أضيف في 4 نونبر 2017 الساعة 02:06

مقصدية الخطاب في تدوينة رئيس الحكومة حول حادث مراكش الإجرامي


نورالدين الطويليع

اختار رئيس الحكومة سعد الدين العثماني أن يطل على المغاربة من نافذة موقع التواصل الاجتماعي, الفيسبوك, بمناسبة حادث القتل الإجرامي الذي عرفته مدينة مراكش, وذهب ضحيته نجل قاض يتابع دراسته العليا في كلية الطب, هذا الظهور المفاجئ كسر به السيد العثماني حاجز الصمت, وفتح به الأفواه التي أغلقها شهورا عديدة بمنهج الاستعصام بالسكوت,والابتعاد عن الإثارة, والبقاء بعيدا عن الأضواء الكاشفة, فأثار بذلك نقاشا اصطبغ بطابع السخرية والاستهزاء من شخصه كرئيس حكومة خارج نطاق الحدث.

مهما يكن, سنحاول في هذه القراءة السريعة الوقوف على لغة التدوينة, وما تضمنته من معينات وإشارات, وظرفية الخروج المفاجىء, وخلفيات الذات المرسلة للخطاب من وراء ذلك.

أولا: الذات المرسلة وغياب الأفعال الإنجازية: مرسل الخطاب, خصوصا إذا كان سياسيا حاكما, يحرص أشد الحرص على انتقاء ألفاظه والإتيان بأفعال تثبت قوته من قبيل: فعلت - عملت - أصدرت أوامري...., وهذا ما لم نره في تدوينة الشخصية الثانية في هرم السلطة المغربية, الذي افتتح نصه باستهلال أعطى مؤشرا سلبيا على ما سيأتي من كلام بعده, فكلمة "يبدو" تدل على التوقع والتخمين, ولا تناسب مقام من يجلس على كرسي رئاسة الحكومة, فهي دثار من لا يملكون الخيوط الرابطة بالحدث, يتدثرون بها ليعبروا عن وجهات نظر تجاه أحداث ملعب هم جمهوره, البعيد, ولا يملكون صلاحية الاقتراب من الأسلاك الشائكة لرقعته المحصنة, فكلمة "يبدو" ههنا تخرج الباث من نطاق المسؤول, لتضعه في خانة عامة الناس, وتأتي كلمة "ننتظر" لتزكي هذا الطرح من حيث ذوبان الذات في ضمير الجماعة, الذي يأتي في اللغة العربية للدلالة على العدد, أو على التعظيم, وتستشف دلالته من السياق الذي تشير كل المؤشرات هنا إلى أنه يدل على العدد, وأن رئيس الحكومة جرد نفسه من هذه الصفة, وتحدث كمواطن مشغول بالقضية المثيرة كباقي المواطنين, لا يزيد عليهم ولا يفضلهم بأي سلطة, علت أو سفلت, ولهذا استنجد بضمير الجماعة حتى لا يعري الذات الواهنة الضعيفة سياسيا, فلو قال في هذا السياق:"أنتظر", لجعله الفعل وصيغة الإفراد في وضع المفعولية المباشرة, لأن الفعل سيكون على وزن "أَنْفَعِلُ" الذي يدل على المطاوعة ويشير إلى وقوعه تحت تصرف فاعل يتسم بقوة الفعل, فالانتظار دائما هو من نصيب من هم تحت رحمة من يملكون المفاتيح , وتفرد الذات المرسلة به يعريها أكثر, ويكشف واقعها كذات لا تختلف عن باقي الذوات إلا بما يسبق اسمها من لقب, أثبتت كثير من الأحداث والوقائع هشاشته وقابليته للاهتراز, لذلك, وربما تأثرا بالهزات الارتدادية السابقة قررت هذه الذات أن تذوب في الجماعة, وتلقي اللقب بعيدا, فهي ذات مواطنة تتابع الحدث وتنفعل وتتفاعل معه كديدن باقي الذوات في كل ربوع الوطن, التي تواكبه في المقاهي والمجامع العامة ومواقع التواصل الاجتماعي.

ثانيا: تهوين الذات وتقزيمها: ثمة مؤشرات ناطقة بواقع ذات حاكمة اختارت أخيرا أن ترفع الراية البيضاء بعدما كابدت صراعا داخليا غلفته ب "حكمة الصمت", واستطاعت خلال شهور، بحصافة خبرتها ببواطن النفس الإنسانية أن تبعد عنها التساؤلات والتعليقات, لتعيش المشكل بهدوء, وبعيدا عن الضجيج, في انتظار أن يلمع مصباحها المعطل, وأن تخذه دليلها لعبور الدروب المظلمة, لكن, وأمام ملل الانتظار رمت الذات المرسلة هذه "الحكمة", وخرجت في وضعها المنكسر والمهشم, مضمخة بآثار جروح سياسة انفعلت بها, ولم تفعل فيها شيئا.

هذا التهوين يتجلى في افتقاد النص لأي إشارة إلى صفة رئيس الحكومة, أو احتوائه أيا من الروابط اللغوية الدالة على صلاحية من صلاحياته, فلولا ورود اسم الرجل في التدوينة, لما تسرب إلينا بصيص من الشك في أنها لمواطن عادي لا يملك من أمره شيئا, هذا إضافة إلى أن اللجوء إلى مواقع التواصل الاجتماعي في مثل هذا الموقف, وبهذه اللغة, لا ينبغي, ولا يجب أن يصدر ممن يملكون السلطة, فهذه المواقع هي السلطة الوهمية للضعفاء والمنبوذين, وحين يقرر سياسي برتبة رئيس حكومة استقلال مركبها, فهذا مؤشر على افتقاد السلطة الحقيقية, وعلى رغبة مكبوتة في البوح بمكنونات الذات المكلومة التي يبدو أنها خرجت بعد كمون طويل, لتبث, وبشكل غير مباشر ضعفها وهوانها وانكسارها, ولهذا السبب, ربما, نأى رئيس الحكومة بنفسه عن إصدار بيان باسم رئاسة الحكومة, لأن مقوماته وشروطه مفتقدة.

ثالثا: الاعتراف بقوة إحاطة الجهاز الأمني بالموضوع: كأي مواطن عادي, يبدو أن رئيس الحكومة تابع الحدث عبر وسائل الإعلام, وخرج بخلاصات تفيد بإحكام الجهاز الأمني قبضته عليه, وهنا نشير إلى أن الرجل غيب مؤسسته (رئاسة الحكومة) نهائيا عن الموضوع, وجاء عوضا عنها بكلمة "الأمن" التي ترددت في هذا النص القصير مرتين, لتشير إلى أن الجهاز الأمني هو بطل الساحة, يلقي القبض ويتمكن, ويؤكد, وهي أفعال إنجازية تثبت قوة الفاعل, بما يعني تسليما من المرسل بأن الملف تحت تصرف وزارة الداخلية, وأن رئيس الحكومة لا ناقة له ولا جمل في الموضوع, ولهذا فالرجل اختار الظهور بالصفة الشخصية، ما جعل الصفة الرسمية خارج النص, وتَجَنَّبَ استعمال بعض الألفاظ والعبارات التي قد تدل على وجود لمسة رئاسية شخصية, كأن يقول مثلا: أصدرت أوامري - اتصلت بوزير الداخلية - أطمئن المغاربة..., لأنه واقعي إلى أبعد الحدود, ولا يريد الاستئساد بلغة العالم الافتراضي, أو لأن الخطوط الحمراء تفرض عليه البقاء خارج الغرفة, وتجنب رمي الآخرين بما يفيد تواجده داخلها

رابعا: كتابة الهمزة في ءامن و ءامين، ودوره في تكريس الانتكاسة: ثمة من اعتبر الأمر هنة وخطأ، لكن ومن باب الإنصاف لا يمكن أن نزايد على السيد رئيس الحكومة في لغته, ولا يحق لنا أن نتهمه بالوهن اللغوي, فهو خريج دار الحديث الحسنية في الفقه وأصوله, ومعلوم أن أصحاب هذا التخصص الدقيق لا تعوزهم اللغة, وهو حينما كتب الهمزة في الكلمتين بتلك الطريقة يعي تماما أحكام المد، لكن, وهو يدقق لغته خدم السياق وجعل النص متساوقا وذات المرسل المهزوزة, فالمد الذي أسقطته في الكلمتين يدل على الاستطالة والاشرئباب, وهو لا يناسب, البتة, مقام الانكسار المسيطر على النص, لذلك اختزله في همزة على السطر, تبدو كأنها سقطت من علٍ, وعانقت أرض النص وحيدة, دون أن تجد ما يسندها من الحروف أو يحضنها, تماما كما سقطت ذات رئيس الحكومة في مشهد السياسة المغربية الغرائبية, وتحولت إلى اسم بلا مسمى, ولم تجد من يبث فيها روح الحياة لينقذها من أسْر لحظات الاحتضار الطويلة.

التدوينة ومقصدية الذات المرسلة: لا شك أن خروج رئيس الحكومة بهذه الطريقة, وفي هذا الظرف بالذات ليس بريئا, فالرجل يعي ما يفعل, وتكسيره حاجز الصمت تقف وراءه صرخة عميقة تقول عبر السطور المتناثرة: اللهم إني قد تعبت, وتؤكد أن رماح كنانة الصبر أوشكت

على النفاذ, ولعل ما حرك الرجل وأفاض غضبه الذي فجره على شكل تدوينة عبثية إن صح التعبير، هو رمزية الحدث الأمني الذي تجرع مرارته سنة 2003, وعانى منه حزبه الأمرين, جراء رغبات قوية من جهات كثيرة توخت توريطه فيه بغاية إعدامه سياسيا, ولم يتجاوزه وتبعاته إلا بشق النفس, فكأن الحدث أحيى الجرح, وذكر باثَّ الرسالة بألا شيء تغير, وبأن وجوده على رأس رئاسة الحكومة لم يغير من الأمر شيئا, إلا ما كان من تحوله من متابع إلى لاعب احتياط فَقَدَ الأمل في أن تمنح له فرصة خوض غمار اللعبة وإقحامه في صلبها.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : نورالدين الطويليع

, المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق