التدريس بها لعدم وجود تقاليد وعادات في هذا الاتجاه. «ببطء شديد ينشأ الأسلوب وإلا أصبح مستحيلا لعدم وجود تراكم للتقاليد، ونقصد بها المبادئ والعادات، والتي لم يعد اكتسابها عن طريق الوعي الخالص، وإنما بالاحترام الواعي لتجربة الأجيال السابقة وللسلطة الكبيرة التي تحظى بها الجماعة برمتها التي لها زمن سابق في الوجود» (ماكارينكو، ص.276). فالصغار في روسيا يربون من قبل آبائهم أو أجدادهم.

ثالثا، إن التنمية البشرية، لكل من البنية الدلالية والنظامية لوعي الإنسان وابداعاته، تحدث إبان مراحل الأزمات حين يبرز جديد على مستوى النفسي. يميز فيكوتسكي لدى الطفل الأزمات التي تبرز في السنة الأولى، وفي السنة الثالثة، وفي السنة السابعة، زفي السنة الثالثة عشر. ويتغير تأثير الوسط على الطفل بعد تجاوز كل أزمة. فالوسط، الذي لم يتغير من الناحية الموضوعية، يصبح من وجهة نظر نمائية مختلفا تماما في اللحظة التي تعقب المرور من مرحلة نمائية إلى أخرى. وعليه، يجب دراسة الوسط لا من حيث هو كذلك (بأبعاده المطلقة: الفئة الاجتماعية والمهنية للآباء، وجود كتب بالبيت...)، ولكن من حيث علاقته بالطفل. (فيكوتسكي، ص.994). كل أزمة تمثل سلسلة تغيرات داخلية لدى الطفل. فالطفل خلال السابعة من عمره يفقد براءته. فيقوم بابتسامات متكلفة ويعبر عن بعض النزوات. في تصرفه هذا هناك شيء من القصدية، لا معنى له ومتصنع، ونوع من الحركية، والرغبة في الإضحاك والتهريج. فيفقد تلقائيته وسلامة طويته. يمكن تسمية الخط البارز بشكل كبير في أزمة السن السابعة ببداية التمييز بين الجوانب الداخلية والخارجية من شخصية الطفل. فقدان التلقائية يعني إستدخال أفعال من طبيعة ثقافية، تلك التي تخترق المشاعر والفعل، وهو عكس الفعل الساذج والمباشر. ففي سن السابعة تشرع بنيات انفعالية في الظهور، وذلك عندما يدرك الطفل ما تعنيه "إني مبتهج" أو" إني شرير"، أي يبدأ في التوجيه الواعي لمشاعره الشخصية. يصبح للمشاعر معنى، وبفضلها يكتسب علاقات جديدة مع ذاته، الأمر الذي كان مستحيلا قبل تعميم المشاعر. وبناءً عليه فإن الأزمة التي تطرأ في السن السابعة تبرز لأول وهلة عندما تصبح المشاعر أو الانفعالات معممة، وهذا بعينه منطق الأحاسيس. فأزمة السنوات السبع بالخصوص هي المستوى الذي تقتضيه النفس لذاتها، ولنجاحها ولمكانتها. (فيكوتسكي، ص.989-997). إذ ذاك يصبح التمدرس ضروريا لنمو الفرد.

خصوصية روسية أخرى تخص نوع تنظيم الدراسة، وتتمثل في تركيز الحصص الدراسية الإلزامية في الفترة الصباحية التي تسبق وجبة الغذاء أو بعد الزوال. إنه تقليد قديم، والذي يميز الثقافة الجرمانية أيضا، بفضله يمكن للطفل المشاركة في الأعمال المنزلية أو مساعدة ومصاحبة كبار السن في الجزء الآخر من النهار. كما سمحت أيضا بتنمية شاملة للتربية التكميلية والمشخصة التي لا علاقة لها بالبرامج التعليمية العامة .

ليس غريبا أن نجد هذه الجوانب التربوية الروسية المتمثلة في الطابع المتعدد الأصوات للفكر الإبداعي لهذا الشعب (كوزنيفسوفا (2004))، واضحة ومذهلة جدا لدى ألمع ممثليه (المؤلفون: دوستيفسكي، تولستوي، نابوكوف؛ الموسيقيون: تشيكوفسكي، سترافينسكي، راشمانينوف، بروكوفيبف، تشوستاكوفيتش؛ الرسامون: شكال، مليفيتش،...بل وحتى الاقتصاديينأمثال تشايانوف، كوندراتييف،...)

----------------------------------------------------------

1 -Irina Peaucelle, Natalia Kuznetsova. L'éducation en Russie. Économies et sociétés, Développement, croissance et progrès - Presses de l'ISMEA - Paris, 2005, special issue (1635-1662), pp.40

2-بفرنسا تم إنشاء تعليم ابتدائي إجباري وعلماني (مع تعليم ديني اختياري يوم الخميس خارج المدرسة) سنة

3 -صحيح أن المقصود في هذا المقطع هو النظام وليس الأفراد.

يجب أن تكييف النظام أو يتكيف مع المطالب الاجتماعية

4- بالرغم من أن التمدرس يبدأ في سن 6-7، فإن تكلفة تعليم أطفال 3 سنوات فما فوق مرتفعة نسبيا في روسيا لكونها تمثل 0,6% من الناتج المحلي الإجمالي وهو أعلى من معدل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية(؟) (0,4% من الناتج المحلي الإجمالي). في سنة 1990 66,4% من الأطفال تمدرسوا بالمؤسسات التعليمية التي تدعى بالماقبل مدرسية، وقلت نسبتها سنة 2000 إلى 55%. ولم تمثل نسبة التمدرس بالنسبة لسن 7 سوى 89,3%، في روسيا، في حين أنها فاقت 90% في بلدان أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية بالنسبة لسن 5

5- أكثر من 40% من التلاميذ يلتحقون بمؤسسات التعليم التكميلي. هناك 8600 مؤسسة من 10 أنواع مختلفة، 1700 منها توجد بالمناطق الريفية. في كل سنة يتعاطى سبع ملايين من التلاميذ للفن، والتقنية، والرياضة، والعلوم، والسياحة وغير ذلك. يتم تأطيرهم من قبل 270000 عامل، 500 منهم مدرسون مختصون وألف علماء نفس.


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين البودلالي

تربية وتعليم   / الدارالبيضاء , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق