أضيف في 3 نونبر 2017 الساعة 16:02

في الذكرى المائة للوعد المشؤوم


أحمد حسيسو

ها هي مائة سنة تطوى من تاريخ البشرية، حمل رحمه خلالها ثم وضع وأرضع وربى كائنا من أشرس الكائنات الكونية عدوانيةً ودمويةً. ففي سنة 1917 بتاريخ النصارى أصدر وزير الخارجية البريطاني بلفور وعدا لرواد الحركة اليهودية حينذاك بإنشاء وطن قومي لليهود، وقد كانت عيون اليهود مركزة على بلاد فلسطين الكائنة تحت سيادة الامبراطورية العثمانية، غير أن الضعف والوهن بدآ يسريان في عروقها وينخران قواها، ولذلك لقبت بالرجل المريض.

الكائن الشرس الذي نحن بصدده في التاريخ المعاصر هو ما بات يسمى ب "إسرائيل"، هو بالمعاني الإنسانية شرير لكونه قام على الكذب والإرهاب والسفك والقتل والتدمير والتهجير، لكنه بالمعنى البراغماتي مكسب ثمين بالنسبة للحضارة الغربية التي عملت على إنشائه، "مصائب قوم عند قوم فوائد" كما يقال. الغرب الصليبي خطط لإخراج هذا الكيان إلى الوجود لخدمة مآربه ومصالحه في الشرق، حيث يرقد عملاق في سبات عميق يُخشى من صحوته، وقد بدأت المؤتمرات والمؤامرات لهذا الغرض منذ نهاية القرن التاسع عشر، ولمن أراد التثبت في الأمر فليعد إلى الوثائق التاريخية.

خرج هذا الكائن إلى الوجود عام 1948، بعد سيطرة العصابات الصهيونية المنظمة المدربة المسلحة بريطانياًّ على جل فلسطين، وإعلان دولة "إسرائيل" في ظروف اتسمت بضعف العرب وشتات المسلمين، وهيمنة الاستعمار الغربي على الأمة العربية والإسلامية، وهو ما سهل على القوات الصهيونية المتوثبة المتحمسة المسنودة أمريكيا وأوروبيا قهر الجيوش العربية، بل القضاء على معظم مقدراتها في حروب خاطفة لا تكلف الكيان الجديد إلا قليلا من الخسائر في الأرواح والعتاد. لقب جيش الاحتلال ب "الجيش الذي لا يقهر" ! لشدة الانبهار بإنجازاته العسكرية ضد العرب قاطبة على كثرة أعدادهم، وبلغت هالة الكيان ورهبته بالعرب أن اقتنعوا بالتنازل عن "إلقاء إسرائيل في البحر" وتهامسوا بالبحث عن تسوية تحفظ قليلا من ماء وجه العروبة، إذ لم تعد تجدي النخوة ولا الأنفة ولا الشعارات الحماسية شيئا مع واقع سياسي وعسكري عربي مهترئ عديم الجدوى.

ها هو ذاك الكائن الغريب في قلب الشرق الأوسط، في قلب الأمة العربية، قد بلغ أشده، أضحى قوة اقتصادية وتكنولوجية وعسكرية ونووية هائلة، وبات يفرض نفسه ومعادلاته ومصالحه وأطماعه، بل شب عن الطوق وأصبح عصيا حتى على الإملاءات المفترضة من أولياء نعمته بالأمس.

"إسرائيل" تحولت إلى دولة قوية منظمة متقدمة "ديمقراطية"، وإن كانت مزايا ديمقراطيتها لا تشمل بطبيعة الحال أولئك السكان الأصليين العرب الذين لم يغادروا البلاد على إثر حرب 1948، بل بقوا تحت نير الاحتلال ، وهم الذين سموا ب "عرب48 " وفرضت عليهم الجنسية الإسرائيلية، وإن كان "عرب 48" في الحقيقة أكثر حرية من مواطني الدول العربية.

انهزام النظام الرسمي العربي أمام دولة ناشئة مدعومة من طرف الدول العظمى، وبطش الآلة العسكرية الصهيونية بالفلسطينيين العزل لم يمنع من استمرار المقاومة الشعبية بمختلف الأشكال، والتي لم تترك الكيان الصهيوني لحظة واحدة في طمأنينة وأمان رغم غطرسته وجبروته، ولعل أنصع حدث مترجم لاستسلام العرب هو توقيع اتفاقية كامب ديفيد "للسلام" بين "إسرائيل" ومصر في عهد الرئيس أنور السادات، وتبعتها اتفاقية وادي عربة التي اعترفت بموجبها الأردن أيضا بشرعية كيان الاحتلال على تراب فلسطين، ومن ثم بدأت هرولة باقي الدول العربية وتسابقت للتطبيع مع العدو سرا وعلانية.

كانت "إسرائيل" في حاجة ماسة لذلكم التطبيع، فهي بمثابة أمة معزولة في جزيرة تحاصرها الأمواج المتلاطمة في كل الجهات، والتي لا ينبغي الركون لهدوئها وسكونها مهما طال، فقد تتحول فجأة إلى تسونامي يجرف كل شيء. ولذلك فإن التفكير المتعقل والمنطقي يفترض أن يمنعها من المزيد من التهور والمغامرة، وأن تنزع إلى تثبيت المكتسبات، ألا يكفي التقام كل فلسطين وهضبة الجولان، ثم فرض الاعتراف بالأمر الواقع على كل من مصر والأردن؟ وجنوح البقية للسلام؟ أليست هذه مكاسب هائلة في وقت قياسي من تأسيس الكيان؟ ! فهل تصرفت الدولة الوليدة بمنطق العقل وبعد النظر، وهل جنحت للسلم والحكمة والاستقرار؟

في خضم انشغال العالم العربي والإسلامي بحرب ضروس بين العراق وإيران، أقدمت الدولة العبرية التي لا يفارق عينيها حلم بناء "إسرائيل الكبرى" على مغامرة أخرى تمثلت في غزو لبنان عام 1982 بذريعة إبعاد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية عن الجبهات، وتلك هي اللعنة التي أتت ل "إسرائيل" بمكون جديد، اسمه المقاومة اللبنانية، أشد عليها من الفدائيين الفلسطينيين، والتي سيشتد عودها فيما بعد لتفرض على العدو معادلات لم تكن في الحسبان.

يقول الشاعر، لعله أبو العتاهية رحمه الله:

وإذا استوت للنمل أجنحة --- حتى يطير فقد دنا عطبه

كان بإمكان "إسرائيل" استغلال استعداد النظام الرسمي العربي للتنازل والتطبيع لتثبيت أركان دولتها المحاطة بالخصوم من كل الجهات، لكن الدولة العبرية استمرت في عنترياتها، إذ رأت في ضعف العرب فرصة لإتمام إنجاز مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي سوف يبتلع بموجبه العدو المنطقة برمتها، فما كان التنازل الشكلي لمصر عن صحراء سيناء إلا خطوة واحدة إلى الوراء لأجل خطوات كبيرة إلى الأمام، أقول رغم استعداد العرب للتطبيع مقابل قليل من الحقوق تُعطى للشعب الفلسطيني، من شأنها إذابة غليان الجماهير العربية وحنقتها على ضياع فلسطين، فقد عمى الله بصيرة قادة الدولة العبرية، فركبوا غرورهم إلى مزيد من التوسع في لبنان، حسبوا لبنان حينذاك بمثابة "الخاصرة الرخوة" للعرب، وبالفعل فقد تمكنوا من احتلال بيروت دون عنت يستحق الذكر، وإخراج فدائيي ياسر عرفات رحمه الله وإبعاد خطرهم إلى ما وراء البحار.

كان زخم الثورة الإيرانية مددا معنويا ألهب مشاعر مقاتلي حزب الله، وأكسبهم روحا معنوية عالية في مجابهة الاحتلال، الذي تلقى منهم ضربات موجعة أرغمته على الخروج مضطرا صاغرا من لبنان في النهاية، وهي أول مرة في تاريخ الصراع العربي "الإسرائيلي"، يتراجع فيها الجيش الصهيوني وينسحب من مواقعه مذعورا مهزوما، عجبا ل "الجيش الذي لا يقهر" يفر من أمام مقاتلين أقل بكثير منه في العدد والعدة والعتاد !

ناهيك عن بطولات رجال قطاع غزة الجبارين، وما أدراك ما غزة العزة، التي أذاقت جنود العدو الأمرين، وأرغمته على الخروج منها صاغرا منكسرا ذليلا، حتى أن أحد قادته عبر عن أمنيته في أن يستيقظ ذات صباح فيجد غزة قد غرقت في البحر !

الآن حين كتابة هذه السطور، وقد اكتمل قرن على وعد بلفور، وقد عاش الكيان الإسرائيلي المغروس ظلما وعدوانا في تراب فلسطين زهاء سبعة عقود من الزمان، نحن بصدد مفارقة عجيبة، فالكيان حاليا في أوج قوته العسكرية والتكنولوجية، لكنه في ذات الوقت أقرب إلى الاندحار والزوال، السبب واضح لا غبار عليه، هو كون المستقدمين لاستيطان فلسطين وُعِدوا بجنة آمنة وحياة مطمئنة على "أرض الميعاد"، لكن الوعد قد تبخر وذهب أدراج الرياح باشتداد شوكة المقاومة، وعلى رأسها كل من حماس وحزب الله، وأضحى كل شبر من أرض الاحتلال تحت مرمى نيران الثوار الفدائيين المتحمسين أكثر من أي وقت مضى لتطهير البلاد من دنس الاحتلال واستئصال سرطان الخزي والعار. رجال المقاومة ليسوا من طينة الجيوش العربية الرسمية التي تكدس السلاح لقمع شعوبها بدل مقارعة العدوان الصهيوني، رجال المقاومة الشريفة والجهاد المقدس يهجمون على الموت بمقدار ما يفر منه الجنود الصهاينة الجبناء، المعول عليهم لضمان أمن شعب جبان يختبئ في ملاجئ تحت الأرض أسابيع كالجرذان لمجرد احتمال سقوط صواريخ بدائية قرب المساكن ! فكيف به وقد تطورت قدرات المجاهدين بشكل لا يستهان به، وباتت مفخرة الترسانة الحربية النووية الصهيونية، مفاعل ديمونا النووي، هدفا محتملا لصواريخ المجاهدين إذا جد الجد واقتضت ضرورات القتال، فأين المفر؟

لا غرو يفكر المستوطنون المغرر بهم بجد في الرجوع من حيث أتوا بحثا عن الأمن بأي ثمن، قال الله تبارك وتعالى في سورة البقرة: "ولتجدنهم أحرص الناس على حياة يود أحدهم لو يعمر ألف سنة" ولذلك فإن كثيرا من المؤشرات تدل على أن العد العكسي لدولة بني صهيون قد بدأ فعلا.

مضى وعد بلفور الذي أفضى إلى صفحة سوداء في تاريخ الإنسانية، وها وعدنا القرآني النبوي يؤذن بأفول شمس بني صهيون، وكنس تلك الصفحة السوداء قادم بإذن الله، قال عز من قائل في سورة الإسراء: "فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا، عسى ربكم أن يرحمكم، وإن عدتم عدنا" إن الله لا يخلف الميعاد، وقد ورد في صحيح مسلم (2922) من حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: ( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي ، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ ).

تم بحمد الله، صباح يوم الجمعة ثالث نونبر 2017م.

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : أحمد حسيسو

إطار في التوجيه التربوي   / تنغير , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق