أضيف في 3 نونبر 2017 الساعة 06:17

وهم الزلزال


رشيد اليملولي

وهم الزلزال .

لعل غياب التقليد في أي تجربة سياسية غير مؤسساتية ، غالبا ما يجعل من أي فعل أو مبادرة مهما كان مستوى فعاليتها ، تبدو و كأنه ثقافة من دون روح ، أو في أحسن الأحوال صورة من دون معنى أو هوية . و التقليد في هذا المستوى لا يعني إلا تراكما في الروح و الثقافة التي تحتكم إلى رمزية المؤسسة داخل البنية الاجتماعية ؛ أي الذود عن الثقافة المواطنة بعيدا عن التشيع و الحزبية و الطائفية ، اللهم إذا كانت هذه الإحن انتصارا للديمقراطية و المؤسسات المعبرة عنها .

غير أن القول عن الثقافة و المؤسسة الديمقراطية ، لا يستقيم من دون الحديث عن مسار و صيرورة بنائية لهذه المرجعية ، و إذا كان من شذوذ في هذا المستوى ، فهو تعبير عن القاعدة و ليس نفيا لها ، لذلك الشعوب التي نافحت عن الثقافة المؤسساتية ، تجاوزت الكثير من معالم الارتجاع أو النكوص ، و قعدت لإمكان تمثل النعرات الجانبية و الأحداث المرافقة ، باعتبارها حافزا لإصلاح ذهني و تربوي و ثقافي ، يهفو نحو مجتمع نبذ الإعاقة المثبطة ، أو أي مسار بإمكانه تعطيل الخطى .

ليس طبيعيا أن تلوح بعض سمات و خصائص الثقافة الديمقراطية ، في مناخ ووضعية تتقاطعها أساليب الموت البطيء للفرد و المجتمع ، وقتل و إخلاف الموعد الحضاري مع التاريخ و اللحظات " الثورية " الضامنة للقطع مع القبايلية و الحزبية و الزبونية و الطائفية و التشيع ، بل قد لا تعني ملامح الثقافة الديمقراطية في هذا الفهم إلا حلقة مدوية في سلسلة سكوت و صمت رهيب ، لا لشيء سوى أن المشروع المعبر عن هذه الثقافة ، لا يعير اهتماما " نوعيا " للثقافة و العلم و الإنسان في بناء نموذجه الخاص ، بل لا يتورع في وأد هذه القيم باعتبارها مصدرا للتشويش و الإزعاج عن شرعية مشكوك في مصداقيتها الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية ، و لا حاجة للتذكير أن هذا النمط من الفهم يؤبد الصيغ الأمنية الدالة في تقديره على التنمية ، خارج أي تعاقد علمي أو ثقافي أو حتى تنموي .

إنه لمن المفارقة أن يتم الحديث عن الزلزال و الثورة ، في غياب و تغييب المقدمات النظرية و الحقوقية و الدستورية الضامنة للحرية و النقاش العمومي المنتج للمعنى ، لهذا الطوفان الجارف المسمى زلزالا ضحل في امتداده ومن ثم ضعفه في ضمان اجتثاثه لقواعد استمراره ، بدليل أنه لم ينفصل عن الذوات الحاملة له ، و الذهنية المرافقة لها ، و المؤسسة الضامنة له ، إذ هو تعبير عن تسكين و التفاف يسعى جاهدا لتجاوز الألم ، حتى أن الثورة أو الزلزال تتناغم حصرا مع الثقافة الثورية و " الزلزالية " إن جاز لنا التعبير ؛ بمعنى أدق مسايرة المؤسسة لثقافة الثورة و الزلزال ، و تضمين هذه الثقافة المناعة اللازمة ضد أي نكوص أو ارتداد أو ارتجاع ، و إن كان من نشاز أو استثناء فمن الطبيعي ألا يمس الجوهر .

نتساءل هنا ؛ هل الزلزال المزعوم هو نتيجة طبيعية لحراك الريف ؟ أم هو ثقافة مؤسساتية دأب عليها النظام السياسي ؟ .

لا تتعلق الإجابة هنا بالتحديد و التوصيف ، و لكنها تروم الوقوف عند الثقافة ؛ و أولى تجلياتها الخرق الدستوري ، حيث أن الإعفاء لم توازيه المحاسبة ، مما قد يطرح العديد من الإشارات السلبية لباقي القطاعات و الذوات المتعفنة التي تقتات عادة على الريع ، أو الكائنات التي تتغذى على الجاه و السلطة ، و تختلس التراتب الاجتماعي و الثروة المرتبطة به ، و قد يحيل على إدانة طرف في النظام السياسي برمته ، و تبرئة طرف ( الذئب في مقابل الحمل الوديع ) ، و هو ما يخلق الازدواجية في المعايير ، و يسقط عن الحادث مصداقيته الاجتماعية و الدستورية و الحقوقية ، و لا حتى صفة الحدث المدوي .

المسألة المتعلقة بما سمي زلزالا هي الأفق الذي يحكمه ، خاصة في ظل وجود العديد من الشبهات في قطاعات عدة ، مما قد يفسر فجائية الزلزال ، و حدثيته المفرطة التي تفتقر إلى النفس الطويل ، من خلال ضعف امتداده على مستوى فلسفة المؤسسة و المناخ الديمقراطي ، و الحياة السياسية و الحقوقية التي تظل فيها السلطة القضائية مغيبة بشكل سافر إن لم نقل مقصود ، و هذا ما يجعل ثلاثية السلطة مغيبة لصالح نظام وحدانية التسلط كما سماه ابن رشد .

الجانب المستتر و إن كان ظاهرا للعيان ، هو طبيعة اشتغال الإعلام الرسمي و العمومي ، الذي لم ينفك عن دوره " الحماسي " في تسويق صورة محددة عن هذا الزلزال ، و كأنه إنجاز أو طفرة نوعية أو سبق تاريخي ، هذا الفهم يشيد ازدواجية مرضية تبتغي تقوية طرف الملكية على حساب باقي الفرقاء ، دون توقع الأثر السيء لترويج الخطاب و الصورة الذهنية معا ، و هو إضعاف العملية السياسية و المعنى المرتبط بها الكامن في تدبير الاختلاف ، و تحويل المجال السياسي إلى حياض لتصدير القوة و الإنجاز و الفعل المرتبط به ، و ترسيخ نظام و اقتصاد سياسي هزيل يقوي القنوات غير الاجتماعية للسلطة السياسية ، هذا التضخيم الذي يجايث الفقر و العوز و الخصاص القيمي ، يؤدي لا محالة إلى التعجيل بموت العملية السياسية و كل الأدبيات المرافقة لها من دستور و فصل سلط و انتخابات ، و مجالس حقوقية . هذه الآلية الذهنية تبخس دور الساسة ، و تعلي ثقافة التبعية و لغة المريد و روحه ، و تضعف بقصد المنابع الموازية للسياسة من علوم إنسانية و معرفية ، التي تصبح بالضرورة خادمة للأمني و التقنوقراطي ، و ليست مجالا لإنتاج المعنى و نقيضه في إطار الصراع الاجتماعي الذي هو تعبير عن صراع مشاريع و مشروعيات معينة .

بهذا الفهم نحسب أن إعفاء وزراء أو مسؤولين ، و إن كان ينطوي على بعض الإشارات الإيجابية ، لا يغير من طبيعة الآسن الاجتماعي و السياسي و النظر إليه ، حيث أن تعاليه الدستوري يجعل من الثقافة الديمقراطية و المؤسساتية أكبر الغائبين ، إذ لا زالت الوضعية العامة تحمل الكثير من المعاطب التي لم تستطع الوثيقة الدستورية أن تقطع معها ، لغياب السند الثقافي و الذهنية المدافعة عنه ، لسبب بسيط هو أن الإعفاء لم يندرج في إطار ممارسة حقيقية تتتبع كل المشاريع ، بل هي رد فعل " إيجابي " في بعض الملامح عن حراك تجاوز الحدود الوطنية ، في حين فشل في إرساء ثقافة المحاسبة و ربطها بالمسؤولية أثناء انتهاء سواء الولايات التشريعية ، أو انتهاء مهام مسؤول ما ، مما يعني أن الزلزال المعبر عنه إعلاميا لا يحمل من المعنى إلا ما يفيد موته و كفنه و عزاءه .

فهل ننتظر زلزالا قادما و بعنف ثوري لصالح المؤسسة الوطنية ؟ .

 


قيم وشارك المادة :


  
كاتب الموضوع : رشيد اليملولي

استاذ الثانوي التأهيلي ـ دكتوراه في التاريخ   / مكناس , المغرب


أضف تعليقك على الموضوع
* كاتب التعليق
* عنوان التعليق
  * الدولة
* التعليق